سعد بن معاذ
ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل .
السيد الكبير الشهيد أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي ، البدري الذي اهتز العرش لموته . ومناقبه مشهورة في الصحاح ، وفي السيرة ، وغير ذلك .
نقل ابن الكلبي ، عن عبد الحميد بن أبي عيسى بن جبر ، عن أبيه أن قريشا سمعت هاتفا على أبي قبيس يقول :
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فقال أبو سفيان : من السعدان ؟ سعد بكر ، سعد تميم ؟ فسمعوا في الليل ، الهاتف يقول :
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
[ ص: 280 ] أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان : هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة .
أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير . فقال ابن إسحاق : لما أسلم وقف على قومه ، فقال : يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا فضلا ، وأيمننا نقيبة . قال : فإن كلامكم علي حرام ، رجالكم ونساؤكم ، حتى تؤمنوا بالله ورسوله . قال : فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهلرجل ولا امرأة إلا وأسلموا .
أبو إسحاق : عن عمرو بن ميمون ، عن ابن مسعود ، قال : انطلق سعد بن معاذ معتمرا ، فنزل على أمية بن خلف - وكان أمية إذا انطلق إلى الشاميمر بالمدينة فينزل عليه - فقال أمية له : انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت . فبينا سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل ، فقال : من الذي يطوف آمنا ؟ قال : أنا سعد . فقال : أتطوف آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه ؟ قال : نعم . فتلاحيا . فقال أمية : لا ترفع صوتك على أبي الحكم ; فإنه سيد أهل الوادي . فقال سعد : والله لو منعتني ، لقطعت عليك متجرك بالشام . قال : فجعل أمية يقول : لا ترفع صوتك . فغضب وقال : دعنا منك ، فإني سمعتمحمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول : يزعم أنه قاتلك . قال : إياي ؟ قال : نعم . قال : والله ما يكذب محمد . [ ص: 281 ] فكاد يحدث فرجع إلى امرأته ، فقال : أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي ؟ زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي . قالت : والله ما يكذب محمد . فلما خرجوا لبدر قالت امرأته : ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ فأراد أن لا يخرج . فقال له أبو جهل : إنك من أشراف أهل الوادي ، فسر معنا يوما أو يومين . فسار معهم ، فقتله الله.
قال ابن شهاب : وشهد بدرا سعد بن معاذ . ورمي يوم الخندق . فعاش شهرا ، ثم انتقض جرحه فمات .
ابن إسحاق : حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وأم سعد معها ، فعبر سعد عليه درع مقلصة قد خرجت منه ذراعه كلها وفي يده حربة يرفل بها ويقول :
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
يعني : حمل بن بدر . فقالت له أمه : أي بني ، قد أخرت . فقلت لها : يا أم سعد ، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي . فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل ، رماه ابن العرقة ، فلما أصابه قال : خذها مني وأنا ابن العرقة . فقال : عرق الله وجهك في النار . اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني [ ص: 282 ] لها ، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة .
هشام : عن أبيه ، عن عائشة قالت : رمى سعدا رجل من قريش يقال له : حبان بن العرقة ، فرماه في الأكحل ، فضرب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ليعوده من قريب . قالت : ثم إن كلمه تحجر للبرء . قالت : فدعا سعد ، فقال في ذلك : وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتتي فيها . فانفجر من لبته ، فلم يرعهم إلا والدم يسيل ، فقالوا : يا أهل الخيمة ، ما هذا ؟ فإذا جرحه يغذو ، فمات منها .
متفق عليه بأطول من هذا .
الليث : عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : رمي سعد يوم الأحزاب ، فقطعوا أكحله ، فحسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنار ، فانتفخت يده فتركه ، فنزفه الدم ، فحسمه [ ص: 283 ] أخرى ، فانتفخت يده ، فلما رأى ذلك قال : اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة . فاستمسك عرقه ، فما قطرت منه قطرة حتى نزلوا على حكم سعد ، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحكم أن يقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم ، قال : وكانوا أربع مائة ، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه .
يزيد بن عبد الله بن الهاد : عن معاذ بن رفاعة ، عن جابر ، قال : جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبر سعد وهو يدفن ، فقال : سبحان الله ، مرتين . فسبح القوم . ثم قال : الله أكبر ، الله أكبر . فكبروا ، فقال : عجبت لهذا العبد الصالح ، شدد عليه في قبره ، حتى كان هذا حين فرج له .
ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن الحسن البصري ، قال : كان سعد بادنا ، فلما حملوه ، وجدوا له خفة . فقال رجال من المنافقين : والله إن كان [ص: 284 ] لبادنا ، وما حملنا أخف منه . فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : " إن له حملة غيركم . والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد ، واهتز له العرش " .
يزيد بن هارون : أنبأنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة قالت : خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، فسمعت وئيد الأرض ورائي ، فإذا سعد ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه . فجلست ، فمر سعد وعليه درع قد خرجت منه أطرافه . وكان من أطول الناس وأعظمهم ، فاقتحمت حديقة ، فإذا فيها نفر فيهم عمر ، فقال : ما جاء بك ؟ والله إنك لجريئة ! ما يؤمنك أن يكون بلاء ؟ فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض اشتقت ساعتئذ ، فدخلت فيها ، وإذا رجل عليه مغفر ، فيرفعه عن وجهه ، فإذا هو طلحة . فقال : ويحك ! قد أكثرت ، وأين التحوز والفرار إلا إلى الله .
