الثلاثاء، 1 مارس 2016

قصة سلمان الفارسي ( ع )
[ ص: 505 ]
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : هو سلمان ابن الإسلام ، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام ، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخدمه وحدث عنه .
وروى عنه ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو الطفيل ، وأبو عثمان النهدي ، وشرحبيل بن السمط ، وأبو قرة سلمة بن معاوية الكندي ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ، وأبو عمر زاذان ، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي ، وقرثع الضبي الكوفيون .
له في مسند بقي ستون حديثا ، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث ، ومسلم ثلاثة أحاديث .
وكان لبيبا حازما ، من عقلاء الرجال وعبادهم ونبلائهم .
قال يحيى بن حمزة القاضي : عن عروة بن رويم ، عن القاسم أبي عبد الرحمن حدثه ، قال : زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام الظهر ، ثم خرج وخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة ، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر ، وهو يمشي ، فوقفنا نسلم عليه ، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به ، فقال : جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشير بن سعد .
فلما قدم ، سأل عن أبي الدرداء ، فقالوا : هو مرابط ، فقال : أين مرابطكم ؟ قالوا : بيروت . فتوجه قبله ، قال : فقال سلمان : يا أهل بيروت ، ألا أحدثكم حديثا يذهب الله به عنكم عرض الرباط ؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : رباط يوم وليلة كصيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطا أجير من فتنة القبر ، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة . [ ص: 506 ]
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق ، أنبأنا عبد القوي بن عبد العزيز الأغلبي ، أنبأنا عبد الله بن رفاعة ، أنبأنا أبو الحسن الخلعي ، أنبأنا أبو محمد بن النحاس ، أنبأنا أبو محمد بن الورد ، أنبأنا أبو سعيد بن عبد الرحيم ، أنبأنا عبد الملك بن هشام ، حدثنا زياد بن عبد الله ، عن ابن إسحاق ( ح ) .
وأنبأنا أبو محمد بن قدامة ، وأبو الغنائم بن علان ، إجازة ، أن حنبل بن عبد الله أخبرهم : أنبأنا أبو القاسم الشيباني ، أنبأنا أبو علي الواعظ ، أنبأنا أبو بكر المالكي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ( ح ) ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيره ، عن يونس بن بكير ( ح ) وسهل بن عثمان ، حدثنا يحيى بن أبي زائدة ( ح ) وعن يحيى بن آدم ، عن عبد الله بن إدريس ( ح ) وحجاج بن قتيبة ، حدثنا زفر بن قرة ، جميعهم عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس قال : حدثني سلمان الفارسي ، قال : كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان ، من أهل قرية منها يقال لها جي وكان أبي دهقانها ، وكنت أحب خلق الله إليه ، فلم يزل بي حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة .
وكانت [ ص: 507 ] لأبي ضيعة عظيمة ، فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي : يا بني ، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب فاطلعها ، وأمرني ببعض ما يريد . فخرجت ، ثم قال : لا تحتبس علي ; فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شيء من أمري .
فخرجت أريد ضيعته ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته ، فلما مررت بهم ، وسمعت أصواتهم ، دخلت إليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم ، ورغبت في أمرهم ، وقلت : هذا - والله - خير من الدين الذي نحن عليه ; فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي ولم آتها ، فقلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام .
قال : ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : أي بني ، أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قلت : يا أبة ، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس . قال : أي بني ، ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه . قلت : كلا والله ، إنه لخير من ديننا . قال : فخافني ، فجعل في رجلي قيدا ، ثم حبسني في بيته . قال : وبعثت إلى النصارى ، فقلت : إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى ، فأخبروني بهم .
فقدم عليهم ركب من الشام ، قال : فأخبروني بهم ، فقلت : إذا قضوا حوائجهم ، وأرادوا الرجعة ، فأخبروني . قال : ففعلوا ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام . فلما قدمتها ، قلت : من أفضل أهل هذا الدين ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة . فجئته ، فقلت : إني قد رغبت في هذا الدين ، وأحببت أن أكون معك أخدمك [ ص: 508 ] في كنيستك ، وأتعلم منك ، وأصلي معك . قال : فادخل ، فدخلت معه ، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه منها شيئا ، اكتنزه لنفسه ، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق ، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع .
ثم مات ، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم : إن هذا رجل سوء ، يأمركم بالصدقة ، ويرغبكم فيها ، فإذا جئتم بها ، كنزها لنفسه ، ولم يعط المساكين ، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة ، فلما رأوها قالوا : والله لا ندفنه أبدا . فصلبوه ثم رموه بالحجارة . ثم جاءوا برجل جعلوه مكانه ، فما رأيت رجلا - يعني لا يصلي الخمس - أرى أنه أفضل منه ، أزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ونهارا ، ما أعلمني أحببت شيئا قط قبله حبه ، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة ، فقلت : يا فلان ، قد حضرك ما ترى من أمر الله ، وإني والله ما أحببت شيئا قط حبك ، فماذا تأمرني وإلى من توصيني ؟
قال لي : يا بني - والله - ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فائته ; فإنك ستجده على مثل حالي . فلما مات وغيب لحقت بالموصل ، فأتيت صاحبها ، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد ، فقلت له : إن فلانا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك .
قال : فأقم أي بني . فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة . فقلت له : إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من توصي بي ؟ وما تأمرني به ؟ قال : والله ما أعلم ، أي بني ، إلا رجلا بنصيبين .
فلما دفناه ، لحقت بالآخر ، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره [ ص: 509 ] الموت ، فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم ، فأتيته فوجدته على مثل حالهم ، واكتسبت حتى كان لي غنيمة وبقيرات .
ثم احتضر فكلمته إلى من يوصي بي ؟ قال : أي بني ، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم ، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل ، وإن فيه علامات لا تخفى ، بين كتفيه خاتم النبوة ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل ; فإنه قد أظلك زمانه .
فلما واريناه ، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب ، فقلت لهم : تحملوني إلى أرض العرب ، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه ؟ قالوا : نعم . فأعطيتهم إياها وحملوني ، حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني ، فباعوني عبدا من رجل يهودي بوادي القرى ، فوالله لقد رأيت النخل ، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي .
وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى ، فابتاعني من صاحبي ، فخرج بي حتى قدمنا المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها ، فعرفت نعتها .
فأقمت في رق ، وبعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق ، حتى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قباء ، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له ، فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له ، فقال : يا فلان ، قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي .
فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء - يقول الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ، ونزلت أقول : ما هذا الخبر ؟ . [ ص: 510 ]
فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة ، وقال : ما لك ولهذا ، أقبل على عملك . فقلت : لا شيء ; إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه .
فلما أمسيت ، وكان عندي شيء من طعام ، فحملته وذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء ، فقلت له : بلغني أنك رجل صالح ، وأن معك أصحابا لك غرباء ، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد ، فهاك هذا ، فكل منه .
قال : فأمسك ، وقال لأصحابه : كلوا . فقلت في نفسي : هذه خلة مما وصف لي صاحبي .
ثم رجعت ، وتحول رسول الله إلى المدينة ، فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به ، فقلت : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية . فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكل أصحابه ، فقلت : هذه خلتان .
ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو في أصحابه ، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف .
فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فانكببت عليه أقبله وأبكي .
فقال لي : تحول . فتحولت ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمع ذلك أصحابه .
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدر وأحد . ثم قال رسول الله : كاتب يا سلمان . فكاتبت صاحبي على ثلاث مائة نخلة [ ص: 511 ] أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : أعينوا أخاكم . فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ، والرجل بخمس عشرة ، حتى اجتمعت ثلاث مائة ودية . فقال : اذهب يا سلمان ففقر لها ، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي . ففقرت لها وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت منها ، جئته وأخبرته ، فخرج معي إليها نقرب له الودي ، ويضعه بيده .
فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة ، فأديت النخل ، وبقي علي المال ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي ، فقال : ما فعل الفارسي المكاتب ؟ فدعيت له ، فقال : خذها فأد بها ما عليك . قلت : وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟ قال : خذها فإن الله سيؤدي بها عنك . فأخذتها فوزنت لهم منها أربعين أوقية ، وأوفيتهم حقهم وعتقت ، فشهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخندق حرا ، ثم لم يفتني معه مشهد .
زاد إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق ، فقال عن يزيد بن أبي حبيب ، عن رجل من عبد القيس ، عن سلمان : قال : لما قلت له : وأين تقع هذه من الذي علي ؟ أخذها فقلبها على لسانه ، ثم قال : خذها .
وفي رواية ابن إدريس ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، عن رجل [ ص: 512 ] من عبد القيس أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : حدثني من حدثه سلمان ، أنه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله أن صاحب عمورية قال له : إذا رأيت رجلا كذا وكذا من أرض الشام بين غيضتين ، يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كل سنة مرة ، يتعرضه الناس ، ويداوي الأسقام ، يدعو لهم ، فيشفون ، فائته ، فسله عن الدين الذي يلتمس . فجئت حتى أقمت مع الناس بين تينك الغيضتين .
فلما كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة خرج وغلبني الناس عليه حتى دخل الغيضة الأخرى ، وتوارى مني إلا منكبيه ، فتناولته ، فأخذت بمنكبيه ، فلم يلتفت إلي ، وقال : ما لك ؟ قلت : أسأل عن دين إبراهيم الحنيفية . قال : إنك لتسأل عن شيء ما يسأل الناس عنه اليوم . وقد أظلك نبي يخرج من عند هذا البيت الذي بمكة يأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه ، فالحق به . ثم انصرف ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لئن كنت صدقتني لقد لقيت وصي عيسى ابن مريم .
تفرد به ابن إسحاق .
وقاطن النار : ملازمها ، وبنو قيلة ، الأنصار ، والفقير : الحفرة ، والودي : النصبة .
وقال يونس : عن ابن إسحاق ، حدثني عاصم ، حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز بنحو مما مر ، وفيه : وقد أظلك نبي يخرج عند أهل هذا البيت ، [ ص: 513 ] ويبعث بسفك الدم . فلما ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت حواري عيسى=====عبيد الله بن موسى ، وعمرو العنقزي قالا : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي قرة الكندي ، عن سلمان قال : كان أبي من الأساورة ، فأسلمني في الكتاب ، فكنت أختلف وكان معي غلامان ، فكانا إذا رجعا ، دخلا على قس أو راهب ، فأدخل معهما ، فقال لهما : ألم أنهكما أن تدخلا علي أحدا ، أو تعلما بي أحدا ؟ فكنت أختلف حتى كنت أحب إليه منهما ، فقال لي : يا سلمان ، إني أحب أن أخرج من هذه الأرض . قلت : فأنا معك .
فأتى قرية فنزلها ، وكانت امرأة تختلف إليه ، فلما حضر ، قال : احفر عند رأسي ، فاستخرجت جرة من دراهم ، فقال : ضعها على صدري . قال : فجعل يضرب بيده على صدره ، ويقول : ويل للقنائين . قال : ومات فاجتمع القسيسون والرهبان ، وهممت أن أحتمل المال ، ثم إن الله عصمني ، فقلت لهم : إنه قد ترك مالا . فوثب شبان من أهل القرية فقالوا : هذا مال أبينا ، كانت سريته تختلف إليه .
فقلت : يا معشر القسيسين والرهبان ، دلوني على عالم أكون معه . قالوا : ما نعلم أحدا أعلم من راهب بحمص ، فأتيته فقصصت عليه ، فقال : ما جاء بك إلا طلب العلم ؟ قلت : نعم . قال : فإني لا أعلم أحدا في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا الشهر ، وإن انطلقت وجدت حماره واقفا . فانطلقت فوجدت حماره واقفا على باب بيت المقدس ، فجلست حتى خرج . فقصصت عليه ، فقال : اجلس حتى أرجع إليك . [ ص: 514 ] فذهب فلم يرجع إلى العام المقبل ، فقلت : ما صنعت ؟ قال : وإنك لها هنا بعد ؟ قلت : نعم . قال : فإني لا أعلم أحدا في الأرض أعلم من رجل يخرج بأرض تيماء ، وهو نبي وهذا زمانه ، وإن انطلقت الآن وافقته ، وفيه ثلاث : خاتم النبوة ، ولا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية . خاتم النبوة عند غرضوف كتفه ، كأنها بيضة حمامة ، لونها لون جلده .
فانطلقت ، فأصابني قوم من الأعراب ، فاستعبدوني فباعوني ، حتى وقعت إلى المدينة ، فسمعتهم يذكرون النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألت أهلي أن يهبوا لي يوما ففعلوا ، فخرجت فاحتطبت ، فبعته بشيء يسير ، ثم جئت بطعام اشتريته ، فوضعته بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
فقال : ما هذا ؟ فقلت : صدقة . فأبى أن يأكل ، وأمر أصحابه فأكلوا ، وكان العيش يومئذ عزيزا ، فقلت : هذه واحدة . ثم أمكث ما شاء الله أن أمكث . ثم قلت لأهلي : هبوا لي يوما . فوهبوا لي يوما ، فخرجت ، فاحتطبت فبعته بأفضل مما كنت بعت به - يعني الأول - فاشتريت به طعاما ، ثم جئت ، فوضعته بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما هذا ؟ قلت : هدية . قال : كلوا . وأكل . قلت : هذه أخرى .
ثم قمت خلفه ، فوضع رداءه ، فرأيت عند غرضوف كتفه خاتم النبوة ، فقلت : أشهد أنك رسول الله . فقال : ما هذا ؟ فحدثته ، وقلت : يا رسول الله ، هذا الراهب أفي الجنة هو ، وهو يزعم أنك نبي الله ؟ قال : إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة . فقلت : إنه أخبرني أنك نبي . فقال : إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة . [ ص: 515 ]
رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن أبي كامل ، ورواه أبو قلابة الرقاشي عن عبد الله بن رجاء ، كلاهما عن إسرائيل .
سعيد بن أبي مريم : حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا يزيد بن أبي حبيب ، حدثني السلم بن الصلت العبدي ، عن أبي الطفيل البكري أن سلمان الخير حدثه قال : كنت رجلا من أهل جي ، مدينة أصبهان ، فأتيت رجلا يتحرج من كلام الناس فسألته : أي الدين أفضل ؟ قال : ما أعلم أحدا غير راهب بالموصل . فذهبت إليه ، فكنت عنده ، إلى أن قال : فأتيت حجازيا ، فقلت : تحملني إلى المدينة وأنا لك عبد ؟ فلما قدمت ، جعلني في نخله ، فكنت أستقي كما يستقي البعير ، حتى دبر ظهري ولا أجد من يفقه كلامي ، حتى جاءت عجوز فارسية تستقي ، فكلمتها ، فقلت : أين هذا الذي خرج ؟ قالت : سيمر عليك بكرة . فجمعت تمرا ، ثم جئته وقربت إليه التمر ، فقال : أصدقة أم هدية ؟ .
أبو إسماعيل الترمذي ، وإسحاق بن إبراهيم بن جميل وغيرهما ، قالوا : أنبأنا عبد الله بن أبي زياد القطواني حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا موسى بن سعيد الراسبي ، حدثنا أبو معاذ ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن سلمان الفارسي ، قال : كنت ممن ولد برامهرمز وبها نشأت ، وأما أبي فمن أصبهان . [ ص: 516 ]
وكانت أمي لها غنى ، فأسلمتني إلى الكتاب ، وكنت أنطلق مع غلمان من أهل قريتنا إلى أن دنا مني فراغ من الكتابة ، ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أطول ، وكان ثم جبل فيه كهف في طريقنا ، فمررت ذات يوم وحدي ، فإذا أنا فيه برجل عليه ثياب شعر ، ونعلاه شعر ، فأشار إلي ، فدنوت منه ، فقال : يا غلام ، أتعرف عيسى ابن مريم ؟ قلت : لا . قال : هو رسول الله . آمن بعيسى وبرسول يأتي من بعده اسمه أحمد ، أخرجه الله من غم الدنيا إلى روح الآخرة ونعيمها . قلت : ما نعيم الآخرة ؟ قال : نعيم لا يفنى . فرأيت الحلاوة والنور يخرج من شفتيه ، فعلقه فؤادي وفارقت أصحابي ، وجعلت لا أذهب ولا أجيء إلا وحدي .
وكانت أمي ترسلني إلى الكتاب ، فأنقطع دونه ، فعلمني شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنعيسى رسول الله ، ومحمدا بعده رسول الله ، والإيمان بالبعث ، وعلمني القيام في الصلاة ، وكان يقول لي : إذا قمت في الصلاة فاستقبلت القبلة ، فاحتوشتك النار فلا تلتفت ، وإن دعتك أمك وأبوك فلا تلتفت ، إلا أن يدعوك رسول من رسل الله ، وإن دعاك وأنت في فريضة فاقطعها ; فإنه لا يدعوك إلا بوحي .
وأمرني بطول القنوت ، وزعم أن عيسى - عليه السلام - قال : طول القنوت أمان على الصراط ، وطول السجود أمان من عذاب القبر ، وقال : لا تكذبن مازحا ولا جادا حتى يسلم عليك ملائكة الله ، ولا تعصين الله في طمع ولا غضب ، لا تحجب عن الجنة طرفة عين .
ثم قال لي : إن أدركت محمد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمن به ، واقرأ عليه السلام مني ; فإنه بلغني أن عيسى ابن مريم - عليه السلام - [ ص: 517 ] قال : من سلم على محمد رآه أو لم يره ، كان له محمد شافعا ومصافحا . فدخل حلاوة الإنجيل في صدري .
قال : فأقام في مقامه حولا ، ثم قال : أي بني ، إنك قد أحببتني وأحببتك ، وإنما قدمت بلادكم هذه : إنه كان لي قريب ، فمات ، فأحببت أن أكون قريبا من قبره أصلي عليه وأسلم عليه ، لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة ، يقول الله : من وصل قرابته ، وصلني ، ومن قطع قرابته ، فقد قطعني ، وإنه قد بدا لي الشخوص من هذا المكان ، فإن كنت تريد صحبتي فأنا طوع يديك . قلت : عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي . قال : إن كنت تريد أن تهاجر مهاجر إبراهيم - عليه السلام - فدع الوالدة والقرابة ، ثم قال : إن الله يصلح بينك ، وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة .
فخرجت معه ، فأتينا نصيبين ، فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه . ويبسطون له أرديتهم ، وقالوا : مرحبا بسيدنا وواعي كتاب ربنا ، فحمد الله ، ودمعت عيناه وقال : إن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله ، فأبشروا بالنظر إلى الله . ثم قال : إني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهرا ، فاستوصوا بهذا الغلام ; فإني رأيته رقيقا سريع الإجابة .
فمكث شهرا لا يلتفت إلي ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف ولا ينصرف ، فقالوا : لو تعرضت له ، فقلت : أنتم أعظم عليه حقا مني ، قالوا : أنت ضعيف ، غريب ، ابن سبيل ، وهو نازل علينا ، فلا تقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقله . فعرضت له فارتعد ، ثم جثا على ركبتيه ، ثم قال : ما لك يا بني ؟ جائع أنت ؟ عطشان أنت ؟ مقرور أنت ؟ اشتقت إلى أهلك ؟ قلت : بل أطعت هؤلاء العلماء . قال : أتدري ما يقول الإنجيل ؟ قلت : لا ، قال : يقول من أطاع العلماء فاسدا كان أو مصلحا ، فمات فهو صديق ، وقد بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس . فجاء العلماء ، [ ص: 518 ] فقالوا : يا سيدنا امكث يومك تحدثنا وتكلمنا ، قال : إن الإنجيل حدثني أنه من هم بخير فلا يؤخره .
فقام فجعل العلماء يقبلون كفيه وثيابه ، كل ذلك يقول : أوصيكم ألا تحتقروا معصية الله ، ولا تعجبوا بحسنة تعملونها ، فمشى ما بين نصيبين والأرض المقدسة شهرا يمشي نهاره ، ويقوم ليله حتى دخل بيت المقدس ، فقام شهرا يصلي الليل والنهار ، فاجتمع إليه علماء بيت المقدس ، فطلبوا إلي أن أتعرض له ففعلت ، فانصرف إلي ، فقال لي كما قال في المرة الأولى ، فلما تكلم اجتمع حوله علماء بيت المقدس ، فحالوا بيني وبينه يومهم وليلتهم حتى أصبحوا ، فملوا وتفرقوا ، فقال لي : أي بني ، إني أريد أن أضع رأسي قليلا ، فإذا بلغت الشمس قدمي فأيقظني . قال : وبينه وبين الشمس ذراعان . فبلغته الشمس ، فرحمته لطول عنائه وتعبه في العبادة ، فلما بلغت الشمس سرته استيقظ بحرها .
فقال : ما لك لم توقظني ؟ قلت : رحمتك لطول عنائك . قال : إني لا أحب أن تأتي علي ساعة لا أذكر الله فيها ولا أعبده ، أفلا رحمتني من طول الموقف ؟ أي بني ، إني أريد الشخوص إلى جبل فيه خمسون ومائة رجل أشرهم خير مني . أتصحبني ؟ قلت : نعم . فقام فتعلق به أعمى على الباب ، فقال : يا أبا الفضل تخرج ولم أصب منك خيرا ، فمسح يده على وجهه ، فصار بصيرا . فوثب مقعد إلى جنب الأعمى ، فتعلق به فقال : من علي من الله عليك بالجنة . فمسح يده عليه . فقام فمضى - يعني الراهب - فقمت أنظر يمينا وشمالا لا أرى أحدا .
فدخلت بيت المقدس فإذا أنا برجل في زاوية عليه المسوح ، فجلست حتى انصرف ، فقلت : يا عبد الله ، ما [ ص: 519 ] اسمك ؟ قال : فذكر اسمه ، فقلت : أتعرف أبا الفضل ؟ قال : نعم ، ووددت أني ، لا أموت حتى أراه ، أما إنه هو الذي من علي بهذا الدين ، فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي يخرج من جبال تهامة ، يقال له : محمد بن عبد الله ، يركب الجمل والحمار والفرس والبغلة ، ويكون الحر والمملوك عنده سواء ، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه ، لو قسمت بين الدنيا كلها لم يكن لها مكان ، بين كتفيه كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها : الله وحده لا شريك له ، محمد رسول الله ، وظاهرها : توجه حيث شئت فإنك المنصور ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، ليس بحقود ولا حسود ، ولا يظلم معاهدا ولا مسلما . فقمت من عنده ، فقلت : لعلي أقدر على صاحبي ، فمشيت غير بعيد ، فالتفت يمينا وشمالا لا أرى شيئا .
فمر بي أعراب من كلب ، فاحتملوني حتى أتوا بي يثرب ، وسموني ميسرة ، فجعلت أناشدهم ، فلا يفقهون كلامي ، فاشترتني امرأة يقال لها : خليسة بثلاث مائة درهم . فقالت : ما تحسن ؟ قلت : أصلي لربي وأعبده ، وأسف الخوص . قالت : ومن ربك ؟ قلت : رب محمد . قالت : ويحك ! ذاك بمكة ، ولكن عليك بهذه النخلة ، وصل لربك لا أمنعك ، وسف الخوص ، واسع على بناتي ; فإن ربك يعني إن تناصحه في العبادة يعطك سؤلك .
فمكثت عندها ستة عشر شهرا حتى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فبلغني ذلك وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال فانتقيت شيئا من الخلال ، فجعلته في ثوبي ، وأقبلت أسأل عنه ، حتى دخلت عليه وهو في منزل أبي أيوب ، [ ص: 520 ] وقد وقع حب لهم فانكسر ، وانصب الماء ، فقام أبو أيوب وامرأته يلتقطان الماء بقطيفة لهما لا يكف على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فخرج رسول الله ، فقال : ما تصنع يا أبا أيوب ؟ فأخبره ، فقال : لك ولزوجتك الجنة . فقلت : هذا - والله - محمد رسول الرحمة . فسلمت عليه ، ثم أخذت الخلال فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا يا بني ؟ قلت : صدقة . قال : إنا لا نأكل الصدقة . فأخذته وتناولت إزاري وفيه شيء آخر ، فقلت : هذه هدية . فأكل وأطعم من حوله ، ثم نظر إلي ، فقال : أحر أنت أم مملوك ؟ قلت : مملوك . قال : ولم وصلتني بهذه الهدية ؟ .
قلت : كان لي صاحب من أمره كذا ، وصاحب من أمره كذا ، فأخبرته بأمرهما .
قال : أما إن صاحبيك من الذين قال الله الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم الآية ، ما رأيت في ما خبرك ؟
قلت : نعم ، إلا شيئا بين كتفيك . فألقى ثوبه ، فإذا الخاتم ، فقبلته ، وقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .
فقال : يا بني ، أنت سلمان ، ودعا عليا ، فقال : اذهب إلى خليسة ، فقل لها : يقول لك محمد إما أن تعتقي هذا ، وإما أن أعتقه ، فإن الحكمة تحرم عليك خدمته . قلت : يا رسول الله . أشهد أنها لم تسلم . قال : يا سلمان ، أولا تدري ما حدث بعدك ؟ دخل عليها ابن عمها فعرض عليها الإسلام فأسلمت . فانطلق علي ، وإذا هي تذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرها علي ، [ ص: 521 ] فقالت : انطلق إلى أخي ، تعني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقل له : إن شئت فأعتقه ، وإن شئت فهو لك . قال : فكنت أغدو وأروح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعولني خليسة .
فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم : انطلق بنا نكافئ خليسة . فكنت معه خمسة عشرة يوما في حائطها يعلمني وأعينه ، حتى غرسنا لها ثلاث مائة فسيلة ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتد عليه حر الشمس وضع على رأسه مظلة لي من صوف ، فعرق فيها مرارا ، فما وضعتها بعد على رأسي إعظاما له ، وإبقاء على ريحه ، وما زلت أخبأها وينجاب منها حتى بقي منها أربع أصابع ، فغزوت مرة ، فسقطت مني .
هذا الحديث شبه موضوع ، وأبو معاذ مجهول وموسى======إسماعيل بن عيسى العطار : حدثنا إسحاق بن بشر ، حدثني أبو عبيد الله التيمي ، عن ابن لهيعة ، عن أبي قبيل قال : قيل لسلمان : أخبرنا عن إسلامك . قال : كنت مجوسيا ، فرأيت كأن القيامة قد قامت ، وحشر الناس على صورهم ، وحشر المجوس على صور الكلاب ، ففزعت . فرأيت من القابلة أيضا أن الناس حشروا على صورهم ، وأن المجوس حشروا على صور الخنازير ، فتركت ديني ، وهربت وأتيت الشام ، فوجدت يهودا ، فدخلت في دينهم ، وقرأت كتبهم ، ورضيت بدينهم وكنت عندهم حججا . فرأيت فيما يرى النائم أن الناس حشروا ، وأن اليهود أتي بهم ، فسلخوا ، ثم ألقوا في النار فشووا ، ثم أخرجوا ، فبدلت جلودهم ، ثم أعيدوا في النار .
فانتبهت وهربت من اليهودية ، فأتيت قوما نصارى ، فدخلت في دينهم ، وكنت معهم في شركهم ، فكنت عندهم حججا ، فرأيت كأن ملكا أخذني فجاء بي على الصراط على النار ، فقال : اعبر هذا ، فقال صاحب الصراط : انظروا ، فإن كان دينه النصرانية ، فألقوه في النار .
فانتبهت وفزعت ، ثم استعبرت راهبا كان [ ص: 522 ] صديقا لي ، فقال : إن الذي أنت عليه دين الملك ، ولكن عليك باليعقوبية . فرفضت ذلك ، ولحقت بالجزيرة ، فلزمت راهبا بنصيبين يرى رأي اليعقوبية ، فكنت عندهم حججا ، فرأيت فيما يرى النائم أن إبراهيم خليل الرحمن قائم عند العرش يميز من كان على ملته ، فيدخله الجنة ، ومن كان على غير ملته ، ذهبوا به إلى النار .
فهربت من ذلك الراهب ، وأتيت راهبا له خمسون ومائة سنة وأخبرته بقصتي ، فقال : إن الذي تطلبه ليس هو اليوم على ظهر الأرض ، ذاك دين الحنفية وهو دين أهل الجنة ، وقد اقترب ، وأظلك زمانه ، نبي يثرب يدعو إلى هذا الدين . قلت : ما اسم هذا الرجل ؟ قال : له خمسة أسماء : مكتوب في العرش محمد ، وفي الإنجيل أحمد ، ويوم القيامة محمود ، وعلى الصراط حماد ، وعلى باب الجنة حامد ، وهو من ولد إسماعيل ، وهو قرشي ، فسرد كثيرا من صفته - صلى الله عليه وسلم .
قال : فسرت في البرية ، فسبتني العرب ، واستخدمتني سنين ، فهربت منهم ، إلى أن قال : فلما أسلمت قبل على رأسي ، وكساني أبو بكر ما كان عليه ، إلى أن قال : يا سلمان أنت مولى الله ورسوله .
وهو منكر ، في إسناده كذاب وهو إسحاق مع إرساله ووهن ابن لهيعة والتيمي .
سمويه حدثنا عمرو بن حماد القناد حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : إن الذين آمنوا والذين هادوا الآية في أصحاب سلمان نزلت ، وكان من أهل جند [ ص: 523 ] سابور ، وكان من أشرافهم ، وكان ابن الملك صديقا له ومؤاخيا ، وكانا يركبان إلى الصيد ، فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباء ، فأتياه ، فإذا هما برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه ، ويبكي ، فسألاه : ما هذا ؟ قال : الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما ، فانزلا . فنزلا إليه ، فقال : هذا كتاب جاء من عند الله أمر فيه بطاعته ، ونهى عن معصيته ، فيه : أن لا تزن ولا تسرق ، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل ، فقص عليهما ما فيه ، وهو الإنجيل . فتابعاه فأسلما ، وقال : إن ذبيحة قومكما عليكما حرام .
ولم يزل معهما يتعلمان منه حتى كان عيد للملك فجعل طعاما ، ثم جمع الناس والأشراف ، وأرسل إلى ابن الملك ، فدعاه ليأكل فأبى ، وقال : إني عنك مشغول . فلما أكثر عليه ، أخبر أنه لا يأكل من طعامهم . فقال له الملك : من أخبرك بهذا ؟ فذكر له الراهب .
فطلب الراهب وسأله ، فقال : صدق ابنك . فقال : لولا أن الدم عظيم لقتلتك . اخرج من أرضنا ، فأجله أجلا ، فقمنا نبكي عليه ، فقال : إن كنتما صادقين ، فأنا في بيعة في الموصل مع ستين رجلا نعبد الله ، فائتونا .
فخرج ، وبقي سلمان وابن الملك . فجعل سلمان يقول لابن الملك : انطلق بنا ، وابن الملك يقول : نعم . فجعل يبيع متاعه يريد الجهاز ، وأبطأ ، فخرج سلمان حتى أتاهم ، فنزل على صاحبه وهو رب البيعة .
فكان سلمان معه يجتهد في العبادة ، فقال له الشيخ : إنك غلام حدث وأنا خائف أن تفتر ، فارفق بنفسك ، قال : خل عني .
ثم إن صاحب البيعة دعاه ، فقال : تعلم أن هذه البيعة لي ، ولو شئت أن [ ص: 524 ] أخرج هؤلاء ، لفعلت ، ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء ، وأنا أريد أن أتحول إلى بيعة أهلها أهون عبادة ، فإن شئت أن تقيم ها هنا ، فأقم .
فأقام بها يتعبد معهم ، ثم إن شيخه أراد أن يأتي بيت المقدس ، فدعا سلمان ، وأعلمه ، فانطلق معه ، فمروا بمقعد على الطريق ، فنادى : يا سيد الرهبان ارحمني . فلم يكلمه حتى أتى بيت المقدس ، فقال لسلمان : اخرج فاطلب العلم ; فإنه يحضر المسجد علماء أهل الأرض .
فخرج سلمان يسمع منهم ، فخرج يوما حزينا ، فقال له الشيخ : ما لك ؟ قال : أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم .
قال : أجل ، لا تحزن ; فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه ، وهذا زمانه ، ولا أراني أدركه ، ولعلك تدركه ، وهو يخرج في أرض العرب ، فإن أدركته فآمن به . قال : فأخبرني عن علامته . قال : مختوم في ظهره بخاتم النبوة ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة .
ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد . فناداهما : يا سيد الرهبان ، ارحمني يرحمك الله ; فعطف إليه حماره فأخذ بيده ، ثم رفعه ، فضرب به الأرض ودعا له ، فقال : قم بإذن الله ، فقام صحيحا يشتد وسار الراهب ، فتغيب عن سلمان وتطلبه سلمان . فلقيه رجلان من كلب فقال : هل رأيتما الراهب ؟ فأناخ أحدهما راحلته وقال : نعم ، راعي الصرمة هذا فانطلق به إلى المدينة . [ ص: 525 ]
قال سلمان : فأصابني من الحزن شيء لم يصبني قط .
فاشترته امرأة من جهينة ، فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم ، وكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد - صلى الله عليه وسلم .
فبينما هو يرعى إذ أتاه صاحبه ، فقال : أشعرت أنه قدم المدينة رجل يزعم أنه نبي ؟
فقال : أقم في الغنم حتى آتي ، فهبط إلى المدينة ، فنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ورأى خاتم النبوة ، ثم انطلق فاشترى بدينار بنصفه شاة فشواها ، وبنصفه خبزا وأتى به ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما هذا ؟ قال : صدقة ، قال لا حاجة لي بها . أخرجها يأكلها المسلمون .
ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما ، فأتى به فقال : هذا هدية ، فأكلا جميعا . وأخبره سلمان خبر أصحابه ، فقال : كانوا يصومون ويصلون ، ويشهدون أنك ستبعث . فقال : يا سلمان ، هم من أهل النار ، فاشتد ذلك على سلمان . وقد كان قال : لو أدركوك صدقوك واتبعوك .
فأنزل الله : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين الآية==============الحسن بن يعقوب البخاري ، والأصم : قالا : حدثنا يحيى بن جعفر ، حدثنا علي بن عاصم ، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة ، عن سماك بن حرب ، عن زيد بن صوحان أن رجلين من أهل الكوفة كانا له صديقين ، فأتياه ليكلم لهما [ ص: 526 ] سلمان ، ليحدثهما حديثه ، فأقبلا معه ، فلقوا سلمان بالمدائن أميرا ، وإذا هو على كرسي ، وإذا خوص بين يديه وهو يرتقه . قالا : فسلمنا عليه وقعدنا ، فقال له زيد : يا أبا عبد الله ، كيف كان بدء إسلامك ؟ قال : كنت يتيما من رامهرمز ، وكان ابن دهقانها يختلف إلى معلم يعلمه ، فلزمته لأكون في كنفه ، وكان لي أخ أكبر مني ، وكان مستغنيا بنفسه ، وكنت غلاما ، وكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظهم ، فإذا تفرقوا ، خرج فقنع رأسه بثوبه ثم صعد الجبل ، كان يفعل ذلك غير مرة متنكرا .
فقلت له : إنك تفعل كذا وكذا ، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام ، وأخاف أن يظهر منك شيء . قلت : لا تخف . قال : فإن في هذا الجبل قوما في برطيل لهم عبادة وصلاح ، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان ، وأنا على غير دينهم . قلت : فاذهب بي معك إليهم ، قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم ، أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم ، أو فيقتل القوم ، فيكون هلاكهم على يدي ، قلت : لن يظهر مني ذلك ، فاستأمرهم ، فقال : غلام عندي يتيم أحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم .
قالوا : إن كنت تثق به ، قال : أرجو ، قال : فقال لي : ائتني في الساعة التي رأيتني أخرج فيها ، ولا يعلم بك أحد . فلما كانت الساعة تبعته ، فصعد الجبل ، فانتهينا إليهم ، قال علي بن عاصم : أراه قال : وهم ستة أو سبعة ، قال : وكأن الروح قد خرج منهم من العبادة ، يصومون النهار ، ويقومون الليل ، ويأكلون عند السحر ما وجدوا . فقعدنا إليهم ، فتكلموا ، فحمدوا الله ، وذكروا من مضى من الأنبياء والرسل حتى خلصوا إلى ذكر عيسى ، فقالوا : بعث الله عيسى رسولا ، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وكفر به قوم ، وتبعه قوم ، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به [ ص: 527 ] خلقه . وقالوا قبل ذلك : يا غلام إن لك لربا ، وإن لك لمعادا ، وإن بين يديك جنة ونارا إليها تصير ، وإن هؤلاء الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة ليسوا على دين .
فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام ، انصرفت معه ، ثم غدونا إليهم ، فقالوا مثل ذلك وأحسن ، ولزمتهم . فقالوا لي : يا سلمان ، إنك غلام ، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع ، فصل ونم وكل واشرب . فاطلع الملك على صنيع ابنه ، فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم ، فقال : يا هؤلاء ، قد جاورتموني ، فأحسنت جواركم ، ولم تروا مني سوءا ، فعمدتم إلى ابني ، فأفسدتموه علي ، قد أجلتكم ثلاثا ، فإن قدرت بعدها عليكم ، أحرقت عليكم برطيلكم . قالوا : نعم ، وكف ابنه عن إتيانهم . فقلت له : اتق الله ; فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله ، وأن أباك على غير دين ، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك . قال : هو كما تقول ، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم . قال : فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا ، فقالوا : يا سلمان ، قد كنا نحذر ما رأيت ، فاتق الله ، واعلم أن الدين ما أوصيناك به . فلا يخدعنك أحد عن دينك . قلت ما أنا بمفارقكم . قالوا : فخذ شيئا تأكله ; فإنك لا تستطيع ما نستطيع نحن .
ففعلت ، ولقيت أخي ، فعرضت عليه بأني أمشي معهم ، فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل ، فأتينا بيعة ، فلما دخلوا أحفوا بهم وقالوا : أين كنتم ؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى ، بها عبدة النيران ، فطردنا ، فقدمنا عليكم .
فلما كان بعد ، قالوا : يا سلمان ، إن ها هنا قوما في هذه الجبال هم أهل [ ص: 528 ] دين ، وإنا نريد لقاءهم ، فكن أنت ها هنا . قلت : ما أنا بمفارقكم . فخرجوا وأنا معهم ، فأصبحوا بين جبال ، وإذا ماء كثير وخبز كثير ، وإذا صخرة ، فقعدنا عندها .
فلما طلعت الشمس ، خرجوا من بين تلك الجبال ، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح قد انتزعت منهم ، حتى كثروا فرحبوا بهم وحفوا ، وقالوا : أين كنتم ؟ قالوا : كنا في بلاد فيها عبدة نيران . فقالوا : ما هذا الغلام ؟ وطفقوا يثنون علي ، وقالوا : صحبنا من تلك البلاد ، فوالله إنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من كهف ، فجاء فسلم ، فحفوا به ، وعظمه أصحابي ، وقال : أين كنتم ؟ فأخبروه ، فقال : ما هذا الغلام ؟ فأثنوا علي .
فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر رسله ، وذكر مولد عيسى ابن مريم ، وأنه ولد بغير ذكر ، فبعثه الله رسولا ، وأجرى على يديه إحياء الموتى ، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه ، فيكون طيرا بإذن الله ، وأنزل عليه الإنجيل ، وعلمه التوراة ، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، فكفر به قوم ، وآمن به قوم ، إلى أن قال : فالزموا ما جاء به عيسى ، ولا تخالفوا ، فيخالف بكم . ثم قال : من أراد أن يأخذ من هذا شيئا ، فليأخذ .
فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء ، فقام إليه أصحابي الذين جئت معهم ، فسلموا عليه ، وعظموه ، وقال لهم : الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا ، واستوصوا بهذا الغلام خيرا ، وقال لي : يا غلام ، هذا دين الله الذي تسمعني أقوله ، وما سواه الكفر .
قلت : ما أنا بمفارقك . قال : إنك لا تستطيع أن تكون معي ، إني ما أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد . قلت : ما أنا بمفارقك .
قال له أصحابه : يا أبا فلان ، إن هذا لغلام ويخاف عليه . قال لي : أنت أعلم . قلت : فإني لا أفارقك . فبكى أصحابي لفراقي ، فقال : يا غلام ، خذ من هذا الطعام ما يكفيك للأحد الآخر ، وخذ من الماء ما تكتفي به ، ففعلته ، فما رأيته نائما ولا طاعما إلا راكعا [ ص: 529 ] وساجدا إلى الأحد الآخر . فلما أصبحنا قال : خذ جرتك هذه وانطلق . فخرجت أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة ، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ينتظرون خروجه ، فعدوا ، وعاد في حديثه وقال : الزموا هذا الدين ، ولا تفرقوا ، واذكروا الله ، واعلموا أن عيسى كان عبد الله أنعم عليه ، فقالوا : كيف وجدت هذا الغلام ؟ فأثنى علي . وإذا خبز كثير وماء كثير ، فأخذوا ما يكفيهم وفعلت . فتفرقوا في تلك الجبال ، ورجعنا إلى الكهف ، فلبثنا ما شاء الله يخرح كل أحد ويحفون به .
فخرج يوما فحمد الله - تعالى - ووعظهم ، ثم قال : يا هؤلاء ، إنه قد كبر سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وإنه لا عهد لي بهذا البيت مذ كذا وكذا ، ولا بد من إتيانه ، فاستوصوا بهذا الغلام خيرا ; فإني رأيته لا بأس به .
فجزع القوم ، وقالوا : أنت كبير ، وأنت وحدك ، فلا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا عندك ، ما أحوج ما كنا إليك . قال : لا تراجعوني ، فقلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا سلمان ، قد رأيت حالي وما كنت عليه ، وليس هذا كذلك ، أنا أمشي أصوم النهار ، وأقوم الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زادا ولا غيره ، وأنت لا تقدر على هذا . قلت : ما أنا بمفارقك . قال : أنت أعلم .
وبكوا وودعوه ، واتبعته يذكر الله ولا يلتفت ، ولا يقف على شيء ، حتى إذا أمسينا قال : صل أنت ، ونم ، وقم ، وكل ، واشرب . ثم قام يصلي حتى إذا انتهينا إلى بيت المقدس ، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء ، فإذا على باب المسجد مقعد ، فقال : يا عبد الله ، قد ترى حالي ، فتصدق علي بشيء فلم يلتفت إليه ، ودخل المسجد ، فجعل يتبع أمكنة يصلي فيها ، ثم قال : يا سلمان ، لم أنم مذ كذا وكذا ، فإن أنت جعلت أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت ; فإني أحب أن أنام في هذا المسجد ، وإلا لم أنم . قلت : فإني أفعل . فنام ، فقلت في نفسي : هذا لم ينم منذ كذا وكذا لأدعنه ينام . [ ص: 530 ] وكان لما يمشي وأنا معه يقبل علي فيعظني ويخبرني أن لي ربا ، وأن بين يدي جنة ونارا وحسابا ، ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال : يا سلمان ، إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة ، وكان رجلا أعجميا لا يحسن أن يقول محمد ، علامته أنه يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب ، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه ، فإن أنت أدركته ، فصدقه واتبعه . قلت : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ، قال : نعم . فإن رضى الرحمن فيما قال .
فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعا يذكر الله تعالى ، فقال : يا سلمان ، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله ، أين ما كنت جعلت على نفسك ؟ قلت : لأنك لم تنم منذ كذا وكذا ، فأحببت أن تستوفي من النوم . فحمد الله وقام .
وخرج فتبعته ، فمر بالمقعد ، فقال : يا عبد الله ، دخلت وسألتك فلم تعطني وخرجت فسألتك فلم تعطني ، فقام ينظر هل يرى أحدا فلم ير ، فدنا منه ، وقال له : ناولني يدك ، فناوله ، فقال : باسم الله ، فقام كأنه نشط من عقال ، صحيحا لا عيب فيه . فانطلق ذاهبا ، فكان لا يلوي على أحد ، ولا يقوم عليه .
فقال لي المقعد : يا غلام ، احمل علي ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي . فحملت عليه ثيابه ، وانطلق لا يلوي علي ، فخرجت في أثره أطلبه ، فكلما سألت عنه ، قالوا أمامك .
حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم ، [ ص: 531 ] فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره ، فجعلني خلفه حتى أتوا بي بلادهم ، فباعوني ، واشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها .
وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت به ، فأخذت شيئا من تمر حائطي وأتيته فوجدت عنده ناسا ، وإذا أبو بكر أقرب الناس إليه ، فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا ؟ قلت : صدقة ، فقال : كلوا ، ولم يأكل . ثم لبثت ما شاء الله ، ثم أخذت مثل ذلك وأتيته به . فوجدت عنده ناسا ، فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا ؟ قلت : هدية . فقال : باسم الله ، وأكل وأكل القوم ، فقلت في نفسي : هذه من آياته .
كان صاحبي رجلا أعجميا لم يحسن أن يقول تهامة ، فقال : تهمة .
قال : فدرت من خلفه ، ففطن لي فأرخى ثوبه ، فإذا الخاتم في ناحية كتفه الأيسر ، فتبينته ، ثم درت حتى جلست بين يديه ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . قال : من أنت ؟ قلت : مملوك ، وحدثته حديثي ، وحديث الذي كنت معه ، وما أمرني به . قال : لمن أنت ؟ قلت : لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها . قال : يا أبا بكر ، قال : لبيك . قال : اشتره . فاشتراني أبو بكر ، فأعتقني . فلبثت ما شاء الله ، ثم أتيته ، فسلمت عليه ، وقعدت بين يديه ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول في دين النصارى ؟ قال : لا خير فيهم ولا في دينهم .
فدخلني أمر عظيم ، وقلت في نفسي : الذي أقام المقعد لا خير في هؤلاء ولا في دينهم . فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله ، وأنزل الله على نبيه ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : علي بسلمان . فأتاني الرسول وأنا خائف ، [ ص: 532 ] فجئته فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ذلك بأن منهم قسيسين ثم قال : يا سلمان ، إن الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى ; إنما كانوا مسلمين .
فقلت : والذي بعثك بالحق لهو الذي أمرني باتباعك ، فقلت له : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال : نعم فاتركه ; فإنه الحق .
هذا حديث جيد الإسناد حكم الحاكم بصحته==================سعدويه الواسطي ، وأحمد بن حاتم الطويل ، وجماعة قالوا : حدثنا عبد الله بن عبد القدوس الرازي ، حدثنا عبيد المكتب ، حدثني أبو الطفيل عامر بن واثلة ، حدثني سلمان الفارسي قال : كنت رجلا من أهل جي ، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق ، وكنت أعرف أنهم ليسوا على شيء . فقيل لي : إن الذي ترومه إنما هو بالمغرب ، فأتيت الموصل ، فسألت عن أفضل رجل فيها . فدللت على رجل في صومعة ، فأتيته ، فقلت له : إني رجل من أهل جي ، وإني جئت أطلب العلم ، فضمني إليك أخدمك وأصحبك ، وتعلمني مما علمك الله . قال : نعم .
فأجرى علي مثل ما كان يجرى عليه ، وكان يجرى عليه الخل والزيت والحبوب . فلم أزل معه حتى نزل به الموت ، فجلست عند رأسه أبكيه ، فقال : ما يبكيك ؟ قلت : يبكيني أني خرجت من بلادي أطلب الخير ، فرزقني الله فصحبتك ، فعلمتني وأحسنت صحبتي ، فنزل بك الموت ، فلا أدري أين أذهب .
قال : لي أخ بالجزيرة مكان كذا [ ص: 533 ] وكذا ، فهو على الحق ، فائته ، فأقرئه مني السلام ، وأخبره أني أوصيت إليه ، وأوصيتك بصحبته . فلما قبض أتيت الرجل الذي وصف لي ، فأخبرته ، فضمني إليه ، فصحبته ما شاء الله ، ثم نزل به الموت ، فأوصى بي إلى رجل بقرب الروم ، فلما قبض ، أتيته فضمني إليه ، فلما احتضر ، بكيت ، فقال : ما بقي أحد على دين عيسى أعلمه ، ولكن هذا أوان يخرج نبي ، أو قد خرج بتهامة ، وأنت على الطريق لا يمر بك أحد إلا سألته عنه ، وإذا بلغك أنه قد خرج ، فائته ; فإنه النبي الذي بشر به عيسى ، وإنه ذلك ، فذكر الخاتم والهدية والصدقة .
قال : فمات ، ومر بي ناس من أهل مكة فسألتهم فقالوا : نعم قد ظهر فينا رجل يزعم أنه نبي . فقلت لبعضهم : هل لكم أن أكون لكم عبدا على أن تحملوني عقبة ، وتطعموني من الكسر ؟ فقال رجل : أنا . فصرت له عبدا حتى قدم بي مكة ، فجعلني في بستان له مع حبشان كانوا فيه ، فخرجت ، وسألت ، فلقيت امرأة من أهل بلادي ، فسألتها ، فإذا أهل بيتها قد أسلموا . فقالت لي : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس في الحجر هو وأصحابه إذا صاح عصفورمكة ، حتى إذا أضاء لهم الفجر تفرقوا . فانطلقت إلى البستان ، وكنت أختلف ليلتي ، فقال لي الحبشان : ما لك ؟ قلت : أشتكي بطني . وإنما صنعت ذلك لئلا يفقدوني .
فلما كانت الساعة التي أخبرتني ، خرجت أمشي حتى رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو محتب وأصحابه حوله ، فأتيته من ورائه ، فأرسل حبوته ، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، فقلت : الله أكبر هذه واحدة . ثم انصرفت .
فلما كانت الليلة المقبلة ، لقطت تمرا جيدا فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا ؟ فقلت : صدقة . إلى أن قال : فاذهب فاشتر نفسك .
فانطلقت إلى صاحبي ، فقلت : بعني نفسي . قال : نعم على أن تنبت لي مائة نخلة ، فإذا أنبتت جئني بوزن نواة من ذهب .
فأتيت رسول الله فأخبرته [ ص: 534 ] فقال : اشتر نفسك بذلك ، وائتني بدلو من ماء البئر الذي كنت تسقي منها ذلك النخل . فدعا لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ، ثم سقيتها ، فوالله لقد غرست مائة نخلة ، فما غادرت منها نخلة إلا نبتت . فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني قطعة من ذهب ، فانطلقت بها فوضعتها في كفة الميزان ، ووضع في الجانب الآخر نواة . فوالله ما استقلت القطعة الذهب من الأرض ، وجئت رسول الله وأخبرته ، فأعتقني .
هذا حديث منكر غير صحيح ، وعبد الله بن عبد القدوس متروك ، وقد تابعه في بعض الحديث الثوري ، وشريك ، وأما هو ، فسمن الحديث فأفسده ، وذكر مكة والحجر وأن هناك بساتين ، وخبط في مواضع . وروى منه أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن العلاء ، عن أبي الطفيل .
ورواه المبارك أخو الثوري ، عن أبيه ، عن عبيد المكتب ، فقال : عن أبي البختري ، عن سلمان ، وفي هذه الروايات كلها : كنت من أهل جي . وقال الفريابي وغيره : عن سفيان ، عن عوف ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، قال : كنت رجلا من رامهرمز . والفارسية سماها ابن منده : أمة الله .
الطبراني في " معجمه الكبير " : حدثنا أحمد بن داود المكي ، حدثنا قيس ابن حفص الدارمي ، حدثنا مسلمة بن علقمة ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن [ ص: 535 ] سماك بن حرب ، عن سلامة العجلي قال : جاء ابن أخت لي من البادية يقال له : قدامة ، فقال : أحب أن ألقى سلمان : فخرجنا إليه ، فسلمنا عليه ، وجدناه بالمدائن وهو يومئذ على عشرين ألفا ، ووجدناه على سرير ليف يسف خوصا . فقلت : يا أبا عبد الله ، هذا ابن أخت لي قدم ، فأحب أن يسلم عليك . قال : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته . قلت : يزعم أنه يحبك . قال : أحبه الله .
فتحدثنا وقلنا : ألا تحدثنا عن أصلك ؟ قال : أنا من أهل رامهرمز ، كنا قوما مجوسا ، فأتاني نصراني من الجزيرة كانت أمه منا ، فنزل فينا واتخذ ديرا ، وكنت في مكتب الفارسية ، فكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبا يبكي ، فقلت له يوما : ما يبكيك ؟ قال : يضربني أبواي . قلت : ولم ؟ قال : آتي هذا الدير ، فإذا علما ذلك ، ضرباني ، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثا عجبا . قلت : فاذهب بي معك . فأتيناه ، فحدثنا عن بدء الخلق ، وعن الجنة والنار .
وكنت أختلف إليه معه ، ففطن لنا غلمان من الكتاب ، فجعلوا يجيئون معنا ، فلما رأى ذلك أهل القرية قالوا له : يا هناة إنك قد جاورتنا فلم تر منا إلا الحسن ، وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك ، ونحن نخاف أن تفسدهم ، اخرج عنا . قال : نعم . فقال لذلك الغلام : اخرج معي . قال : لا أستطيع ، قد علمت شدة أبوي علي .
قلت : أنا أخرج معك - وكنت يتيما لا أب لي - فخرجت ، فأخذنا جبل رامهرمز نمشي ونتوكل ، ونأكل من ثمر الشجر ، حتى قدمنا الجزيرة ، فقدمنا نصيبين ، فقال : هنا قوم عباد أهل الأرض ، فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا ، فسلم عليهم ، فحيوه ، وبشوا به وقالوا : أين كانت غيبتك ؟ قال : كنت في إخوان لي من قبل فارس .