محمد بن عمرو : عن محمد بن إبراهيم ، حدثني علقمة بن وقاص ، عن عائشة قالت : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلين من مكةحتى إذا كنا بذي الحليفة وأسيد بن حضير بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فيلقى غلمان بني عبد الأشهل من الأنصار . فسألهم أسيد ، فنعوا له امرأته . فتقنع يبكي ، قلت له : غفر الله لك ، أتبكي على امرأة وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قدم الله [ ص: 285 ] لك من السابقة ما قدم ؟ فقال : ليحق لي أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ . وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ما يقول ، قال : قلت : وما سمعت ؟ قال : قال : " لقد اهتز العرش لوفاة سعد بن معاذ " .
إسماعيل بن مسلم العبدي : حدثنا أبو المتوكل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الحمى ، فقال : من كانت به ، فهو حظه من النار . فسألها سعد بن معاذ ربه ، فلزمته ، فلم تفارقه حتى مات .
أبو الزبير : عن جابر ، قال : رمي سعد بن معاذ يوم الأحزاب ، فقطعوا أكحله ، فحسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار . فانتفخت يده فنزفه ، فحسمه أخرى .
أبو إسحاق : عن عمرو بن شرحبيل ، قال : لما انفجر جرح سعد ، عجل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأسنده إلى صدره والدماء تسيل عليه . فجاء أبو بكر ، فقال : وانكسار ظهراه على سعد ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مهلا أبا بكر " . فجاء عمر فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون رواه شعبة عنه .
محمد بن عمرو : عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة قالت : حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر ، سعد بن معاذ ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه [ ص: 286 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد . قالت : والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر ، وإني لفي حجرتي ، فكانا كما قال الله رحماء بينهم قال علقمة فقلت : أي أمه ، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ؟ قالت : كان لا تدمع عينه على أحد ، ولكنه كان إذا وجد ، فإنما هو آخذ بلحيته .
يزيد بن هارون : أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن رجل من الأنصار ، قال : لما قضى سعد في بني قريظة ، ثم رجع ، انفجر جرحه ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتاه فوضع رأسه في حجره ، وسجي بثوب أبيض ، وكان رجلا أبيض جسيما . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك ، وصدق رسولك ، وقضى الذي عليه ، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا " . فلما سمع سعد كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح عينيه ، ثم قال : السلام عليك يا رسول الله ، إني أشهد أنك رسول الله . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل البيت : " استأذن الله من ملائكته عددكم في البيت ليشهدوا وفاة سعد " . قال : وأمه تبكي وتقول :
ويل أمك سعدا حزامة وجدا
فقيل لها : أتقولين الشعر على سعد ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعوها فغيرها من الشعراء أكذب " هذا مرسل .
الواقدي : أنبأنا معاذ بن محمد ، عن عطاء بن أبي مسلم ، عن عكرمة ، عن [ ص: 287 ] ابن عباس ، قال : لما انفجرت يد سعد بالدم ، قام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقه ، والدم ينفح من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحيته ، حتى قضى .
عاصم بن عمر : عن محمود بن لبيد ، قال : لما أصيب أكحل سعد ، فثقل ، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى . فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مر به يقول : " كيف أمسيت ، وكيف أصبحت ؟ " فيخبره ، حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل ، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم ، وجاء رسول الله ، فقيل : انطلقوا به . فخرح وخرجنا معه ، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا ، وسقطت أرديتنا ، فشكا ذلك إليه أصحابه ، فقال : " إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة " . فانتهى إلى البيت ، وهو يغسل ، وأمه تبكيه وتقول :
ويل أم سعد سعدا حزامة وجدا
فقال : " كل باكية تكذب إلا أم سعد " . ثم خرج به ، قال : يقول له القوم : ما حملنا يا رسول الله ميتا أخف علينا منه . قال : " ما يمنعه أن يخف وقدهبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم ، قد حملوه معكم " .
شعبة : عن سماك ، سمع عبد الله بن شداد يقول : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سعد وهو يكيد نفسه ، فقال : " جزاك الله خيرا من سيد قوم ، فقد أنجزت ما وعدته ، ولينجزنك الله ما وعدك " .
[ ص: 288 ] حماد بن سلمة : عن محمد بن زياد ، عن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ أن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأرسل إلى سعد ، فجيء به محمولا على حمار ، وهو مضنى من جرحه ، فقال له : " أشر علي في هؤلاء " . قال : إني أعلم أن الله قد أمرك فيهم بأمر أنت فاعله . قال : " أجل ، ولكن أشر " . قال : لو وليت أمرهم ، لقتلت مقاتلتهم ، وسبيت ذراريهم . فقال : " والذي نفسي بيده لقد أشرت علي فيهم بالذي أمرني الله به " .
محمد بن صالح التمار : عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : لما حكم سعد في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات " .
[ ص: 289 ] إسرائيل : عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : لم يرق دم سعد حتى أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بساعده ، فارتفع الدم إلى عضده . فكان سعد يقول : اللهم لا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة .
الواقدي : حدثني سعيد بن محمد ، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كنت ممن حفر لسعد قبره بالبقيع ، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا ، حتى انتهينا إلى اللحد .
ثم قال ربيح : وأخبرني محمد بن المنكدر ، عن محمد بن شرحبيل بن حسنة ، قال : أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد ، فذهب بها ، ثم نظر فإذا هي مسك . ورواها محمد بن عمرو بن علقمة ، عن ابن المنكدر .
الواقدي : أنبأنا عبيد بن جبيرة ، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، قال : كان سعد بن معاذ رجلا أبيض ، طوالا ، جميلا ، حسن الوجه ، أعين حسن اللحية ، فرمي يوم الخندق ، سنة خمس من [ ص: 290 ] الهجرة ، فمات من رميته تلك وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة . فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودفن بالبقيع .