ثم قال صاحبي : قم يا [ ص: 536 ] سلمان قال : قلت : لا ، دعني مع هؤلاء . قال : إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء ، يصومون الأحد إلى الأحد ، ولا ينامون هذا الليل . وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك ، ودخل في العبادة ، فكنت فيهم حتى أمسينا .
فجعلوا يذهبون واحدا واحدا إلى غاره الذي يكون فيه ، فقال لي : يا سلمان ، هذا خبز وهذا أدم ، كل إذا غرثت ، وصم إذا نشطت ، وصل ما بدا لك ، ثم قام في صلاته ، فلم يكلمني ، ولم ينظر إلي ، فأخذني الغم تلك الأيام السبعة حتى كان يوم الأحد ، فذهبنا إلى مجمعهم ، إلى أن قال صاحبي : إني أريد الخروج إلى بيت المقدس . ففرحت ، وقلت : نسافر ، ونلقى الناس . فخرجنا ، فكان يصوم من الأحد إلى الأحد ، ويصلي الليل كله ، ويمشي بالنهار . فلم يزل ذاك دأبه حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، وعلى بابه مقعد يسأل الناس ، فقال : أعطني ، قال : ما معي شيء .
فدخلنا بيت المقدس ، فبشوا به واستبشروا ، فقال لهم : غلامي هذا استوصوا به ، فأطعموني خبزا ولحما . ودخل في الصلاة ، فلم ينصرف حتى كان يوم الأحد ، فقال لي : يا سلمان ، إني أريد أن أنام ، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني . فنام فلم أوقظه ماوية له مما دأب ، فاستيقظ مذعورا ، فقال : ألم أكن قلت لك ؟ ثم قال لي : اعلم أن أفضل الدين اليوم النصرانية ، قلت : ويكون بعد اليوم دين أفضل منه كلمة ألقيت على لساني ؟ قال : نعم يوشك أن يبعث نبي .
إلى أن قال : فتلقاني رفقة من كلب فسبوني ، فاشتراني بالمدينة رجل من الأنصار ، فجعلني في نخل ، ومن ثم تعلمت عمل الخوص ، أشتري خوصا بدرهم ، فأعمله فأبيعه بدرهمين ، فأرد درهما في الخوص ، وأستنفق درهما أحب أن كان من عمل يدي .
قال : فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أن الله أرسله . قال : فهاجر إلينا ، [ ص: 537 ] إلى أن قال : فقلت : يا رسول الله ، أي قوم النصارى ؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم .
قلت في نفسي : أنا - والله - أحبهم . قال : وذاك حين بعث السرايا ، وجرد السيف ، فسرية تدخل ، وسرية تخرج ، والسيف يقطر ، قلت : يحدث بي أني أحبهم ، فيبعث إلي فيضرب عنقي . فقعدت في البيت ، فجاءني الرسول : أجب رسول الله . فخفت ، وقلت : اذهب حتى ألحقك ، قال : لا - والله - حتى تجيء . فانطلقت ، فلما رآني تبسم ، وقال : يا سلمان أبشر ، فقد فرج الله عنك ، ثم تلا علي الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إلى قوله : لا نبتغي الجاهلين .
قلت : والذي بعثك بالحق لقد سمعته يقول - يعني صاحبه - : لو أدركته ، فأمرني أن أقع في النار ، لوقعت فيها ، إنه نبي لا يقول إلا حقا ، ولا يأمر إلا بحق .
غريب جدا ، وسلامة لا يعرف .
قال بقي بن مخلد في " مسنده " : حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا شريك ، عن عبيد المكتب ، عن أبي الطفيل ، عن سلمان قال : خرجت في طلب العلم إلى الشام . فقالوا لي : إن نبيا قد ظهر بتهامة ، فخرجت إلى المدينة ، فبعثت إليه بقباع من تمر ، فقال : أهدية أم صدقة ؟ قلت : صدقة . فقبض يده ، وأشار إلى أصحابه أن يأكلوا . ثم أتبعته بقباع من تمر ، وقلت : هذا هدية ، فأكل وأكلوا . فقمت على رأسه ففطن ، فقال بردائه عن ظهره فإذا في ظهره خاتم النبوة ، فأكببت عليه ، وتشهدت . [ ص: 538 ] إسناده صالح=================أخرج البخاري من حديث سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي قال : تداولني بضعة عشر من رب إلى رب .
يحيى الحماني : حدثنا شريك ، عن عبيد المكتب ، عن أبي الطفيل ، عن سلمان قال : كاتبت ، فأعانني النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيضة من ذهب ، فلو وزنت بأحد كانت أثقل منه .
حماد بن سلمة : أنبأنا علي بن زيد ، عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : كاتبت أهلي على أن أغرس لهم خمس مائة فسيلة ، فإذا علقت ، فأنا حر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أردت أن تغرس فآذني . فآذنته ، فغرس بيده إلا واحدة غرستها فيعلق الجميع إلا الواحدة التي غرست .
قيس بن الربيع : حدثنا أبو هاشم ، عن زاذان ، عن سلمان قال : قرأت في التوراة أن البركة تنزل في الوضوء قبل الطعام . فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : تنزل قبل الطعام في الوضوء ، وفي الوضوء بعده . [ ص: 539 ]
أبو بدر السكوني : عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن سلمان : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا سلمان ، لا تبغضني فتفارق دينك . قلت : بأبي وأمي كيف أبغضك وبك هداني الله ! قال : تبغض العرب فتبغضني قابوس بن حسنة : قال الترمذي : يحيى بن عقبة بن أبي العيزار من الضعفاء ، عن محمد بن جحادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا سابق ولد آدم وسلمان سابق الفرس .
ابن علية : عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سلمان سابق الفرس .
هذا مرسل ومعناه صحيح .
ابن أبي فديك : عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خط الخندق عام الأحزاب . فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان رجلا قويا ، فقال المهاجرون : منا سلمان . وقالت الأنصار : سلمان منا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سلمان منا أهل البيت . [ ص: 540 ]
كثير متروك .
حماد بن سلمة : عن ثابت ، عن معاوية بن قرة ، عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان مر على سلمان وبلال وصهيب في نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها . فقال أبو بكر : تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ! ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال : يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك . فأتاهم أبو بكر ، فقال : يا إخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا : لا يا أبا بكر يغفر الله لك .
قال الواقدي : أول مغازي سلمان الفارسي الخندق .
أحمد في " مسنده " حدثنا ابن نمير حدثنا شريك ، حدثنا أبو ربيعة ، عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعا : إن الله يحب من أصحابي أربعة ، وأمرني أن أحبهم : علي ، وأبو ذر ، وسلمان ، والمقداد تفرد به أبو ربيعة . [ ص: 541 ]
الحسن بن صالح بن حي : عن أبي ربيعة البصري ، عن الحسن ، عن أنس قال ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان .
يعلى بن عبيد : حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري قال : قيل لعلي : أخبرنا عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قال : عن أيهم تسألون ؟ قيل : عن عبد الله ، قال : علم القرآن والسنة ، ثم انتهى وكفى به علما . قالوا : عمار ؟ قال : مؤمن نسي فإن ذكرته ، ذكر . قالوا : أبو ذر ؟ قال : وعى علما عجز عنه . قالوا : أبو موسى ؟ قال : صبغ في العلم صبغة ، ثم خرج منه . قالوا : حذيفة ؟ قال : أعلم أصحاب محمد بالمنافقين . قالوا : سلمان ؟ قال : أدرك العلم الأول ، والعلم الآخر ، بحر لا يدرك قعره ، وهو منا أهل البيت . قالوا : فأنت يا أمير المؤمنين ؟ قال : كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتديت .
مسلم بن خالد الزنجي وغيره ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ قال : فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال : هذا وقومه ، لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس . [ ص: 542 ]
إسناده وسط .
وكيع : عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - قول سلمان لأبي الدرداء : إن لأهلك عليك حقا . فقال : ثكلت سلمان أمه ، لقد اتسع من العلم .
شيبان : عن قتادة في قوله : ومن عنده علم الكتاب قال : سلمان وعبد الله بن سلام . [ ص: 543 ]
إسحاق الأزرق : عن ابن عون ، عن ابن سيرين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي الدرداء : يا عويمر ، سلمان أعلم منك ; لا تخص ليلة الجمعة بقيام ولا يومها بصيام .
مسعر : عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي قال : سلمان تابع العلم الأول والعلم الآخر ، ولا يدرك ما عنده .
حبان بن علي : حدثنا ابن جريج ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه ، وعن رجل ، عن زاذان قالا : كنا عند علي ، قلنا : حدثنا عن سلمان ، قال : من لكم بمثل لقمان الحكيم ، ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت ، أدرك العلم الأول والعلم الآخر بحر لا ينزف . [ ص: 544 ]
معاوية بن صالح : عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني ، عن يزيد بن عميرة قال : لما حضر معاذا الموت قلنا : أوصنا ، قال : أجلسوني . ثم قال : إن الإيمان والعلم مكانهما ، من ابتغاهما وجدهما . قالها ثلاثا ، فالتمسوا العلم عند أربعة : أبي الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعود ، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم . فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنه عاشر عشرة في الجنة رواه الليث وكاتبه عنه .
وعن المدائني أن سلمان الفارسي قال : لو حدثتهم بكل ما أعلم ، لقالوا : رحم الله قاتل سلمان .
معمر ، عن قتادة : كان بين سعد بن أبي وقاص وبين سلمان شيء ، فقال : انتسب يا سلمان ، قال : ما أعرف لي أبا في الإسلام ، ولكني سلمان ابن الإسلام ، فنمى ذلك إلى عمر ، فلقي سعدا ، فقال : انتسب يا سعد ، فقال : أنشدك بالله يا أمير المؤمنين ، قال : وكأنه عرف ، فأبى أن يدعه حتى انتسب . ثم قال : لقد علمت قريش أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية ، وأنا عمر ابن الإسلام أخو سلمان ابن الإسلام ، أما - والله - لولا شيء ، لعاقبتك ، أوما علمت أن رجلا انتمى إلى تسعة آباء في الجاهلية فكان عاشرهم في النار ؟ . [ ص: 545 ]
عفان : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت قال : كتب عمر إلى سلمان : أن زرني . فخرج سلمان إليه . فلما بلغ عمر قدومه قال : انطلقوا بنا نتلقاه ، فلقيه عمر ، فالتزمه وساءله ورجعا ، ثم قال له عمر : يا أخي ، أبلغك عني شيء تكرهه ؟ قال : بلغني أنك تجمع على مائدتك السمن واللحم ، وبلغني أن لك حلتين حلة تلبسها في أهلك ، وأخرى تخرج فيها ، قال : هل غير هذا ؟ قال : لا ، قال : كفيت هذا=====لحسن بن سفيان في " مسنده " : حدثنا محمد بن بكار الصيرفي حدثنا حجاج بن فروخ حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قدم سلمان من غيبة له ، فتلقاه عمر ، فقال : أرضاك لله عبدا . قال : فزوجني ، فسكت عنه ، قال : ترضاني لله عبدا ، ولا ترضاني لنفسك ؟ فلما أصبح أتاه قوم عمر ليضرب عن خطبة عمر ، فقال : والله ما حملني على هذا أمره ولا سلطانه ، ولكن قلت : رجل صالح عسى الله أن يخرج من بيننا نسمة صالحة . حجاج : واه .
سعيد بن سليمان الواسطي : حدثنا عقبة بن أبي الصهباء ، حدثنا ابن سيرين ، حدثنا عبيدة السلماني أن سلمان مر بحجر المدائن غازيا وهو أمير الجيش وهو ردف رجل من كندة على بغل موكوف ، فقال أصحابه : أعطنا [ ص: 546 ] اللواء أيها الأمير نحمله ، فيأبى حتى قضى غزاته ورجع وهو ردف الرجل .
أبو المليح الرقي : عن حبيب ، عن هزيم أو هذيم قال : رأيت سلمان الفارسي على حمار عري وعليه قميص سنبلاني ضيق الأسفل ، وكان طويل الساقين ، يتبعه الصبيان ، فقلت لهم : تنحوا عن الأمير ، فقال : دعهم ، فإن الخير والشر فيما بعد اليوم .
حماد بن سلمة : عن عطاء بن السائب ، عن ميسرة أن سلمان كان إذا سجدت له العجم ، طأطأ رأسه ، وقال : خشعت لله ، خشعت لله .
أبو نعيم : حدثنا يزيد بن مردانبة ، عن خليفة بن سعيد المرادي ، عن عمه قال : رأيت سلمان في بعض طرق المدائن زحمته حملة قصب فأوجعته ، فأخذ بعضد صاحبها فحركه ، ثم قال : لا مت حتى تدرك إمارة الشباب .
جرير بن حازم : سمعت شيخا من بني عبس يذكر عن أبيه قال : أتيت السوق ، فاشتريت علفا بدرهم ، فرأيت سلمان ولا أعرفه ، فسخرته ، فحملت عليه العلف ، فمر بقوم ، فقالوا : نحمل عنك يا أبا عبد الله ، فقلت : من ذا ؟ قالوا : هذا سلمان صاحب رسول الله . فقلت له : لم أعرفك ، ضعه . فأبى حتى أتى المنزل . [ ص: 547 ]
وروى ثابت البناني نحوها ، وفيها : فحسبته علجا ، وفيها : قال له : فلا تسخر بعدي أحدا .
جعفر بن سليمان : عن هشام بن حسان ، عن الحسن قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان على ثلاثين ألفا من الناس ، يخطب في عباءة يفرش نصفها ، ويلبس نصفها . وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل من سفيف يده - رضي الله عنه - .
شعبة : عن سماك بن حرب ، سمع النعمان بن حميد يقول : دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص فسمعته يقول : أشتري خوصا بدرهم ، فأعمله ، فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما فيه ، وأنفق درهما على عيالي ، وأتصدق بدرهم ، ولو أن عمر نهاني عنه ما انتهيت .
وروى نحوها عن سماك ، عن عمه وفيها : فقلت له : فلم تعمل ؟ قال : إن عمر أكرهني ، فكتبت إليه ، فأبى علي مرتين ، وكتبت إليه ، فأوعدني .
معن : عن مالك أن سلمان كان يستظل بالفيء حيث ما دار ، ولم يكن له بيت ، فقيل : ألا نبني لك بيتا تستكن به ؟ قال : نعم . فلما أدبر القائل سأله سلمان : كيف تبنيه ؟ قال : إن قمت فيه أصاب رأسك ، وإن نمت أصاب رجلك . [ ص: 548 ]
زائدة : عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ظبيان ، عن جرير بن عبد الله قال : نزلت بالصفاح في يوم شديد الحر ، فإذا رجل نائم في حر الشمس يستظل بشجرة ، معه شيء من الطعام ، ومزوده تحت رأسه ، ملتف بعباءة ، فأمرته أن يظلل عليه ، ونزلنا فانتبه ، فإذا هو سلمان . فقلت له : ظللنا عليك وما عرفناك . قال : يا جرير ، تواضع في الدنيا ; فإنه من تواضع يرفعه الله يوم القيامة ، ومن يتعظم في الدنيا يضعه الله يوم القيامة ، لو حرصت على أن تجد عودا يابسا في الجنة لم تجده . قلت : وكيف ؟ قال : أصول الشجر ذهب وفضة ، وأعلاها الثمار ، يا جرير ، تدري ما ظلمة النار ؟ قلت : لا ، قال : ظلم الناس .
شعبة : حدثنا حبيب بن الشهيد ، عن عبد الله بن بريدة أن سلمان كان يعمل بيده ، فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما أو سمكا ثم يدعو المجذمين ، فيأكلون معه .
سليمان بن المغيرة : عن حميد بن هلال قال : أوخي بين سلمان وأبي الدرداء ، فسكن أبو الدرداء الشام ، وسكن سلمان الكوفة ، وكتب أبو الدرداء إليه : سلام عليك ، أما بعد ، فإن الله رزقني بعدك مالا وولدا ، ونزلت الأرض المقدسة . فكتب إليه سلمان : اعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ، ولكن الخير أن يعظم حلمك ، وأن ينفعك علمك ، وإن الأرض لا تعمل لأحد ، اعمل كأنك ترى ، واعدد نفسك من الموتى . [ ص: 549 ]
مالك في " الموطأ " : عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان : هلم إلى الأرض المقدسة . فكتب إليه : إن الأرض لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس المرء عمله . وقد بلغني أنك جعلت طبيبا ، فإن كنت تبرئ ، فنعما لك ، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا ، فتدخل النار . فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ، ثم أدبرا عنه ، نظر إليهما ، وقال : متطبب والله ، ارجعا أعيدا علي قصتكما .
أبو عبيدة بن معن : عن الأعمش ، عن أبي البختري قال : جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله ، فدخلا على سلمان في خص ، فسلما وحيياه ، ثم قالا : أنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا أدري . فارتابا ، قال : إنما صاحبه من دخل معه الجنة . قالا : جئنا من عند أبي الدرداء ، قال : فأين هديته ؟ قالا : ما معنا هدية . قال : اتقيا الله ، وأديا الأمانة ، ما أتاني أحد من عنده إلا بهدية ، قالا : لا ترفع علينا هذا ، إن لنا أموالا فاحتكم ، قال : ما أريد إلا الهدية ، قالا : والله ما بعث معنا بشيء إلا أنه قال : إن فيكم رجلا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خلا به ، لم يبغ غيره ، فإذا أتيتماه ، فأقرئاه مني السلام . قال : فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه ؟ وأي هدية أفضل منها=====وكيع : عن الأعمش ، عن سليمان بن ميسرة ، والمغيرة بن شبل ، عن طارق بن شهاب ، عن سلمان قال : إذا كان الليل ، كان الناس منه على ثلاث [ ص: 550 ] منازل : فمنهم من له ولا عليه ، ومنهم من عليه ولا له ، ومنهم من لا عليه ولا له . فقلت : وكيف ذاك ؟ قال : أما من له ولا عليه ، فرجل اغتنم غفلة الناس وظلمة الليل ، فتوضأ وصلى ، فذاك له ولا عليه ، ورجل اغتنم غفلة الناس ، وظلمة الليل ، فمشى في معاصي الله ، فذاك عليه ولا له ، ورجل نام حتى أصبح ، فذاك لا له ولا عليه .
قال طارق : فقلت : لأصحبن هذا . فضرب على الناس بعث ، فخرج فيهم ، فصحبته وكنت لا أفضله في عمل ، إن أنا عجنت خبز وإن خبزت طبخ ، فنزلنا منزلا فبتنا فيه ، وكانت لطارق ساعة من الليل يقومها ، فكنت أتيقظ لها فأجده نائما ، فأقول : صاحب رسول الله خير مني نائم ، فأنام ثم أقوم فأجده نائما فأنام ، إلا أنه كان إذا تعار من الليل قال وهو مضطجع : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . حتى إذا كان قبيل الصبح قام فتوضأ ثم ركع أربع ركعات . فلما صلينا الفجر قلت : يا أبا عبد الله ، كانت لي ساعة من الليل أقومها وكنت أتيقظ لها فأجدك نائما ، قال : يا ابن أخي ، فأيش كنت تسمعني أقول ؟ فأخبرته ، فقال : يا ابن أخي تلك الصلاة ، إن الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ، ما اجتنبت المقتلة ، يا ابن أخي عليك بالقصد ; فإنه أبلغ .
شعبة : عن عمرو بن مرة ، سمعت أبا البختري يحدث أن سلمان دعا رجلا إلى طعامه . قال : فجاء مسكين فأخذ الرجل كسرة فناوله ، فقال سلمان : [ ص: 551 ] ضعها ، فإنما دعوناك لتأكل فما رغبتك أن يكون الأجر لغيرك والوزر عليك .
سليمان بن قرم : عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان ، فقال : لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن التكلف ، لتكلفت لكم . فجاءنا بخبز وملح ، فقال صاحبي : لو كان في ملحنا صعتر . فبعث سلمان بمطهرته ، فرهنها فجاء بصعتر ، فلما أكلنا ، قال صاحبي : الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا ، فقال سلمان : لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة .
الأعمش : عن عبيد بن أبي الجعد ، عن رجل أشجعي قال : سمعوا بالمدائن أن سلمان بالمسجد ، فأتوه يثوبون إليه حتى اجتمع نحو من ألف ، فقام ، فافتتح سورة يوسف ، فجعلوا يتصدعون ويذهبون ، حتى بقي نحو مائة ، فغضب ، وقال : الزخرف يريدون ؟ آية من سورة كذا ، وآية من سورة كذا .
وروى حبيب بن أبي ثابت : عن نافع بن جبير أن سلمان التمس مكانا يصلي فيه ، فقالت له علجة : التمس قلبا طاهرا ، وصل حيث شئت . فقال : فقهت .
سليمان التيمي : عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب ، فإذا انصرفوا ، أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وترى بيتها في الجنة وهي [ ص: 552 ] تعذب ، قال : وجوع لإبراهيم أسدان ثم أرسلا عليه ، فجعلا يلحسانه ، ويسجدان له .
معتمر بن سليمان : عن أبيه ، عن أبي عثمان النهدي أن سلمان كان لا يفقه كلامه من شدة عجمته ، قال : وكان يسمي الخشب خشبان .
تفرد به الثقة يعقوب الدورقي عنه .
وأنكره أبو محمد بن قتيبة - أعني عجمته - ولم يصنع شيئا ، فقال : له كلام يضارع كلام فصحاء العرب .
قلت : وجود الفصاحة لا ينافي وجود العجمة في النطق ، كما أن وجود فصاحة النطق من كثير العلماء غير محصل للإعراب .
قال : وأما خشبان فجمع الجمع ، أو هو خشب زيد فيه الألف والنون كسود وسودان======عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : دخل سعد وابن مسعود على سلمان عند الموت فبكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : عهد عهده إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم نحفظه . قال : ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب ، وأما أنت يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت ، وفي قسمك إذا قسمت ، وعند همك إذا هممت . [ ص: 553 ]
قال ثابت : فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما نفيقة كانت عنده .
شيبان : عن فراس ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن بقيرة امرأة سلمان أنها قالت لما حضره الموت : دعاني وهو في علية له لها أربعة أبواب ، فقال : افتحي هذه الأبواب فإن لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون علي ، ثم دعا بمسك ، فقال : أديفيه في تور ثم انضحيه حول فراشي ، فاطلعت عليه فإذا هو قد أخذ روحه فكأنه نائم على فراشه .
بقي بن مخلد : حدثنا ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن [ ص: 554 ] أبي عثمان ، عن سلمان قال : يأتون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيقولون : يا نبي الله أنت الذي فتح الله بك وختم بك ، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، وجئت في هذا اليوم آمنا فقد ترى ما نحن فيه ، فقم فاشفع لنا إلى ربنا . فيقول : أنا صاحبكم . فيقوم فيخرج يحوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة ، فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب ، فيقرع الباب ، فيقال : من هذا ؟ فيقول : محمد . فيفتح له ، فيجيء حتى يقوم بين يدي الله ، فيستأذن في السجود ، فيؤذن له ، فينادى : يا محمد ارفع رأسك ، سل تعطه ، واشفع تشفع ، وادع تجب ، فيفتح الله له من الثناء عليه والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق فيقول : رب أمتي أمتي ، ثم يستأذن في السجود .
قال سلمان : فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حنطة من إيمان أو قال : مثقال شعيرة ، أو قال : مثقال حبة من خردل من إيمان .
أبو عوانة : عن عاصم ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان ، قال : فترة ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ست مائة سنة .
قال الواقدي : مات سلمان في خلافة عثمان بالمدائن . وكذا قال ابن زنجويه .
وقال أبو عبيد وشباب في رواية عنه ، وغيرهما : توفي سنة ست وثلاثين [ ص: 555 ] بالمدائن .
وقال شباب في رواية أخرى : سنة سبع وهو وهم ، فما أدرك سلمان الجمل ولا صفين .
قال العباس بن يزيد البحراني : يقول أهل العلم : عاش سلمان ثلاث مائة وخمسين سنة ، فأما مائتان وخمسون ، فلا يشكون فيه .
قال أبو نعيم الأصبهاني : يقال : اسم سلمان : ماهويه ، وقيل : ماية ، وقيل بهبود بن بذخشان بن آذر جشيش من ولد منوجهر الملك وقيل : من ولد آب الملك . يقال : توفي سنة ثلاث وثلاثين بالمدائن .
قال : وتاريخ كتاب عتقه يوم الاثنين في جمادى الأولى مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
ومولاه الذي باعه عثمان بن أشهل القرظي اليهودي ، وقيل : إنه عاد إلى أصبهان زمن عمر . وقيل : كان له أخ اسمه بشير وبنت بأصبهان لها نسل وبنتان بمصر ، وقيل : كان له ابن اسمه كثير ، فمن قول البحراني إلى هنا منقول من كتاب الطوالات لأبي موسى الحافظ .
وقد فتشت فما ظفرت في سنه بشيء سوى قول البحراني ، وذلك منقطع لا إسناد له .
ومجموع أمره وأحواله ، وغزوه ، وهمته ، وتصرفه ، وسفه للجريد ، وأشياء مما تقدم ينبئ بأنه ليس بمعمر ولا هرم . فقد فارق وطنه وهو حدث ، ولعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل ، فلم ينشب أن سمع بمبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم [ ص: 556 ] هاجر ، فلعله عاش بضعا وسبعين سنة . وما أراه بلغ المائة . فمن كان عنده علم ، فليفدنا .
وقد نقل طول عمره أبو الفرج بن الجوزي وغيره ، وما علمت في ذلك شيئا يركن إليه .
روى جعفر بن سليمان : عن ثابت البناني ، وذلك في " العلل " لابن أبي حاتم ، قال : لما مرض سلمان ، خرج سعد من الكوفة يعوده ، فقدم ، فوافقه وهو في الموت يبكي ، فسلم وجلس ، وقال : ما يبكيك يا أخي ؟ ألا تذكر صحبة رسول الله ؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة ؟ .
قال : والله ما يبكيني واحدة من ثنتين : ما أبكي حبا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله . قال سعد : فما يبكيك بعد ثمانين ؟ قال : يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدا قال : ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب ، وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا .
رواه بعضهم عن ثابت ، فقال : عن أبي عثمان ، وإرساله أشبه قاله أبو حاتم ، وهذا يوضح لك أنه من أبناء الثمانين .
وقد ذكرت في تاريخي الكبير أنه عاش مائتين وخمسين سنة ، وأنا الساعة لا أرتضي ذلك ولا أصححه .
أبو صالح : حدثنا الليث ، حدثني يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : التقى سلمان وعبد الله بن سلام ، فقال أحدهما لصاحبه : إن لقيت ربك [ ص: 557 ] قبلي فأخبرني ماذا لقيت منه . فتوفي أحدهما فلقي الحي في المنام فكأنه سأله ، فقال : توكل وأبشر ; فلم أر مثل التوكل قط .
قلت : سلمان مات قبل عبد الله بسنوات .
أخبرنا سنقر الزينبي : أنبأنا علي بن محمد الجزري ، ويعيش بن علي ، قالا : أنبأنا عبد الله بن أحمد الخطيب ( ح ) ، وقد أنبئت عن عبد المؤمن بن خلف الحافظ ، أنبأنا الأعز بن فضائل ، أخبرتنا شهدة قالا : أنبأنا جعفر بن أحمد السراج ، أنبأنا الحسن بن عيسى بن المقتدر ، أنبأنا أحمد بن منصور اليشكري ، حدثنا أبو عبد الله بن عرفة ، حدثني محمد بن موسى السامي ، أنبأنا روح بن أسلم ، أنبأنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري ، عن سلمان قال : كان في بني إسرائيل امرأة ذات جمال ، وكانت عند رجل يعمل بالمسحاة ، فكانت إذا جاء الليل قدمت له طعامه ، وفرشت له فراشه . فبلغ خبرها ملك ذلك العصر ، فبعث إليها عجوزا من بني إسرائيل ، فقالت لها : تصنعين بهذا الذي يعمل بالمسحاة ، لو كنت عند الملك ، لكساك الحرير ، وفرش لك الديباج .
فلما وقع الكلام في مسامعها ، جاء زوجها بالليل ، فلم تقدم له طعامه ، ولم تفرش له فراشه ، فقال لها : ما هذا الخلق يا هنتاه ؟ قالت : هو ما ترى . فقال : أطلقك ؟ قالت : نعم . فطلقها ، فتزوجها ذلك الملك ، فلما زفت إليه ، نظر إليها فعمي ، ومد يده إليها فجفت ، فرفع نبي ذلك العصر خبرهما إلى الله ، فأوحى الله إليه : أعلمهما أني غير غافر لهما ، أما علما أن بعيني ما عملا [ ص: 558 ] بصاحب المسحاة ========================عبد الله بن حذافة ( س )
[ ص: 11 ]
ابن قيس بن عدي ، أبو حذافة السهمي . أحد السابقين هاجر إلى الحبشة ، ونفذه النبي صلى الله عليه وسلم رسولا إلى كسرى . وله رواية يسيرة . [ ص: 12 ]
خرج إلى الشام مجاهدا ، فأسر على قيسارية ، وحملوه إلى طاغيتهم ، فراوده عن دينه ، فلم يفتتن .
حدث عنه سليمان بن يسار ، وأبو وائل ، ومسعود بن الحكم ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن .
قال البخاري : حديثه مرسل . وقال أبو بكر بن البرقي : الذي حفظ عنه ثلاثة أحاديث ليست بمتصلة .
وقال أبو سعيد بن يونس ، وابن منده : شهد بدرا .
يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة : أن عبد الله بن حذافة قام يصلي ، فجهر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن حذافة ، لا تسمعني وسمع الله .
محمد بن عمرو ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان ، أن أبا سعيد قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، عليهم علقمة بن مجزز ، وأنا فيهم ، فخرجنا ، حتى إذا كنا ببعض الطريق ، استأذنه طائفة فأذن لهم ، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة ، وكان من أهل بدر ، وكانت فيه دعابة ، فبينا نحن في الطريق ، فأوقد القوم نارا يصطلون بها ، ويصنعون عليها صنيعا لهم ، إذ قال : أليس لي عليكم السمع والطاعة ؟ قالوا : بلى . قال : فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار ، فقام ناس ، فتحجزوا [ ص: 13 ] حتى إذا ظن أنهم واقعون فيها قال : أمسكوا ، إنما كنت أضحك معكم ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكروا ذلك له ، فقال : من أمركم بمعصية فلا تطيعوه .
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ورواه ابن المنكدر عن عمر بن الحكم ، فأرسله .
ثابت البناني ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سلوني ، فقال رجل : من أبي يا رسول الله ؟ قال : أبوك حذافة " [ ص: 14 ] .
عبد الله بن معاوية الجمحي : حدثنا عبد العزيز القسملي : حدثنا ضرار بن عمرو ، عن أبي رافع ، قال : وجه عمر جيشا إلى الروم ، فأسروا عبد الله بن حذافة ، فذهبوا به إلى ملكهم ، فقالوا : إن هذا من أصحاب محمد ، فقال : هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي ؟ قال : لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما تملك ، وجميع ملك العرب ، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين . قال : إذا أقتلك . قال : أنت وذاك ، فأمر به ، فصلب ، وقال للرماة : ارموه قريبا من بدنه ، وهو يعرض عليه ، ويأبى ، فأنزله . ودعا بقدر ، فصب فيها ماء حتى احترقت ، ودعا بأسيرين من المسلمين ، فأمر بأحدهما ، فألقي فيها ، وهو يعرض عليه النصرانية ، وهو يأبى . ثم بكى ، فقيل للملك : إنه بكى ، فظن أنه قد جزع ، فقال : ردوه . ما أبكاك ؟ قال : قلت : هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب ، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله .
فقال له الطاغية : هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك ؟ .
فقال له عبد الله : وعن جميع الأسارى ؟ قال : نعم ، فقبل رأسه .
وقدم بالأسارى على عمر ، فأخبره خبره ، فقال عمر : حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة ، وأنا أبدأ ، فقبل رأسه . [ ص: 15 ]
الوليد بن مسلم : حدثنا أبو عمرو ، ومالك بن أنس : أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة ، فأمر به ملكهم ، فجرب بأشياء صبر عليها . ثم جعلوا له في بيت معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثا لا يأكل ، فاطلعوا عليه ، فقالوا للملك : قد انثنى عنقه ، فإن أخرجته وإلا مات ، فأخرجه ، وقال : ما منعك أن تأكل وتشرب ؟
قال : أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي ، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام . قال : فقبل رأسي ، وأخلي لك مائة أسير . قال : أما هذا ، فنعم .
فقبل رأسه ، فخلى له مائة ، وخلى سبيله .
وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال : حدثنا الوليد بن محمد : أن ابن حذافة أسر ، فذكر القصة مطولة ، وفيها : أطلق له ثلاثمائة أسير ، وأجازه بثلاثين ألف دينار ، وثلاثين وصيفة ، وثلاثين وصيفا .
ولعل هذا الملك قد أسلم سرا . ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة .
وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين ، فلما خافهم قال : إنما كنت أختبر شدتكم في دينكم .
فمن أسلم في باطنه هكذا ، فيرجى له الخلاص من خلود النار ؛ إذ قد حصل في باطنه إيمانا ما وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول ، واعتقد أنهما حق ، مع كون أنه على دين صحيح ، فتراه يعظم للدينين ، كما قد فعله كثير من المسلمانية الدواوين فهذا لا ينفعه [ ص: 16 ] الإسلام حتى يتبرأ من الشرك .
مات ابن حذافة في خلافة عثمان رضي الله عنهم =======================صهيب بن سنان ( ع )
[ ص: 17 ]
أبو يحيى النمري . من النمر بن قاسط . ويعرف بالرومي ؛ لأنه أقام في الروم مدة . وهو من أهل الجزيرة ، سبي من قرية نينوى ، من أعمال [ ص: 18 ] الموصل . وقد كان أبوه ، أو عمه ، عاملا لكسرى . ثم إنه جلب إلى مكة ، فاشتراه عبد الله بن جدعان القرشي التيمي . ويقال : بل هرب ، فأتى مكة ، وحالف ابن جدعان .
كان من كبار السابقين البدريين .
حدث عنه بنوه : حبيب ، وزياد وحمزة ؛ وسعيد بن المسيب ، وكعب الحبر ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وآخرون .
روى أحاديث معدودة . خرجوا له في الكتب ؛ وكان فاضلا وافر الحرمة . له عدة أولاد .
ولما طعن عمر استنابه على الصلاة بالمسلمين إلى أن يتفق أهل الشورى على إمام . وكان موصوفا بالكرم ، والسماحة رضي الله عنه .
مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين وكان ممن اعتزل الفتنة ، وأقبل على شأنه رضي الله عنه .
قال الحافظ ابن عساكر : صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر ، أبو يحيى - ويقال : أبو غسان - النمري الرومي البدري المهاجري .
روى عنه بنوه ، وابن عمر ، وجابر ، وابن المسيب ، وعبيد بن عمير ، وابن أبي ليلى . وبنوه الثمانية : عثمان ، وصيفي ، وحمزة ، وسعد ، وعباد ، وحبيب ، وصالح ، ومحمد . [ ص: 19 ]
وذكره ابن سعد ، فسرد نسبه إلى أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط ، من ربيعة . حليف عبد الله بن جدعان التيمي القرشي .
وأمه : سلمى بنت قعيد . وكان رجلا أحمر ، شديد الحمرة ، ليس بالطويل .
وذكر شباب نسبه إلى النمر - بزيادة آباء ، وحذف آخرين . وكذا فعل أحمد بن البرقي .
`عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال : كناني النبي صلى الله عليه وسلم : أبا يحيى .
عن صيفي بن صهيب عن أبيه ، قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه .
وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار ، عن أبيه : قال عمار : لقيت صهيبا على باب دار الأرقم ، وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلنا ، فعرض علينا الإسلام : فأسلمنا . ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا ، فخرجنا ونحن مستخفون .