ابن سعد : أنبأنا محمد بن عمر ، حدثني إبراهيم بن الحصين ، عن داود بن الحصين ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، قال : لما انتهوا إلى قبرسعد ، نزل فيه أربعة : الحارث بن أوس ، وأسيد بن الحضير ، وأبو نائلة سلكان ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف . فلما وضع في قبره ، تغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسبح ثلاثا ، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ، ثم كبر ثلاثا ، وكبر المسلمون ، فسئل عن ذلك ، فقال : " تضايق على صاحبكم القبر ، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو ، ثم فرج الله عنه " .
قلت : هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء ; بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا ، وكما يجد من ألم مرضه ، وألم خروج نفسه ، وألم سؤاله في قبره وامتحانه ، وألم تأثره ببكاء أهله عليه ، وألم قيامه من قبره ، وألم الموقف وهوله ، وألم الورود على النار ، ونحو ذلك .
فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر ، ولا من عذاب جهنم قط ، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله ، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه .
قال الله تعالى : وأنذرهم يوم الحسرة وقال : وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر فنسأل الله - تعالى - العفو واللطف الخفي . ومع هذه الهزات ،فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة ، وأنه [ ص: 291 ] من أرفع الشهداء - رضي الله عنه - . كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين ، ولا روع ولا ألم ولا خوف ، سل ربك العافية ، وأن يحشرنا في زمرة سعد .
شعبة : حدثنا سعد بن إبراهيم ، عن نافع ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن للقبر ضغطة ، ولو كان أحد ناجيا منها ، نجا منهاسعد بن معاذ إسناده قوي .
عقبة بن مكرم : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع ، عن صفية بنت أبي عبيد ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو نجا أحد من ضمة القبر ، لنجا منها سعد .
يزيد بن هارون : أنبأنا محمد بن عمرو ، عن واقد بن عمرو بن سعد ، قال : دخلت على أنس بن مالك - وكان واقد من أعظم الناس وأطولهم - فقال لي : من أنت ؟ قلت : أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ . قال : إنك بسعد لشبيه ، ثم بكى ، فأكثر البكاء ، ثم قال : يرحم الله سعدا ، كان من أعظم الناس وأطولهم . بعث رسول الله جيشا إلى أكيدر دومة ، فبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب . فلبسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعلوا يمسحونها وينظرون إليها . فقال : " أتعجبون من هذه الجبة ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما رأينا ثوبا قط أحسن منه . قال : فوالله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون " .
[ ص: 292 ] قيل : كان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة . ==========أسعد بن زرارة
ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار .
السيد نقيب بني النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي ، من كبراء الصحابة . [ ص: 300 ]
توفي شهيدا بالذبحة فلم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده نقيبا على بني النجار وقال : " أنا نقيبكم " فكانوا يفخرون بذلك .
قال ابن إسحاق : توفي والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبني مسجده قبل بدر .
قال أبو العباس الدغولي : قيل : إنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل العقبة الأولى بسنة مع خمسة نفر من الخزرج ، فآمنوا به ، فلما قدموا المدينة تكلموا بالإسلام في قومهم ، فلما كان العام المقبل ، خرج منهم اثنا عشر رجلا ، فهي العقبة الأولى ، فانصرفوا معهم ، وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مصعب بن عمير يقرأهم ويفقههم .
قال ابن إسحاق : حدثنا محمد بن أبي أمامة بن سهل ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كنت قائد أبي حين عمي ، فإذا خرجت به إلى الجمعة ، فسمع الأذان ، صلى على أبي أمامة ، واستغفر له . فقلت : يا أبة ، أرأيت استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو ؟ قال : أي بني ، كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له : نقيع الخضمات قلت : فكم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلا . فكان أسعد مقدم النقباء الاثني عشر ، فهو نقيب بني النجار ، وأسيد بن الحضير نقيب بني عبد الأشهل ، [ ص: 301 ] عبد الأشهل وأبو الهيثم بن التيهان البلوي من حلفاء بني عبد الأشهل ، وسعد بن خيثمة الأوسي أحد بني غنم بن سلم ، وسعد بن الربيع الخزرجي الحارثي قتل يوم أحد ، وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الحارثي قتل يوم مؤتة وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر السلمي نقيب بني سلمة ، وسعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الساعديرئيس ، نقيب ; والمنذر بن عمرو الساعدي النقيب قتل يوم بئر معونة ، والبراء بن معرور الخزرجي السلمي ، وعبادة بن الصامت الخزرجي من القواقلة ورافع بن مالك الخزرجي الزرقي - رضي الله عنهم .
وروى شعبة : عن محمد بن عبد الرحمن ، أن جده أسعد بن زرارة أصابه وجع الذبح في حلقه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرا . فكواه بيده فمات ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ميتة سوء لليهود ; يقولون : هلا دفع عن صاحبه . ولا أملك له ولا لنفسي من الله شيئا
. [ ص: 302 ] وقيل : إنه مات في السنة الأولى من الهجرة - رضي الله عنه - وقد مات فيها ثلاثة أنفس من كبراء الجاهلية ، ومشيخة قريش :العاص بن وائل السهمي والد عمرو ، والوليد بن المغيرة المخزومي ، والد خالد ، وأبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي .
الواقدي : حدثني معمر ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : هم اثنا عشر نقيبا رأسهم أسعد بن زرارة .