روى يونس ، عن الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صهيب سابق الروم . [ ص: 20 ]
وجاء هذا بإسناد جيد من حديث أبي أمامة وجاء من حديث أنس ، وأم هانئ .
قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب . . . مختصر .
قال أبو عمر بن عبد البر : كان أبو صهيب ، أو عمه : عاملا لكسرى على الأبلة ، وكانت منازلهم بأرض الموصل فأغارت الروم عليهم ، فسبت صهيبا وهو غلام ، فنشأ بالروم . ثم اشترته كلب ، وباعوه بمكة لعبد الله بن جدعان ، فأعتقه .
وأما أهله فيزعمون أنه هرب من الروم ، وقدم مكة .
مصعب بن عبد الله ، عن أبيه ، عن ربيعة بن عثمان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : خرجت مع عمر حتى دخل حائطا لصهيب ، فلما رآه صهيب ، قال : يا ناس ، يا أناس ، فقال عمر : ما له يدعو الناس ؟ قلت : بل هو غلام له يدعى يحنس ، فقال له عمر : لولا ثلاث خصال فيك يا [ ص: 21 ] صهيب . . . الحديث .
الواقدي : حدثنا عثمان بن محمد ، عن عبد الحكم بن صهيب ، عن عمر بن الحكم ، قال : كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ، في قوم من المسلمين ، حتى نزلت : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا .
قال مجاهد : فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه عمه ، وأما أبو بكر فمنعه قومه . وأخذ الآخرون - سمى منهم صهيبا - فألبسوهم أدراع الحديد ، صهروهم في الشمس ، حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ ؛ فأعطوهم ما سألوا - يعني : التلفظ بالكفر - فجاء كل رجل قومه بأنطاع فيها الماء ، فألقوهم فيها ، إلا بلالا . [ ص: 22 ] الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : ومن الناس من يشري نفسه نزلت في صهيب ، ونفر من أصحابه ، أخذهم أهل مكة يعذبونهم ؛ ليردوهم إلى الشرك .
أحمد في " مسنده " : حدثنا أسباط : حدثنا أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود ، قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده خباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ، فقالوا : أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل فيهم القرآن : وأنذر به الذين يخافون إلى قوله والله أعلم بالظالمين .
عوف الأعرابي ، عن أبي عثمان : أن صهيبا حين أراد الهجرة ، قال له أهل مكة : أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فتغير حالك ! قال : أرأيتم إن تركت مالي ، أمخلون أنتم سبيلي ؟ قالوا : نعم ، فخلع لهم ماله ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ربح صهيب ، ربح صهيب ! .
يعقوب بن محمد الزهري : حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي حدثنا [ ص: 23 ] أبي وعمومتي ، عن سعيد بن المسيب ، عن صهيب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة ، فإما أن تكون هجر ، أو يثرب .
قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وقد كنت هممت بالخروج معه ، فصدني فتيان من قريش ، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد ، فقالوا : قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيا - فناموا ، فذهبت ، فلحقني ناس منهم على بريد ، فقلت لهم : أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوني ؟ ففعلوا ، فقلت : احفروا تحت أسكفة الباب تجدوها ، وخذوا من فلانة الحلتين ، وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء فلما رآني ، قال : يا أبا يحيى ، ربح البيع ، ثلاثا ، فقلت : ما أخبرك إلا جبريل .
حماد بن سلمة : حدثنا علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، قال : أقبل صهيب مهاجرا ، واتبعه نفر ، فنزل عن راحلته ، ونثل كنانته ، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ، فإن شئتم دللتكم على مالي ، وخليتم سبيلي ؟ قالوا : نفعل ، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال : ربح البيع أبا يحيى ! ونزلت : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله . [ ص: 24 ]
وقال مصعب الزبيري : هرب صهيب من الروم بمال ، فنزل مكة ، فعاقد ابن جدعان . وإنما أخذته الروم من نينوى .
عبد الحكيم بن صهيب ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان ، عن صهيب ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء ، وقد رمدت في الطريق وجعت ، وبين يديه رطب ، فوقعت فيه ، فقال عمر : يا رسول الله : ألا ترى صهيبا يأكل الرطب وهو أرمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لي ذلك . قلت : إنما آكل على شق عيني الصحيحة ، فتبسم .
ذكر عروة ، وموسى بن عقبة وغيرهما : صهيبا فيمن شهد بدرا .
أبو زرعة : حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي جده ، عن صهيب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها .
حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن معاوية بن قرة ، عن عائذ بن عمرو : أن [ ص: 25 ] سلمان ، وصهيبا ، وبلالا ، كانوا قعودا ، فمر بهم أبو سفيان ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ؟ قال : فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم ، لقد أغضبت ربك ، فرجع إليهم ، فقال : أي إخواننا ، لعلكم غضبتم ؟ قالوا : لا يا أبا بكر ، يغفر الله لك .
عبد الله بن محمد بن عقيل ، `عن حمزة بن صهيب ، عن أبيه ، قال : قال عمر لصهيب : أي رجل أنت لولا خصال ثلاث فيك ! قال : وما هن ؟ قال : اكتنيت وليس لك ولد ، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم ! وفيك سرف في الطعام . قال : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني أبا يحيى ، وأنا من النمر بن قاسط ، سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام قد عرفت نسبي ، وأما قولك في سرف الطعام ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خيركم من أطعم الطعام .
وروى محمد بن عمرو بن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه : أن عمر قال لصهيب : لولا ثلاث فيك ؟ وبعضهم يرويه بحذف " عن أبيه " وزاد : ولو انفلقت عني روثة لانتسبت إليها .
وحماد بن سلمة ، عن زيد بن أسلم : أن عمر قال لصهيب : لولا ثلاث [ ص: 26 ] خصال . قال : وما هن ؟ فوالله ما تزال تعيب شيئا . قال : اكتناؤك وليس لك ولد ؛ وادعاؤك إلى النمر بن قاسط ، وأنت رجل ألكن ؛ وأنك لا تمسك المال . . . . الحديث . وفيه : واسترضع لي بالأبلة فهذه من ذاك . وأما المال ، فهل تراني أنفق إلا في حق ؟ .
وروى سالم ، عن أبيه : أن عمر قال : إن حدث بي حدث فليصل بالناس صهيب ، ثلاثا ، ثم أجمعوا أمركم في اليوم الثالث .
قال الواقدي : مات صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين عن سبعين سنة . وكذلك قال المدائني وغيره في وفاته .
وقال المدائني : عاش ثلاثا وسبعين سنة .
وقال الفسوي : عاش أربعا وثمانين سنة رضي الله عنه .
له نحو من ثلاثين حديثا . روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث===ابن عمرو بن عبيد بن عمرو بن كلاب بن دهمان البلوي القضاعي الأنصاري من حلفاء الأوس .
واسمه : هانئ . وهو خال البراء بن عازب .
شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية . وبقي إلى دولة معاوية . وحديثه في الكتب الستة .
حدث عنه : ابن أخته البراء ، وجابر بن عبد الله ، وبشير بن يسار ، وغيرهم . [ ص: 36 ]
وكان أحد الرماة الموصوفين .
وقيل : توفي سنة اثنتين وأربعين ============ابن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة . [ ص: 38 ]
واسم كندة : ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
ساقه ابن سعد ، قال : وقيل له : كندة ؛ لأنه كند أباه النعمة ، أي : كفره .
وكان اسم الأشعث : معدي كرب . وكان أبدا أشعث الرأس ؛ فغلب عليه .
له صحبة ، ورواية .
حدث عنه : الشعبي ، وقيس بن أبي حازم ، وأبو وائل . وأرسل عنه إبراهيم النخعي .
وأصيبت عينه يوم اليرموك . وكان أكبر أمراء علي يوم صفين .
منصور ، والأعمش ، عن أبي وائل ، قال لنا الأشعث : في نزلت : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا خاصمت رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألك بينة ؟ قلت : لا . قال : فيحلف ؟ قلت : إذا يحلف ، فقال : من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالا ، لقي الله وهو عليه غضبان .
قال ابن الكلبي : وفد الأشعث في سبعين من كندة على النبي صلى الله عليه وسلم .
مجالد ، عن الشعبي ، عن الأشعث ، قال : [ ص: 39 ] قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة ، فقال لي : هل لك من ولد ؟ قلت : صغير ، ولد مخرجي إليك . . . الحديث .
وعن إبراهيم النخعي ، قال : ارتد الأشعث في ناس من كندة ، فحوصر ، وأخذ بالأمان ، فأخذ الأمان لسبعين ، ولم يأخذ لنفسه ، فأتي به الصديق ، فقال : إنا قاتلوك ، لا أمان لك ، فقال : تمن علي وأسلم ؟ قال : ففعل ، وزوجه أخته .
زاد غيره : فقال لأبي بكر : زوجني أختك ، فزوجه فروة بنت أبي قحافة .
رواه أبو عبيد في " الأموال " فلعل أباها فوض النكاح إلى أبي بكر .
ابن أبي خالد ، عن قيس ، قال : لما قدم بالأشعث بن قيس أسيرا على أبي بكر : أطلق وثاقه ، وزوجه أخته ، فاخترط سيفه ، ودخل سوق الإبل ، فجعل لا يرى ناقة ولا جملا إلا عرقبه . وصاح الناس : كفر الأشعث ! ثم طرح سيفه ، وقال : والله ما كفرت ؛ ولكن هذا الرجل زوجني أخته ؛ ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه . يا أهل المدينة ، انحروا وكلوا ! ويا أهل الإبل ، تعالوا خذوا شرواها ! . [ ص: 40 ]
رواه عبد المؤمن بن علي ، عن عبد السلام بن حرب ، عنه .
إسماعيل ، عن قيس ، قال : شهدت جنازة فيها الأشعث ، وجرير ، فقدم الأشعث جريرا ، وقال : إن هذا لم يرتد ، وإني ارتددت .
قال أبو عبيدة : كان على ميمنة علي يوم صفين الأشعث .
مسلمة بن محارب ، عن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية . قال : حصل معاوية ، في تسعين ألفا فسبق فنزل الفرات ، وجاء علي ، فمنعهم معاوية الماء ، فبعث علي الأشعث ، في ألفين وعلى الماء لمعاوية أبو الأعور في خمسة آلاف ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وغلب الأشعث على الماء .
الأعمش ، عن حيان أبي سعيد التيمي قال : حذر الأشعث من الفتن ، فقيل له : خرجت مع علي ! فقال : ومن لك إمام مثل علي !
وعن قيس بن أبي حازم ، قال : دخل الأشعث على علي في شيء ، فتهدده بالموت ، فقال علي : بالموت تهددني ! ما أباليه ، هاتوا لي جامعة [ ص: 41 ] وقيدا ! ثم أومأ إلى أصحابه . قال : فطلبوا إليه فيه ، فتركه .
أبو المغيرة الخولاني : حدثنا صفوان بن عمرو ؛ حدثني أبو الصلت الحضرمي ، قال : حلنا بين أهل العراق وبين الماء ؛ فأتانا فارس ، ثم حسر ؛ فإذا هو الأشعث بن قيس ، فقال : الله الله يا معاوية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ! هبوا أنكم قتلتم أهل العراق ، فمن للبعوث والذراري ؟ أم هبوا أنا قتلناكم ، فمن للبعوث والذراري ؟ إن الله يقول : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما قال معاوية : فما تريد ؟ قال : خلوا بيننا وبين الماء ، فقال لأبي الأعور : خل بين إخواننا وبين الماء .
روى الشيباني عن قيس بن محمد بن الأشعث : أن الأشعث كان عاملا لعثمان على أذربيجان ، فحلف مرة على شيء ؛ فكفر عن يمينه بخمسة عشر ألفا .
إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، قال : كان الأشعث حلف على يمين ، ثم قال : قبحك الله من مال ! أما والله ما حلفت إلا على حق ، ولكنه رد على صاحبه ، وكان ثلاثين ألفا .
شريك : حدثنا أبو إسحاق ، قال : صليت الفجر بمسجد الأشعث ، فلما سلم الإمام إذا بين يدي كيس ونعل ؛ فنظرت : فإذا بين يدي كل رجل كيس ونعل ! فقلت : ما هذا ؟ قالوا : قدم الأشعث الليلة ، فقال : انظروا ! [ ص: 42 ] فكل من صلى الغداة في مسجدنا ، فاجعلوا بين يديه كيسا وحذاء .
رواه أبو إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، إلا أنه قال : حلة ونعلين .
أحمد بن حنبل : حدثنا علي بن ثابت ، حدثنا أبو المهاجر ، عن ميمون بن مهران ، قال : أول من مشت معه الرجال ، وهو راكب : الأشعث بن قيس .
روى نحوه أبو المليح ، عن ميمون .
قال إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر ، قال : لما توفي الأشعث بن قيس ، أتاهم الحسن بن علي ، فأمرهم أن يوضئوه بالكافور وضوءا . وكانت بنته تحت الحسن .
قالوا : توفي سنة أربعين وزاد بعضهم : بعد علي رضي الله عنه بأربعين ليلة . ودفن في داره . وقيل : عاش ثلاثا وستين سنة .
وقال محمد بن سعد : مات بالكوفة ، والحسن بها حين صالح معاوية . وهو الذي صلى عليه .
قلت : وكان ابنه محمد بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم ، [ ص: 43 ] وهو والد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج معه الناس ، وعمل مع الحجاج تلك الحروب المشهورة التي لم يسمع بمثلها . بحيث يقال : إنه عمل معه أحدا وثمانين مصافا معظمها على الحجاج . ثم في الآخر خذل ابن الأشعث وانهزم ، ثم ظفروا به وهلك=============أبو ذر ( ع ) [ ص: 46 ]
جندب بن جنادة الغفاري ، وقيل : جندب بن سكن . وقيل : برير بن جنادة . وقيل : برير بن عبد الله .
ونبأني الدمياطي : أنه جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار - أخي ثعلبة - ابني مليل بن ضمرة ، أخي ليث والديل ، أولاد بكر ، أخي مرة ، والد مدلج بن مرة ، ابني عبد مناة بن كنانة .
قلت : أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
قيل : كان خامس خمسة في الإسلام . ثم إنه رد إلى بلاد قومه ، فأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك ، فلما أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه ، ولازمه ، وجاهد معه .
وكان يفتي في خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان .
روى عنه : حذيفة بن أسيد الغفاري ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وابن عمر ، وجبير بن نفير ، وأبو مسلم الخولاني ، وزيد بن وهب ، وأبو الأسود الدئلي ، وربعي بن حراش ، والمعرور بن سويد ، وزر بن حبيش ، وأبو سالم الجيشاني سفيان بن هانئ ، وعبد الرحمن بن غنم ، [ ص: 47 ] والأحنف بن قيس ، وقيس بن عباد ، وعبد الله بن الصامت ، وأبو عثمان النهدي ، وسويد بن غفلة ، وأبو مراوح ، وأبو إدريس الخولاني ، وسعيد بن المسيب ، وخرشة بن الحر ، وزيد بن ظبيان ، وصعصعة بن معاوية ، وأبو السليل ضريب بن نفير ، وعبد الله بن شقيق ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبيد بن عمير ، وغضيف بن الحارث ، وعاصم بن سفيان ، وعبيد بن الخشخاش ، وأبو مسلم الجذمي ، وعطاء بن يسار ، وموسى بن طلحة ، وأبو الشعثاء المحاربي ، ومورق العجلي ، ويزيد بن شريك التيمي ، وأبو الأحوص المدني - شيخ الزهري - وأبو أسماء الرحبي ، وأبو بصرة الغفاري ، وأبو العالية الرياحي ، وابن الحوتكية ، وجسرة بنت دجاجة .
فاتته بدر ، قاله أبو داود .
وقيل : كان آدم ضخما جسيما ، كث اللحية .
وكان رأسا في الزهد ، والصدق ، والعلم والعمل ، قوالا بالحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، على حدة فيه .
وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر .
أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي وأحمد بن هبة الله قالا : أخبرنا زين الأمناء حسن بن محمد : أخبرنا علي بن الحسن الحافظ : حدثنا علي بن إبراهيم الحسيني : أخبرنا محمد بن علي بن سلوان : أخبرنا الفضل بن جعفر التميمي ، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي : حدثنا أبو مسهر :
[ ص: 48 ] حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر الغفاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل ، عن الله - تبارك وتعالى - أنه قال : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا . يا عبادي ، إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار ، وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي ، فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ، كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ، لم يزد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم ، كانوا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل واحد منهم ما سأل ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، إلا كما ينقص البحر أن يغمس المخيط غمسة واحدة . يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم ، فمن وجد خيرا ، فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه .
قال سعيد : كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه .
أخرجه مسلم . [ ص: 49 ] نقل الواقدي ، عن خالد بن حيان ، قال : كان أبو ذر ، وأبو الدرداء في مظلتين من شعر بدمشق .
وقال أحمد بن البرقي : أبو ذر اسمه : يزيد بن جنادة .
وقال سعيد بن عبد العزيز : اسمه : برير .
قال أبو قلابة ، عن رجل عامري ، قال : كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي ، فتصيبني الجنابة ، فوقع ذلك في نفسي ، فنعت لي أبو ذر ، فحججت ، فدخلت مسجد منى ، فعرفته ، فإذا شيخ معروق آدم عليه حلة قطري . [ ص: 50 ]
وقال حميد بن هلال : حدثني الأحنف بن قيس ، قال : قدمت المدينة ، فدخلت مسجدها ، فبينما أنا أصلي ، إذ دخل رجل طوال ، آدم أبيض الرأس واللحية ، محلوق ، يشبه بعضه بعضا ، فاتبعته فقلت : من هذا ؟ قالوا : أبو ذر .
سليمان بن المغيرة ، وابن عون ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قال : قال أبو ذر : خرجنا من قومنا غفار ، وكانوا يحلون الشهر الحرام ، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا ، فنزلنا على خال لنا ، فأكرمنا وأحسن ، فحسدنا قومه ، فقالوا : إنك إذا خرجت عن أهلك يخالفك إليهم أنيس ، فجاء خالنا ، فذكر لنا ما قيل له ، فقلت : أما ما مضى من معروفك ، فقد كدرته ، ولا جماع لك فيما بعد ، فقدمنا صرمتنا فاحتملنا عليها ، وجعل خالنا يبكي ، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة ، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها ، فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها .
قال : وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين . قلت : لمن ؟ قال : لله . قلت : أين توجه ؟ قال : حيث وجهني الله ، أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس . [ ص: 51 ]
فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة ، فاكفني ، فانطلق أنيس حتى أتى مكة ، [ فراث علي ] ثم جاء ، فقلت : ما صنعت ؟ قال : لقيت رجلا بمكة على دينك ، يزعم أنه مرسل . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر . قال : وكان أنيس أحد الشعراء ، فقال : لقد سمعت قول الكهنة ، وما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فما يلتئم على لسان أحد أنه شعر ، والله إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون ! قلت : فاكفني حتى أذهب فأنظر ! .
فأتيت مكة ، فتضعفت رجلا منهم ، فقلت : من هذا الذي تدعونه الصابئ ؟ فأشار إلي ، فقال : الصابئ . قال : فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم ، حتى خررت مغشيا علي ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم ، فغسلت عني الدماء ، وشربت من مائها .
ولقد لبثت - يا ابن أخي - ثلاثين ، بين ليلة ويوم ما لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع .
فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان جاءت امرأتان تطوفان ، [ ص: 52 ] وتدعوان إسافا ونائلة فأتتا علي في طوافهما ، فقلت : أنكحا أحدهما الآخر ، فما تناهتا عن قولهما فأتتا علي ، فقلت : هن مثل الخشبة ، غير أني لا أكني ، فانطلقتا تولولان ، تقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ! فاستقبلهما رسول الله ، وأبو بكر ، وهما هابطتان ، فقال : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قال : فما قال لكما ؟ قالتا : إنه قال كلمة تملأ الفم .
قال : وجاء رسول الله حتى استلم الحجر ، ثم طاف بالبيت ، هو وصاحبه ، ثم صلى . وكنت أول من حياه بتحية الإسلام . قال : عليك ورحمة الله ، من أين أنت ؟ قلت : من غفار ، فأهوى بيده ، ووضع أصابعه على جبهته .
فقلت في نفسي : كره أني انتميت إلى غفار ، فذهبت آخذ بيده ، فدفعني صاحبه ، وكان أعلم به مني .
قال : ثم رفع رأسه ، فقال : متى كنت هاهنا ؟ قلت : منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم . قال : فمن كان يطعمك ؟ قلت : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت ، وما أجد على بطني سخفة جوع . قال : إنها مباركة ، إنها طعام طعم . [ ص: 53 ]
فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ائذن لي في طعامه الليلة ، فانطلقنا ، ففتح أبو بكر بابا ، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف : فكان أول طعام أكلته بها .
وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل ، لا أراها إلا يثرب ، فهل أنت مبلغ عني قومك ، لعل الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم ؟ .
قال : فانطلقت ، فلقيت أنيسا ، فقال : ما صنعت ؟ قلت : صنعت أني أسلمت وصدقت . قال : ما بي رغبة عن دينك ، فإني قد أسلمت وصدقت ، فأسلمت أمنا ، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفار ، فأسلم نصفهم ، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة ، وكان سيدهم . وقال نصفهم : إذا قدم رسول الله المدينة أسلمنا ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأسلم نصفهم الباقي .
وجاءت أسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إخواننا ، نسلم على الذي أسلموا عليه ، فأسلموا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غفار غفر الله لها ، وأسلم ، سالمها الله . أخرجه مسلم .
قال أبو جمرة : قال لنا ابن عباس : ألا أخبركم بإسلام أبي ذر ؟ قلنا : بلى . قال : قال أبو ذر : بلغني أن رجلا بمكة قد خرج ، يزعم أنه نبي ، فأرسلت أخي ليكلمه ، فقلت : انطلق إلى هذا الرجل ، فكلمه ، فانطلق فلقيه ، ثم رجع ، فقلت : ما عندك ؟ قال : والله ، لقد رأيت رجلا يأمر بالخير ، وينهى عن الشر . قلت : لم تشفني ، فأخذت جرابا وعصا ، ثم [ ص: 54 ] أقبلت إلى مكة ، فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم ، وأكون في المسجد ، فمر علي بن أبي طالب فقال : هذا رجل غريب ؟ قلت : نعم . قال : انطلق إلى المنزل ، فانطلقت معه ، لا أسأله عن شيء ، ولا يخبرني .
فلما أصبح الغد ، جئت إلى المسجد لا أسأل عنه ، وليس أحد يخبرني عنه بشيء ، فمر بي علي فقال : أما آن للرجل أن يعود ؟ قلت : لا . قال : ما أمرك ، وما أقدمك ؟ قلت : إن كتمت علي أخبرتك ؟ قال : أفعل . قلت : قد بلغنا أنه قد خرج نبي . قال : أما قد رشدت ! هذا وجهي إليه ، فاتبعني وادخل حيث أدخل ، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك ، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ، وامض أنت .
فمضى ، ومضيت معه ، فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، اعرض علي الإسلام ، فعرض علي ، فأسلمت مكاني ، فقال لي : يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمر ، وارجع إلى قومك ، فإذا بلغك ظهورنا ، فأقبل ، فقلت : والذي بعثك بالحق ، لأصرخن بها بين أظهرهم .
فجاء إلى المسجد وقريش فيه ، فقال : يا معشر قريش ، إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فقاموا ، فضربت لأموت ، فأدركني العباس ، فأكب علي ، وقال : ويلكم تقتلون رجلا من غفار ، ومتجركم وممركم على غفار ! فأطلقوا عني ، فلما أصبحت ، رجعت ، فقلت مثلما قلت بالأمس ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فصنع بي كذلك ، وأدركني العباس ، فأكب علي .
فهذا أول إسلام أبي ذر . [ ص: 55 ] أخرجه : البخاري ومسلم من طريق المثنى بن سعيد ، عن أبي جمرة ===ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر : أخبرنا ابن أبي سبرة ، عن يحيى بن شبل ، عن خفاف بن إيماء قال : كان أبو ذر رجلا يصيب ، وكان شجاعا ، ينفرد وحده يقطع الطريق ، ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو قدميه ، كأنه السبع ، فيطرق الحي ، ويأخذ ما أخذ ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام ، وسمع مقالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ يدعو مختفيا ، فأقبل يسأل عنه .
وعن أبي معشر السندي : كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ، ويوحد ، ولا يعبد الأصنام .
النضر بن محمد ، أخبرنا عكرمة بن عمار : أخبرنا أبو زميل ، عن مالك بن مرثد ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : كنت رابع الإسلام ، أسلم قبلي ثلاثة ، فأتيت نبي الله ، فقلت : سلام عليك يا نبي الله . وأسلمت ، فرأيت الاستبشار في وجهه ، فقال : من أنت ؟ قلت : جندب ، رجل من غفار .
قال : فرأيتها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان فيهم من يسرق الحاج .
[ ص: 56 ] وعن محفوظ بن علقمة ، عن ابن عائذ ، عن جبير بن نفير ، قال : كان أبو ذر وعمرو بن عبسة ، كل منهما يقول : أنا ربع الإسلام .
قال الواقدي : كان حامل راية غفار يوم حنين أبو ذر .
وكان يقول : أبطأت في غزوة تبوك ، من عجف بعيري .
ابن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن مسعود ، قال : لما سار رسول الله إلى تبوك ، جعل لا يزال يتخلف الرجل ، فيقولون : يا رسول الله ، تخلف فلان ، فيقول : دعوه ، إن يكن فيه خير فسيلحقكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه . حتى قيل : يا رسول الله ، تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره .
قال : وتلوم بعير أبي ذر ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه ، فجعله على ظهره ، وخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظر ناظر ، فقال : إن هذا لرجل يمشي على الطريق ، فقال رسول الله : كن أبا ذر ، فلما تأمله القوم ، قالوا : هو والله أبو ذر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده . [ ص: 57 ]
فضرب الدهر من ضربه وسير أبو ذر إلى الربذة ، فلما حضرته الوفاة ، أوصى امرأته وغلامه ، فقال : إذا مت فاغسلاني وكفناني ، وضعاني على الطريق ، فأول ركب يمرون بكم فقولا : هذا أبو ذر .
فلما مات فعلا به ذلك ، فاطلع ركب ، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير ، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة ، فقال : ما هذا ؟ قيل : جنازة أبي ذر ، فاستهل ابن مسعود يبكي ، وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .
فنزل فوليه بنفسه ، حتى أجنه .
شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن كليب بن شهاب : سمعت أبا ذر يقول : ما تؤيسني رقة عظمي ، ولا بياض شعري ، أن ألقى عيسى ابن مريم .
وعن ابن سيرين : سألت ابن أخت لأبي ذر : ما ترك أبو ذر ؟ قال : ترك أتانين ، وحمارا ، وأعنزا ، وركائب .
يحيى بن سعيد الأنصاري : أخبرنا الحارث بن يزيد الحضرمي : أن أبا ذر سأل رسول الله الإمرة ، فقال : إنك ضعيف ، وإنها خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها . [ ص: 58 ]
أبو بكر بن أبي مريم ، عن حبيب بن عبيد ، عن غضيف بن الحارث ، عن أبي الدرداء ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدئ أبا ذر إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب .
فضيل بن مرزوق ، حدثتني جبلة بنت مصفح ، عن حاطب : قال أبو ذر : ما ترك رسول الله شيئا مما صبه جبريل وميكائيل في صدره ، إلا قد صبه في صدري ، ولا تركت شيئا مما صبه في صدري إلا قد صببته في صدر مالك بن ضمرة .
هذا منكر .
عبد الرحمن بن أبي الرجال : أخبرنا عمر مولى غفرة ، عن ابن كعب ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوصاني بخمس : أرحم المساكين وأجالسهم ، وأنظر إلى من تحتي ولا أنظر إلى من فوقي ، وأن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأن أقول الحق وإن كان مرا ، وأن أقول : لا حول ولا قوة إلا بالله . [ ص: 59 ]
الأعمش ، عن عثمان بن عمير ، عن أبي حرب بن أبي الأسود : سمعت عبد الله بن عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر .
حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : مثله . وجاء نحوه لجابر ، وأبي هريرة .
أبو أمية بن يعلى - وهو واه - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم ، فلينظر إلى أبي ذر .
سلام بن مسكين : أخبرنا مالك بن دينار : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيكم يلقاني على الحال الذي أفارقه عليه ؟ فقال أبو ذر : أنا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ؛ من سره أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر . [ ص: 60 ]
حجاج بن محمد ، عن ابن جريج : أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه . ثم قال ابن جريج ، ورجل عن زاذان ، قالا : سئل علي عن أبي ذر ؛ فقال : وعى علما عجز عنه ، وكان شحيحا على دينه ، حريصا على العلم ، يكثر السؤال ، وعجز عن كشف ما عنده من العلم .
سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال : أخبرنا عبد الله بن الصامت ، قال : دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه - قال : وتخوفنا عثمان عليه - فانتهى إليه ، فسلم ، ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال : أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم . ثم استأذنه إلى الربذة .
يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي إدريس ، عن المسيب بن نجبة ، عن علي ، أنه قيل له : حدثنا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، حدثنا عن أبي ذر . قال : علم العلم ، ثم أوكى ، فربط عليه رباطا شديدا .
أبو إسحاق ، عن هانئ بن هانئ : سمع عليا يقول : أبو ذر وعاء ملئ علما ، أوكى عليه ، فلم يخرج منه شيء حتى قبض .
عن أبي سلمة ، مرسلا : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اغفر لأبي ذر وتب عليه .
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه لم يكن نبي إلا وقد أعطي سبعة رفقاء ووزراء ، وإني أعطيت أربعة عشر فسمى فيهم أبا ذر . [ ص: 61 ]
شريك ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت بحب أربعة ، وأخبرني الله - تعالى - أنه يحبهم . قلت : من هم يا رسول الله ؟ قال : علي ، وأبو ذر ، وسلمان ، والمقداد بن الأسود .
قال شهر بن حوشب : حدثتني أسماء : أن أبا ذر كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فرغ من خدمته ، أوى إلى المسجد ، وكان هو بيته ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فوجده منجدلا في المسجد ، فنكته رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله ، حتى استوى جالسا ، فقال : ألا أراك نائما ؟ قال : فأين أنام ، هل لي من بيت غيره ؟ فجلس إليه ، ثم قال : كيف أنت إذا أخرجوك منه ؟ قال : ألحق بالشام ؛ فإن الشام أرض الهجرة ، وأرض المحشر ، وأرض الأنبياء ، فأكون رجلا من أهلها - قال له : كيف أنت إذا أخرجوك من الشام ؟ قال : أرجع إليه ؛ فيكون بيتي ومنزلي . قال : فكيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية ؟ قال : آخذ إذا سيفي فأقاتل حتى أموت .
قال : فكشر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : أدلك على خير من ذلك ؟ قال : بلى ، بأبي وأمي يا رسول الله .
قال : تنقاد لهم حيث قادوك ، حتى تلقاني وأنت على ذلك [ ص: 62 ] أخرجه أحمد في " مسنده " .
وفي المسند : أخبرنا أبو المغيرة : أخبرنا صفوان بن عمرو ، عن أبي اليمان ، وأبي المثنى : أن أبا ذر قال : بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا ، وواثقني سبعا ، وأشهد الله علي سبعا : ألا أخاف في الله لومة لائم==أبو اليمان ، هو الهوزني الدغولي أخبرنا أبو جعفر الصائغ بمكة : أخبرنا المقري : أخبرنا المسعودي : أخبرنا أبو عمر الشامي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فجلست إليه ، فقال : أصليت ؟ قلت : لا . قال : قم فصل ، فقمت فصليت ، ثم أتيته ، فقال : يا أبا ذر ، استعذ بالله من شياطين الإنس والجن . قلت : وهل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم . ثم قال : يا أبا ذر ، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ قل : لا حول ولا قوة إلا بالله . قلت : فما الصلاة ؟ قال : خير موضوع ، فمن شاء أكثر ، ومن شاء أقل . قلت : فما الصيام ؟ قال : فرض مجزئ . قلت : فما الصدقة ؟ قال : أضعاف مضاعفة ، وعند الله مزيد . قلت : فأيها أفضل ؟ قال : جهد من مقل ، أو سر إلى فقير . قلت : فأي ما أنزل الله عليك أعظم ؟ قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قلت : فأي الأنبياء كان أول ؟ قال : آدم . قلت : نبيا كان ؟ قال : نعم ، مكلم . قلت : فكم المرسلون يا رسول الله ؟ قال : ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا . [ ص: 63 ]
هشام ، عن ابن سيرين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : " إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها - ونحا بيده نحو الشام - ولا أرى أمراءك يدعونك . قال : أولا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك ؟ قال : لا . قال : فما تأمرني ؟ قال : اسمع وأطع ، ولو لعبد حبشي .
فلما كان ذلك ، خرج إلى الشام ، فكتب معاوية : إنه قد أفسد الشام ، فطلبه عثمان ؛ ثم بعثوا أهله من بعده ، فوجدوا عندهم كيسا أو شيئا ؛ فظنوه دراهم ، فقالوا : ما شاء الله فإذا هي فلوس .
فقال عثمان : كن عندي . قال : لا حاجة لي في دنياكم ؛ ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة ، فأذن له ؛ فخرج إليها ، وعليها عبد حبشي لعثمان ، فتأخر وقت الصلاة - لما رأى أبا ذر - فقال أبو ذر : تقدم فصل .
سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وعليه برذعة ، أو قطيفة [ ص: 64 ] .
عفان : أخبرنا سلام أبو المنذر ، عن محمد بن واسع ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع : أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ، وأن لا أسأل أحدا شيئا ، وأن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأن أقول الحق وإن كان مرا ، وألا أخاف في الله لومة لائم ، وأن أكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ فإنهن من كنز تحت العرش .
الأوزاعي : حدثني أبو كثير ، عن أبيه ، قال : أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل ، فوقف عليه ، فقال : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ فرفع رأسه ، ثم قال : أرقيب أنت علي ، لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار بيده إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها .
اسم أبي كثير : مرثد .
وعن ثعلبة بن الحكم ، عن علي ، قال : لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم ، غير أبي ذر ، ولا نفسي . ثم ضرب بيده على صدره .
الجريري ، عن يزيد بن الشخير ، عن الأحنف ، قال : قدمت [ ص: 65 ] المدينة ، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش ، إذ جاء رجل أخشن الثياب ، أخشن الجسد ، أخشن الوجه ، فقام عليهم فقال : بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم ، حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل .
قال : فوضع القوم رءوسهم ، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا .
فأدبر ، فتبعته حتى جلس إلى سارية ، فقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم . قال : إن هؤلاء لا يعقلون شيئا ؛ إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم دعاني فقال : يا أبا ذر ، فأجبته ، فقال : ترى أحدا ؟ فنظرت ما علي من الشمس - وأنا أظنه يبعثني في حاجة - فقلت : أراه ، فقال : ما يسرني أن لي مثله ذهبا ، أنفقه كله ، إلا ثلاثة دنانير ثم هؤلاء يجمعون الدنيا ، لا يعقلون شيئا .
فقلت : ما لك ولإخوانك من قريش ، لا تعتريهم ولا تصيب منهم ؟ قال : لا وربك ، ما أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله .
الأسود بن شيبان ، عن يزيد بن الشخير ، عن أخيه مطرف ، عن أبي ذر ، فذكر بعضه . [ ص: 66 ]
موسى بن عبيدة : حدثنا عمران بن أبي أنس ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : قدم أبو ذر من الشام ، فدخل المسجد ، وأنا جالس ، فسلم علينا ، وأتى سارية ، فصلى ركعتين ، تجوز فيهما ثم قرأ : ألهاكم التكاثر واجتمع الناس عليه ، فقالوا : حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال : سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : في الإبل صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البر صدقته . من جمع دينارا ، أو تبرا ، أو فضة ، لا يعده لغريم ، ولا ينفقه في سبيل الله ، كوي به .