وعن عمر : عن عائشة ، قالت : نقب النبي - صلى الله عليه وسلم - أسعد على النقباء وعن خبيب بن عبد الرحمن ، قال : خرج أسعد بن زرارةوذكوان بن عبد قيس إلى مكة إلى عتبة بن ربيعة ، فسمعا برسول الله ، فأتياه ، فعرض عليهما الإسلام ، وقرأ عليهما القرآن ، فأسلما ، فكانا أول من قدم المدينة بالإسلام .
وعن أم خارجة : أخبرتني النوار أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس الصلوات الخمس ، يجمع بهم في مسجد بناه . قالت : فأنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم صلى في ذلك المسجد وبناه ، فهو مسجده اليوم .
إسرائيل : عن منصور ، عن محمد بن عبد الرحمن ، قال : أخذت أسعد بن زرارة الذبحة ، [ ص: 303 ] فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اكتو ; فإني لا ألوم نفسي عليك .
زهير بن معاوية : عن أبي الزبير ، عن عمرو بن شعيب ، عن بعض الصحابة ، قال : كوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسعد مرتين في حلقه من الذبحة وقال : لا أدع في نفسي منه حرجا .
الثوري : عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : كواه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكحله مرتين .
وقيل : كواه فحجر به حلقه - يعني بالكي .
وقيل : أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكن ثلاثا . فكن في عيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدرن معه في بيوت نسائه ، وهن : فريعة ، وكبشة ، وحبيبة . فقدم عليه حلي فيه ذهب ولؤلؤ ، فحلاهن منه .
وعن ابن أبي الرجال ، قال : جاءت بنو النجار ، فقالوا : مات نقيبنا أسعد ، فنقب علينا يا رسول الله . قال : أنا نقيبكم .
قال الواقدي : الأنصار يقولون : أول مدفون بالبقيع أسعد ، والمهاجرون يقولون : أول من دفن به عثمان بن مظعون
. [ ص: 304 ] وعن أبي أمامة بن سهل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد أسعد ، وأخذته الشوكة فأمر به فطوق عنقه بالكي طوقا ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفي - رضي الله عنه .
============السعيد الشهيد أبو محصن الأسدي حليف قريش ، من السابقين الأولين البدريين أهل الجنة .
استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية الغمر فلم يلقوا كيدا .
وروي عن أم قيس بنت محصن قالت : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعكاشة ابن أربع وأربعين سنة .
قال : وقتل بعد ذلك بسنة ببزاخة في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة ، وكان من أجمل الرجال ، - رضي الله عنه . [ ص: 308 ]
كذا هذا القول ، والصحيح أن مقتله كان في سنة إحدى عشرة ، قتله طليحة الأسدي الذي ارتد ، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه .
وقد أبلى عكاشة يوم بدر بلاء حسنا ، وانكسر سيفه في يده ، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عرجونا من نخل أو عودا ، فعاد - بإذن الله - في يده سيفا ، فقاتل به وشهد به المشاهد .
حدث عنه أبو هريرة ، وابن عباس ، وغيرهما .
وكان خالد بن الوليد قد جهزه مع ثابت بن أقرم الأنصاري العجلاني طليعة له على فرسين ، فظفر بهما طليحة فقتلهما ، وكان ثابت بدريا كبير القدر ، ولم يرو شيئا .
وقيل : إن ابن رواحة الأمير يوم مؤتة لما أصيب ، دفع الراية إلى ثابت بن أقرم ، فلم يطق ، فدفعها إلى خالد ، وقال : أنت أعلم بالحرب مني===========شهداء أجنادين واليرموك
وقعة أجنادين كانت بين الرملة وبيت جبرين في جمادى سنة ثلاث عشرة . فاستشهد :
نعيم بن النحام القرشي العدوي من المهاجرين .
وأبان بن سعيد بن العاص الأموي ، وقيل : قتل يوم اليرموك ، وهو الذي أجار عثمان لما نفذه النبي - صلى الله عليه وسلم - رسولا إلى قريش يومالحديبية .
وهشام بن العاص بن وائل السهمي ، أخو عمرو ، يكنى أبا مطيع ، اللذان قال فيهما النبي - صلى الله عليه وسلم - : ابنا العاص مؤمنان وقيل : قتل يوم اليرموك . [ ص: 315 ] وكان أسلم وهاجر إلى الحبشة ، ثم هاجر إلى المدينة سنة خمس ، وكان بطلا شجاعا يتمنى الشهادة فرزقها .
وضرار بن الأزور الأسدي ، أحد الأبطال ، له صحبة ، وحديث واحد . وكان على ميسرة خالد يوم بصرى ، وله مواقف مشهودة . وقيل : مات بالجزيرةبعد .
وطليب بن عمير بن وهب بن كثير بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري ، أخو مصعب ، وهو ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أروى . بدري من السابقين ، هاجر أيضا إلى الحبشة الهجرة الثانية .
قال الزبير بن بكار : قيل كان أبو جهل يشتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ طليب لحي جمل ، فشجه به ، قال غير الزبير : فأوثقوه ، فخلصهأبو لهب خاله .
وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برز بطريق ، فضربه عبد الله بعد منازلة طويلة على عاتقه ، فأثبته ، وقطع الدرع ، وأشرع في منكبه ، ولما التحم الحرب ، وجد مقتولا ، - رضي الله عنه - قيل : عاش ثلاثين سنة ، ويقال : ثبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين .
وهبار بن الأسود القرشي الأسدي له صحبة . روى عنه ابناه : عبد الملك وأبو عبد الله ، وعروة ، وسليمان بن يسار ، واستشهد بأجنادين . من الطلقاء .
وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي ، من مهاجرة الحبشة ، قتل يومئذ ، وقيل يوم اليرموك .
وخالد بن سعيد بن العاص الأموي ، من مهاجرة الحبشة ، كبير القدر ، يقال : أصيب يوم أجنادين . [ ص: 316 ]
وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل ، من السابقين ، هاجر إلى الحبشة ، ثم رجع إلى مكة ، فحبسه أخوه ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهولعياش بن أبي ربيعة في القنوت ، ثم هرب مهاجرا بعد الخندق .
وعكرمة بن أبي جهل ، استشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة .
وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عياش المخزومي ، المدعو له في القنوت ، وروى عنه ابنه عبد الله ، وكان أخا أبي جهل لأمه .
وعبد الرحمن بن العوام بن خويلد الأسدي ، أخو الزبير ، حضر بدرا على الشرك ، ثم أسلم ، وجاهد ، وحسن إسلامه .
وعامر بن أبي وقاص مالك بن أهيب ، أخو سعد بن أبي وقاص الزهري ، أحد السابقين ، ومن مهاجرة الحبشة ، قدم دمشق ، وهم محاصروها بولايةأبي عبيدة . استشهد باليرموك ، وقيل بأجنادين .
ونضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة العبدري ، من مسلمة الفتح . كان أحد الحلماء وهو ممن تألفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بمائة بعير ، قتل يومئذ =========
سعد بن الربيع
ابن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج .
الأنصاري الخزرجي الحارثي البدري النقيب الشهيد الذي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبينعبد الرحمن بن عوف ، فعزم على أن يعطي عبد الرحمن شطر ماله ، ويطلق إحدى زوجتيه ، ليتزوج بها ، فامتنع عبد الرحمن من ذلك ، ودعا له . وكان أحد النقباء ليلة العقبة .
ابن إسحاق : عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا . فخرج يطوف في القتلى ، حتى وجد سعدا جريحا مثبتا بآخر رمق ، فقال : يا سعد ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال : فإني في الأموات ، فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلام وقل : إن سعدا يقول : جزاك الله عني خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك مني السلام ، [ ص: 319 ] وقل لهم : إن سعدا يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف .
عبد الله بن محمد بن عقيل : عن جابر بن عبد الله قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد ، فقالت : يا رسول الله ، هاتان بنتا سعد ، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا ، وإن عمهما أخذ مالهما ، فلم يدع لهما مالا ، ولا تنكحان إلا ولهما مال ، قال : يقضي الله في ذلك . فأنزلت آية المواريث ، فبعث إلى عمهما فقال : أعط بنتي سعد الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك .
عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه قال : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أطلب سعد بن الربيع ، فقال لي : إن رأيته ، فأقره مني السلام ، وقل له : يقول لك رسول الله : كيف تجدك ؟ فطفت بين القتلى ، فأصبته وهو في آخر رمق ، وبه سبعون ضربة ، فأخبرته ، فقال : على رسول الله السلام وعليك ، قل له : يا رسول الله ، أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيكم شفر يطرف ، قال : وفاضت نفسه ، - رضي الله عنه - .
[ ص: 320 ] أخرجه البيهقي ، ثم ساقه بنحوه من طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة نحو ما مر .
ونقل ابن عبد البر عن مالك بن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من يأتينا بخبر سعد ؟ فقال رجل : أنا . فذهب يطوف بين القتلى ، فوجده وبه رمق ، فقال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لآتيه بخبرك ، قال : فاذهب فأقره مني السلام ، وأخبره أنني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة ، وقد أنفذت مقاتلي .
======عبد الله بن عبد الله بن أبي
ابن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم - وسالم هو الذي يقال له الحبلى لعظم بطنه - بن غنم بن عوف بن الخزرج ، الأنصاري الخزرجي ، المعروف والده بابن سلول المنافق المشهور ، وسلول الخزاعية هي والدة أبي المذكور . [ ص: 322 ]
وقد كان عبد الله بن عبد الله من سادة الصحابة وأخيارهم ، وكان اسمه الحباب ، وبه كان أبوه يكنى ، فغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماه عبد الله .
شهد بدرا وما بعدها ، وذكر أبو عبد الله بن منده أن أنفه أصيب يوم أحد ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ أنفا من ذهب .
والأشبه في ذلك ما روي عن عائشة ، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه قال : ندرت ثنيتي فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتخذ ثنية من ذهب .
استشهد عبد الله يوم اليمامة وقد مات أبوه سنة تسع ، فألبسه النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه وصلى عليه ، واستغفر له إكراما لولده ، حتى نزلت : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية [ التوبة : 89 ] . [ ص: 323 ] وقد كان رئيسا مطاعا ، عزم أهل المدينة قبل أن يهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يملكوه عليهم ، فانحل أمره ، ولا حصل دنيا ولا آخرة ، نسأل الله العافية ===============أبو العاص بن الربيع
ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي العبشمي . [ ص: 331 ]
صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج بنته زينب ، وهو والد أمامة التي كان يحملها النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته .
واسمه لقيط ، وقيل : اسم أبيه ربيعة ، وهو ابن أخت أم المؤمنين خديجة ، أمه هي هالة بنت خويلد ، وكان أبو العاص يدعى جرو البطحاء .
أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر .
قال المسور بن مخرمة : أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي العاص في مصاهرته خيرا وقال : حدثني فصدقني ، ووعدني ، فوفى لي وكان قد وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى مكة ، بعد وقعة بدر ، فيبعث إليه بزينب ابنته ، فوفى بوعده ، وفارقها مع شدة حبه لها ، وكان من تجار قريش وأمنائهم ، وما علمت له رواية . [ ص: 332 ]
ولما هاجر ، رد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجته زينب بعد ستة أعوام على النكاح الأول وجاء في رواية أنه ردها إليه بعقد جديد ، وقد كانت زوجته لما أسر نوبة بدر ، بعثت قلادتها لتفتكه بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن رأيتم أن تطلقوا لهذه أسيرها فبادر الصحابة إلى ذلك .