قلت : يا أبا ذر ، انظر ما تخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن هذه الأموال قد فشت . قال : من أنت ، ابن أخي ؟ فانتسبت له .
فقال : قد عرفت نسبك الأكبر ، ما تقرأ : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله .
موسى - ضعف - رواه عنه الثقات .
ابن لهيعة : حدثنا أبو قبيل : سمعت مالك بن عبد الله الزيادي يحدث عن أبي ذر ، أنه جاء يستأذن على عثمان ، فأذن له ، وبيده عصا ، فقال عثمان : يا كعب ، إن عبد الرحمن توفي ، وترك مالا ، فما ترى ؟ قال : إن [ ص: 67 ] كان فضل فيه حق الله ، فلا بأس عليه ، فرفع أبو ذر عصاه ، وضرب كعبا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أحب أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني ، أذر خلفي منه ستة أواق أنشدك الله يا عثمان : أسمعته قال مرارا ؟ قال : نعم .
قلت : هذا دال على فضل إنفاقه وكراهية جمعه ؛ لا يدل على تحريم .
حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قال : دخلت مع أبي ذر على عثمان ، فلما دخل ، حسر عن رأسه وقال : والله ، ما أنا منهم يا أمير المؤمنين - يريد الخوارج - قال ابن شوذب : سيماهم الحلق - قال له عثمان : صدقت يا أبا ذر ؛ إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة . قال : لا حاجة لي في ذلك ، ائذن لي إلى الربذة . قال : نعم ، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة ، تغدو عليك وتروح . قال : لا حاجة لي في ذلك ، يكفي أبا ذر صريمته ، فلما خرج قال : دونكم معاشر قريش ، دنياكم فاعذموها ودعونا وربنا .
قال : ودخل عليه وهو يقسم ، وعبد الرحمن بن عوف بين يديه ، وعنده كعب ، فأقبل عثمان على كعب ، فقال : يا أبا إسحاق ، ما تقول فيمن جمع [ ص: 68 ] هذا المال ، فكان يتصدق منه ويصل الرحم ؟ قال كعب : إني لأرجو له ، فغضب ورفع عليه العصا ، وقال : وما تدري يا ابن اليهودية ، ليودن صاحب هذا المال لو كان عقارب في الدنيا تلسع السويداء من قلبه .
السري بن يحيى : حدثنا غزوان أبو حاتم ، قال : بينا أبو ذر عند باب عثمان ليؤذن له ، إذ مر به رجل من قريش ، فقال : يا أبا ذر ، ما يجلسك هاهنا ؟ قال : يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا ، فدخل الرجل فقال : يا أمير المؤمنين ، ما بال أبي ذر على الباب ؟ .
فأذن له ، فجاء حتى جلس ناحية ، وميراث عبد الرحمن يقسم ، فقال عثمان لكعب : أرأيت المال إذا أدي زكاته ، هل يخشى على صاحبه فيه تبعة ؟ قال : لا ، فقام أبو ذر فضربه بعصا بين أذنيه ، ثم قال : يا ابن اليهودية ، تزعم أن ليس عليه حق في ماله ، إذا آتى زكاته ، والله يقول : ويؤثرون على أنفسهم الآية . ويقول : ويطعمون الطعام على حبه .
فجعل يذكر نحو هذا من القرآن ، فقال عثمان للقرشي : إنما نكره أن نأذن لأبي ذر من أجل ما ترى .
وروي عن ابن عباس قال : كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية فكان يحب الوحدة فدخل على عثمان وعنده كعب . . . الحديث . [ ص: 69 ]
وفيه : فشج كعبا ؛ فاستوهبه عثمان ، فوهبه له ، وقال : يا أبا ذر ، اتق الله واكفف يدك ولسانك .
موسى بن عبيدة : أخبرنا ابن نفيع عن ابن عباس ، قال : استأذن أبو ذر على عثمان ، فتغافلوا عنه ساعة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا أبو ذر بالباب . قال : ائذن له ، إن شئت أن تؤذينا وتبرح بنا ، فأذنت له ، فجلس على سرير مرمول فرجف به السرير ، وكان عظيما طويلا ، فقال عثمان : أما إنك الزاعم أنك خير من أبي بكر وعمر ؟ ! قال : ما قلت . قال : إني أنزع عليك بالبينة ، قال : والله ما أدري ما بينتك وما تأتي به ؟ ! وقد علمت ما قلت . قال : فكيف إذا قلت ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي يلحق بي على العهد الذي عاهدته عليه وكلكم قد أصاب من الدنيا ، وأنا على ما عاهدته عليه ، وعلى الله تمام النعمة .
وسأله عن أشياء ، فأخبره بالذي يعلمه ، فأمره أن يرتحل إلى الشام فيلحق بمعاوية ، فكان يحدث بالشام ، فاستهوى قلوب الرجال ، فكان معاوية ينكر بعض شأن رعيته ، وكان يقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم ، ولا تبر ولا فضة ، إلا شيء ينفقه في سبيل الله ، أو يعده لغريم .
وإن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها . [ ص: 70 ] فلما صلى معاوية الصبح ، دعا رسوله ، فقال : اذهب إلى أبي ذر ، فقل : أنقذ جسدي من عذاب معاوية ، فإني أخطأت . قال : يا بني ، قل له : يقول لك أبو ذر : والله ما أصبح عندنا منه دينار . ولكن أنظرنا ثلاثا حتى نجمع لك دنانيرك .
فلما رأى معاوية أن قوله صدق فعله كتب إلى عثمان : أما بعد ، فإن كان لك بالشام حاجة ، أو بأهله ، فابعث إلى أبي ذر ، فإنه قد وغل صدور الناس .
فكتب إليه عثمان : اقدم علي ، فقدم .
ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن يعلى بن شداد : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله فيه الشدة ، ثم يخرج إلى قومه ، فيسلم عليهم . ثم إن رسول الله يرخص فيه بعد ، فلم يسمعه أبو ذر ، فتعلق أبو ذر بالأمر الشديد=====عاصم بن كليب ، عن أبي الجويرية ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : كنت عند عثمان ، إذ جاء أبو ذر ، فلما رآه عثمان قال : مرحبا وأهلا بأخي ، فقال أبو ذر : مرحبا وأهلا بأخي ، لقد أغلظت علينا في العزيمة ، والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت . إني خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو حائط بني فلان ، فقال لي : ويحك بعدي ! فبكيت ، فقلت : يا رسول الله ، وإني لباق بعدك ؟ قال : نعم ، فإذا رأيت البناء على سلع ، فالحق بالمغرب ، أرض قضاعة [ ص: 71 ] .
قال عثمان : أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس .
وعن أبي ذر : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمع وأطع لمن كان عليك .
جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج ، عن عبد الله بن سيدان السلمي ، قال : تناجى أبو ذر ، وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما ، ثم انصرف أبو ذر متبسما ، فقالوا : ما لك ولأمير المؤمنين ؟ قال : سامع مطيع ، ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل ، لفعلت وأمره أن يخرج إلى الربذة .
ميمون بن مهران ، عن عبد الله بن سيدان ، عن أبي ذر ، قال : لو أمرني عثمان أن أمشي على رأسي لمشيت .
وقال أبو عمران الجوني ، عن عبد الله بن الصامت ، قال : قال أبو ذر لعثمان : يا أمير المؤمنين ، افتح الباب ، لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
يزيد ، أخبرنا العوام بن حوشب : حدثني رجل عن شيخين من بني ثعلبة ، قالا : نزلنا الربذة ، فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية ، فقالوا : هذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذناه بأن نغسل رأسه ، فأذن لنا ، واستأنس بنا ، فبينما نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق - حسبته [ ص: 72 ] قال : من أهل الكوفة - فقالوا : يا أبا ذر ، فعل بك هذا الرجل وفعل ، فهل أنت ناصب لك راية فنكملك برجال ما شئت ؟ فقال : يا أهل الإسلام ، لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان ، فإنه من أذل السلطان ، فلا توبة له ، والله لو صلبني على أطول خشبة أو حبل ، لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي .
حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قالت أم ذر : والله ما سير عثمان أبا ذر - تعني إلى الربذة - ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغ البناء سلعا ، فاخرج منها .
قال غالب القطان للحسن : يا أبا سعيد ، أكان عثمان أخرج أبا ذر ؟ قال : معاذ الله .
محمد بن عمرو ، عن عراك بن مالك ، قال أبو ذر : إني لأقربكم مجلسا من رسول الله يوم القيامة ، إني سمعته يقول : إن أقربكم مني مجلسا من خرج من الدنيا كهيئته بما تركته عليه وإنه والله ما منكم إلا من تشبث منها بشيء .
قال المعرور بن سويد : نزلنا الربذة ، فإذا برجل عليه برد ، وعلى غلامه مثله ، فقلنا : لو عملتهما حلة لك ، واشتريت لغلامك غيره ، فقال : سأحدثكم : كان بيني وبين صاحب لي كلام ، وكانت أمه أعجمية ، فنلت [ ص: 73 ] منها ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ساببت فلانا ؟ قلت : نعم . قال : ذكرت أمه ؟ قلت : من ساب الرجال ذكر أبوه وأمه ، فقال : إنك امرؤ فيه جاهلية وذكر الحديث . . . إلى أن قال : إخوانكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه ، وليلبسه من لباسه ، ولا يكلفه ما يغلبه .
قتادة ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، أنه دخل على أبي ذر بالربذة ، وعند امرأة له سوداء مشعثة ، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق ، فقال : ألا تنظرون ما تأمرني به ؟ تأمرني أن آتي العراق ، فإذا أتيتها مالوا علي بدنياهم ، وإن خليلي عهد إلي : إن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة ، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير .
أبو هلال ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف ، فكان إذا أخذ عطاءه ، دعا خادمه ، فسأله عما يكفيه للسنة ، فاشتراه ، ثم اشترى فلوسا بما بقي . وقال : إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكى عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه . [ ص: 74 ]
قال يحيى بن أبي كثير : كان لأبي ذر ثلاثون فرسا يحمل عليها ، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها ، ويصلح آلة بقيتها ، فإذا رجعت أخذها ، فأصلح آلتها ، وحمل على الأخرى .
قال ثابت البناني : بنى أبو الدرداء مسكنا ، فمر عليه أبو ذر ، فقال : ما هذا ؟ تعمر دارا أذن الله بخرابها ، لأن تكون رأيتك تتمرغ في عذرة أحب إلي من أن أكون رأيتك فيما رأيتك فيه .
حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، قال : لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر ، فجعل أبو موسى يكرمه - وكان أبو موسى قصيرا خفيف اللحم . وكان أبو ذر رجلا أسود كث الشعر - فيقول أبو ذر : إليك عني ! ويقول أبو موسى : مرحبا بأخي ، فيقول : لست بأخيك ! إنما كنت أخاك قبل أن تلي .
وعن أم طلق قالت : دخلت على أبي ذر فرأيته شعثا شاحبا ، بيده صوف ، قد جعل عودين ، وهو يغزل بهما ، فلم أر في بيته شيئا ، فناولته شيئا من دقيق وسويق ، فقال لي : أما ثوابك ، فعلى الله .
وقيل : إن أبا ذر خلف بنتا له ، فضمها عثمان إلى عياله .
قال الفلاس ، والهيثم بن عدي ، وغيرهما : مات سنة اثنتين وثلاثين ويقال : مات في ذي الحجة .
ويقال : إن ابن مسعود الذي دفنه ، عاش بعده نحوا من عشرة أيام رضي الله عنهما . [ ص: 75 ]
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر - مع قوة أبي ذر في بدنه وشجاعته - : يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم .
فهذا محمول على ضعف الرأي ؛ فإنه لو ولي مال يتيم ، لأنفقه كله في سبيل الخير ، ولترك اليتيم فقيرا ! فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين . والذي يتأمر على الناس ، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة ، وأبو ذر رضي الله عنه كانت فيه حدة - كما ذكرناه - فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم .
وله مئتا حديث وأحد وثمانون حديثا ، اتفقا منها على اثني عشر حديثا ، وانفرد البخاري بحديثين . ومسلم بتسعة عشر .
ابن سعد : أخبرنا عفان : أخبرنا وهيب : أخبرنا عبد الله بن عثمان بن [ ص: 76 ] خثيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، أن أبا ذر حضره الموت بالربذة ، فبكت امرأته ، فقال : وما يبكيك ؟ قالت : أبكي أنه لا بد من تغييبك . وليس عندي ثوب يسعك كفنا .
قال : لا تبكي ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، وأنا عنده في نفر ، يقول : ليموتن رجل منكم بفلاة تشهده عصابة من المؤمنين فكلهم مات في جماعة وقرية ، فلم يبق غيري ، وقد أصبحت بالفلاة أموت ، فراقبي الطريق ، فإنك سوف ترين ما أقول ، ما كذبت ، ولا كذبت . قالت : وأنى ذلك وقد انقطع الحاج ؟ ! .
قال : راقبي الطريق . فبينا هي كذلك ، إذ هي بالقوم تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم فأقبلوا حتى وقفوا عليها . قالوا : ما لك ؟ قالت : رجل من المسلمين تكفنونه ، وتؤجرون فيه . قالوا : ومن هو ؟ قالت : أبو ذر ، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه .
فقال : أبشروا ، أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال . سمعته يقول : ما من امرأين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرا ، فيريان النار أبدا .
ثم قال : وقد أصبحت اليوم حيث ترون ، ولو أن ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه . أنشدكم الله : أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا . [ ص: 77 ]
فكل القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار قال : أنا صاحبك ، ثوبان في عيبتي من غزل أمي ، وأحد ثوبي هذين اللذين علي .
قال : أنت صاحبي ، فكفني .
ثم قال ابن سعد : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا يحيى بن سليم ، عن ابن خثيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، أنه لما حضر أبا ذر الموت ، بكت امرأته - فذكره وزاد - : فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه ، منهم : حجر بن الأدبر ، ومالك بن الأشتر .
ابن إسحاق : حدثنا بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن مسعود ، قال : لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة ، وأصابه بها قدره ، لم يكن معه إلا امرأته وغلامه ، فأوصاهما : أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمر بكم قولوا : هذا أبو ذر ، فأعينونا عليه .
فوضعاه ، وأقبل ابن مسعود في رهط من العراق عمارا ، فلم يرعهم إلا به ، قد كادت الإبل أن تطأه ، فقام الغلام ، فقال : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فاستهل عبد الله يبكي ، ويقول : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : تمشي [ ص: 78 ] وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك .
ثم نزلوا فواروه ، ثم حدثهم عبد الله حديثه ، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وحده إلى تبوك .
وعن عيسى بن عميلة أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له ، فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه .
عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : رأيت أبا ذر يميد على راحلته ، وهو مستقبل مطلع الشمس ، فظننته نائما ، فدنوت وقلت : أنائم أنت يا أبا ذر ؟ قال : لا ، بل كنت أصلي ================عمير بن سعد الأنصاري الأوسي الزاهد
[ ص: 103 ]
نسيج وحده له حديث واحد . [ ص: 104 ]
روى عنه : أبو طلحة الخولاني ، وراشد بن سعد ، وحبيب بن عبيد .
شهد فتح الشام ، وولي دمشق وحمص لعمر .
جماعة ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن أبي طلحة ، قال : أتينا عمير بن سعد - وكان يقال له : نسيج وحده - فقعدنا في داره ، فقال : يا غلام ، أورد الخيل ، فأوردها فقال : أين الفلانة ؟ قال : جربة تقطر دما . قال : أوردها ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا عدوى ، ولا طيرة ، ولا هامة .
قال عبد الله بن محمد القداح : صحب عمير بن سعد بن شهيد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يشهد شيئا من المشاهد .
وهو الذي رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلام الجلاس بن سويد ، وكان يتيما في حجره . [ ص: 105 ]
واستعمله عمر على حمص ، وكان من الزهاد .
وقال عبد الصمد بن سعيد : كانت ولايته حمص بعد ابن حذيم .
ابن لهيعة ، عن يونس ، عن الزهري ، قال : توفي سعيد بن عامر ، وقام مكانه عمير بن سعد ، فكان على الشام هو ومعاوية حتى قتل عمر .
وعن ابن شهاب قال : ثم جمع عثمان الشام لمعاوية ، ونزع عميرا .
وروى عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن عمير بن سعد :
قال لي ابن عمر : ما كان من المسلمين رجل من الصحابة أفضل من أبيك .
وروى هشام بن حسان ، عن ابن سيرين ، قال : كان عمر من عجبه بعمير بن سعد يسميه نسيج وحده . وبعثه مرة على جيش .
قال المفضل الغلابي : زهاد الأنصار ثلاثة : أبو الدرداء ، وشداد بن أوس ، وعمير بن سعد . استوفى ابن عساكر أخباره رضي الله عنه==================الحكم بن أبي العاص
بن أمية الأموي ، ابن عم أبي سفيان . يكنى أبا مروان . من مسلمة الفتح وله أدنى نصيب من الصحبة . [ ص: 108 ]
قيل : نفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، لكونه حكاه في مشيته وفي بعض حركاته ، فسبه وطرده ، فنزل بوادي وج . ونقم جماعة على أمير المؤمنين عثمان كونه عطف على عمه الحكم ، وآواه وأقدمه المدينة ، ووصله بمائة ألف .
ويروى في سبه أحاديث لم تصح .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما لي أريت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة ! .
رواه العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وفي الباب أحاديث .
قال الشعبي : سمعت ابن الزبير يقول : ورب هذه الكعبة ، إن الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .
وقد كان للحكم عشرون ابنا وثمانية بنات .
وقيل : كان يفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبعده لذلك .
مات سنة إحدى وثلاثين