ومن السيرة أنها بعثت في فدائه قلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها ، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق لها ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها ؟ قالوا : نعم . وأطلقوه ، فأخذ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخلي سبيل زينب - وكانت من المستضعفين من النساء - واستكتمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وبعث زيد بن حارثة [ ص: 333 ] ورجلا من الأنصار ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكمازينب ، فتصحبانها . وذلك بعد بدر بشهر .
فلما قدم أبو العاص مكة ، أمرها باللحوق بأبيها ، فتجهزت ، فقدم أخو زوجها كنانة - قلت : وهو ابن خالتها - بعيرا ، فركبت ، وأخذ قوسه وكنانته نهارا ، فخرجوا في طلبها ، فبرك كنانة ، ونثر كنانته بذي طوى ، فروعها هبار بن الأسود بالرمح ، فقال كنانة : والله لا يدنو أحد إلا وضعت فيه سهما ، فقال أبو سفيان : كف أيها الرجل عنا نبلك حتى نكلمك . فكف ، فوقف عليه ، فقال : إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا ، ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، ارجع بها ، حتى إذا هدت الأصوات ، وتحدث الناس أنا رددناها ، فسلها سرا ، وألحقها بأبيها . قال : ففعل ، وخرج بها بعد ليال ، فسلمها إلى زيد وصاحبه ، فقدما بها .
فلما كان قبل الفتح ، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بماله ومال كثير لقريش ، فلما رجع لقيته سرية ، فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هربا ، فقدموا بما أصابوا ، وأقبل هو في الليل حتى دخل على زينب ، فاستجار بها فأجارته ، فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس في صلاة الصبح ، صرختزينب من صفة النساء : أيها الناس ، قد أجرت أبا العاص بن الربيع . وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السرية الذين أصابوا ماله ، فقال : إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردوه ، فإنا نحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله ; فأنتم أحق به . قالوا : بل نرده . فردوه كله .
ثم ذهب به إلى مكة ، فأدى إلى كل ذي مال ماله ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل [ ص: 334 ] بقي لأحد منكم عندي شيء ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا خوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم . ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن ابن عباس قال : رد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب على النكاح الأول ، لم يحدث شيئا
==============أمامة بنت أبي العاص
التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحملها في صلاته .
هي بنت بنته ، تزوج بها علي بن أبي طالب في خلافة عمر ، وبقيت عنده مدة ، وجاءته الأولاد منها ، وعاشت بعده حتى تزوج بها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ، فتوفيت عنده بعد أن ولدت له يحيى بن المغيرة .
ماتت في دولة معاوية بن أبي سفيان ولم ترو شيئا=============عباد بن بشر
ابن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل .
الإمام أبو الربيع الأنصاري الأشهلي ، أحد البدريين .
كان من سادة الأوس ، عاش خمسا وأربعين سنة ، وهو الذي أضاءت له عصاته ليلة انقلب إلى منزله من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
أسلم على يد مصعب بن عمير ، وكان أحد من قتل كعب بن الأشرف اليهودي واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدقات مزينة وبني سليم ، وجعله على حرسه في غزوة تبوك ، وكان كبير القدر - رضي الله عنه .
أبلى يوم اليمامة بلاء حسنا ، وكان أحد الشجعان الموصوفين .
ابن إسحاق : عن يحيى بن عباد بن عبد الله عن أبيه ، قال : قالت عائشة : ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا ، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ ، وعباد بن بشر ، وأسيد بن حضير [ ص: 338 ]
آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة .
وروي بإسناد ضعيف عن أبي سعيد الخدري : سمع عباد بن بشر يقول : رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي ، ثم أطبقت علي ، فهي إن شاء الله الشهادة . نظر يوم اليمامة وهو يصيح : احطموا جفون السيوف . وقاتل حتى قتل بضربات في وجهه - رضي الله عنه .
ابن إسحاق : عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة قال : تهجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ، فسمع صوت عباد بن بشر ، فقال : يا عائشة ، هذا صوت عباد بن بشر ؟ قلت : نعم . قال : اللهم اغفر له .
حماد بن سلمة : عن محمد بن إسحاق ، عن حصين بن عبد الرحمن الخطمي ، عن عبد الرحمن بن ثابت الأنصاري ، عن عباد بن بشر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا معشر الأنصار ، أنتم الشعار والناس الدثار .
[ ص: 339 ] قال علي بن المديني : لا أحفظ لعباد سواه .
عباد بن بشر بن قيظي الأشهلي ، قال ابن الأثير : وقع تخبيط في اسم جده . قال : وإنما هو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن الأوس الأوسي .
استشهد - رضي الله عنه - يوم اليمامة .
أما عباد بن بشر بن قيظي ، فهو أنصاري من بني حارثة ، أم قومه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - له حديث في الاستدارة في الصلاة إلىالكعبة . والله أعلم .
قال عباد بن عبد الله بن الزبير : ما سماني أبي عبادا إلا به - يعني بالأشهلي .
ومن شعره :
صرخت له فلم يعرض لصوتي ووافى طالعا من رأس جذر فعدت له فقال من المنادي
فقلت أخوك عباد بن بشر [ ص: 340 ] وهذي درعنا رهنا فخذها
لشهر إن وفى أو نصف شهر فقال : معاشر سغبوا وجاعوا
وما عدموا الغنى من غير فقر فأقبل نحونا يهوي سريعا
وقال لنا لقد جئتم لأمر وفي أيماننا بيض حداد
مجربة ، بها الكفار نفري فعانقه ابن مسلمة المردي
به الكفار كالليث الهزبر وشد بسيفه صلتا عليه
فقطره أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فأبنا
بأنعم نعمة وأعز نصر
لعباد حديث واحد مر ، وهو لابن إسحاق ، عن حصين بن عبد الرحمن الأنصاري ، عن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت ، عن عباد بن بشر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا معشر الأنصار ، أنتم الشعار والناس الدثار ، فلا أوتين من قبلكم .==============ابن أم مكتوم
مختلف في اسمه ; فأهل المدينة يقولون : عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري .
وأما أهل العراق ، فسموه عمرا . وأمه أم مكتوم ، هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية . من السابقين المهاجرين .
وكان ضريرا مؤذنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع بلال ، وسعد القرظ ، وأبي محذورة ، [ ص: 361 ] مؤذن مكة .
هاجر بعد وقعة بدر بيسير ، قاله ابن سعد ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحترمه ، ويستخلفه على المدينة ، فيصلي ببقايا الناس .
قال الشعبي : استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أم مكتوم يؤم الناس ، وكان ضريرا وذلك في غزوة تبوك . كذا قال ، والمحفوظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما استعمل على المدينة عامئذ علي بن أبي طالب .
وقال قتادة : استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم مرتين على المدينة ، وكان أعمى .
وروى مجالد عن الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر . فهذا يبطل ما تقدم ، ويبطله أيضا حديثأبي إسحاق عن البراء قال : أول من قدم علينا مصعب بن عمير ، ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم ، فقالوا له : ما فعل من وراءك ؟ قال : هم أولاء على أثري .
شعبة : عن أبي إسحاق ، سمع البراء يقول : أول من قدم علينا مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرئان الناس القرآن . [ ص: 362 ]
حماد بن سلمة : حدثنا أبو ظلال ، قال : كنت عند أنس ، فقال : متى ذهبت عينك ؟ قلت : وأنا صغير . فقال : إن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده ابن أم مكتوم ، فقال : متى ذهب بصرك ؟ قال : وأنا غلام ، فقال : قال الله تعالى : إذا أخذت كريمة عبدي لم أجد له جزاء إلا الجنة .
قالت عائشة : كان ابن أم مكتوم مؤذنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أعمى .
وروى حجاج بن أرطاة ، عن شيخ عن بعض مؤذني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كان بلال يؤذن ، ويقيم ابن أم مكتوم ، وربما أذن ابن أم مكتوم ، وأقام بلال . إسناده واه .
وقال ابن عمر : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له : أصبحت أصبحت .
قال عروة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مع رجال من قريش منهم عتبة بن ربيعة ، فجاء ابن أم مكتوم يسأل عن شيء ، فأعرض عنه ، فأنزلتعبس وتولى أن جاءه الأعمى [ عبس : 1 ] .
[ ص: 363 ] الواقدي : حدثني عبيد الله بن نوح ، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة ، قال : استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتومعلى المدينة ، فكان يجمع بهم ويخطب إلى جنب المنبر يجعله على يساره .
يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه عن عبد الله بن معقل ، قال : نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه ، وتؤذيه في النبي - صلى الله عليه وسلم - فتناولها فضربها ، فقتلها ، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال هو : أما والله إن كانت لترفقني ، ولكن آذتني في الله ورسوله . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبعدها الله ، قد أبطلت دمها .
أبو إسحاق : عن البراء قال : لما نزلت : لا يستوي القاعدون دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - زيدا وأمره ، فجاء بكتف وكتبها ، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته ، فنزلت غير أولي الضرر .
[ ص: 364 ] ثابت البناني : عن ابن أبي ليلى ، أن ابن أم مكتوم قال : أي رب ، أنزل عذري . فأنزلت غير أولي الضرر فكان بعد يغزو ويقول : ادفعوا إلي اللواء ، فإني أعمى لا أستطيع أن أفر ، وأقيموني بين الصفين .
عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه ، قال : كنت إلى جانب النبي : - صلى الله عليه وسلم - فغشيته السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، فما وجدت شيئا أثقل منها ، ثم سري عنه ، فقال لي : اكتب فكتبت في كتف " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " . فقام عمرو بن أم مكتوم ، فقال : فكيف بمن لا يستطيع ، فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السكينة ، ثم سري عنه ، فقال : اكتب غير أولي الضرر .
قال زيد : أنزلها الله وحدها ، فكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف .
ابن أبي عروبة : عن قتادة ، عن أنس : أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء ، عليه درع له . [ ص: 365 ]
أبو هلال : عن قتادة ، عن أنس : أن عبد الله بن زائدة - وهو ابن أم مكتوم - كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة .
قال الواقدي : شهد القادسية معه الراية ، ثم رجع إلى المدينة ، فمات بها ، ولم نسمع له بذكر بعد عمر .
قلت : ويقال استشهد يوم القادسية .
حدث عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسل ، وأبو رزين الأسدي وغيرهما .
والقادسية ملحمة كبرى تمت بالعراق ، وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص ، وعلى المشركين رستم ، وذو الحاجب ، والجالينوس .
قال أبو وائل : كان المسلمون أزيد من سبعة آلاف ، وكان العدو أربعين وقيل : ستين ألفا معهم سبعون فيلا .
قال المدائني : اقتتلوا ثلاثة أيام في آخر شوال سنة خمس عشرة ، فقتل رستم وانهزموا =========================صفوان ابن بيضاء
[ ص: 384 ] وهي أمه ، اسمها دعد بنت جحدم الفهرية . وأبوه هو وهب بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك .
أبو عمرو القرشي الفهري ، من المهاجرين ، شهد بدرا .
فروى الواقدي ، عن محرز بن جعفر عن جعفر بن عمرو قال : قتل صفوان بن بيضاء طعيمة بن عدي .
ثم قال الواقدي : هذه رواية . وقد روي لنا أن صفوان بن بيضاء لم يقتل يوم بدر ، وأنه شهد المشاهد ، وتوفي في رمضان سنة ثمان وثلاثين ولم يعقب=====================المقداد بن عمرو
( ع )
صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحد السابقين الأولين وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة القضاعي الكندي البهراني .
ويقال له : المقداد بن الأسود ; لأنه ربي في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه ، [ ص: 386 ] وقيل : بل كان عبدا له أسود اللون فتبناه ، ويقال : بل أصاب دما في كندة ، فهرب إلى مكة ، وحالف الأسود .
شهد بدرا والمشاهد ، وثبت أنه كان يوم بدر فارسا ، واختلف يومئذ في الزبير .
له جماعة أحاديث .
حدث عنه علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وجبير بن نفير ، وابن أبي ليلى ، وهمام بن الحارث ، وعبيد الله بن عدي بن الخيار ، وجماعة .
وقيل : كان آدم طوالا ، ذا بطن ، أشعر الرأس ، أعين ، مقرون الحاجبين ، مهيبا . عاش نحوا من سبعين سنة .
مات في سنة ثلاث وثلاثين ، وصلى عليه عثمان بن عفان ، وقبره بالبقيع - رضي الله عنه .
حديثه في الستة ، له حديث في " الصحيحين " . وانفرد له مسلم بأربعة أحاديث . [ ص: 387 ]
أخبرنا إسحاق الأسدي : أنبأنا ابن خليل ، أنبأنا اللبان ، أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا أحمد بن المسندي ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا عباس بن الوليد ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ، عن المقداد بن الأسود قال : استعملني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على [ ص: 388 ] عمل ، فلما رجعت ، قال : كيف وجدت الإمارة ؟ قلت : يا رسول الله ، ما ظننت إلا أن الناس كلهم خول لي ، والله لا ألي على عمل ما دمت حيا .
بقية : حدثنا حريز بن عثمان ، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : وافيت المقداد فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمص على تابوت من توابيت الصيارفة ، قد أفضل عليها من عظمه ، يريد الغزو ، فقلت له : قد أعذر الله إليك . فقال : أبت علينا سورة البحوثانفروا خفافا وثقالا [ التوبة : 41 ] .
يحيى الحماني : حدثنا ابن المبارك ، عن صفوان بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه قال : جلسنا إلى المقداد يوما ، فمر به رجل ، فقال : طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت ، فاستمعت ، فجعلت أعجب ، ما قال إلا خيرا ، ثم أقبل عليه ، فقال : ما يحمل أحدكم على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه ، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه . والله لقد حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم ، لم يجيبوه ولم يصدقوه ، أولا تحمدون الله ، لا [ ص: 389 ] تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم ، وقد كفيتم البلاء بغيركم ؟ والله لقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أشد حال بعث عليه نبي في فترة وجاهلية ، ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان ، فجاء بفرقان حتى إن الرجل ليرى والده ، أو ولده ، أو أخاه كافرا ، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان ، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار ، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار ، وأنها للتي قال الله تعالى ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين [ الفرقان : 74 ] .
وفي " مسند أحمد " لبريدة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بحب أربعة : علي ، وأبي ذر ، وسلمان ، والمقداد .
وعن كريمة بنت المقداد ، أن المقداد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفا ، ولأمهات المؤمنين لكل واحدة بسبعة آلاف درهم ، وقيل : إنه شرب دهن الخروع ، فمات=============النعمان بن مقرن
[ ص: 403 ]
هو النعمان بن عمرو بن مقرن بن عائذ بن ميجا بن هجير بن نصر بن حبشية بن كعب بن ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة .
أبو عمرو المزني الأمير ، أول مشاهده الأحزاب ، وشهد بيعة الرضوان ، ونزل الكوفة ، ولي كسكر لعمر ، ثم صرفه ، وبعثه على المسلمين يوم وقعةنهاوند ، فكان يومئذ أول شهيد .
أخبرنا سنقر الحلبي بها : أنبأنا عبد اللطيف اللغوي ، أنبأنا عبد الحق اليوسفي ، أنبأنا علي بن محمد ، أنبأنا أبو الحسن الحمامي ، أنبأنا ابن قانع ، حدثنا الحسن بن علي بن كامل ، حدثنا عفان حدثنا حماد ، عن أبي عمران الجوني ، عن علقمة بن عبد الله المزني ، عن معقل بن يسار ، عن النعمان بن مقرن أنه قال : شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يقاتل أول النهار ، انتظر حتى تزول الشمس . صححه الترمذي . وروي نحوه عن [ص: 404 ] زياد بن جبير ، عن أبيه عن النعمان . شعبة : أخبرني إياس بن معاوية قال لي ابن المسيب : ممن أنت ؟ قلت : من مزينة ، قال : إني لأذكر يوم نعى عمر النعمان بن مقرن على المنبر . قال الواقدي : وكانت نهاوند في سنة إحدى وعشرين . قلت : حفظ سعيد ذلك ، وله سبع سنين .
وللنعمان إخوة : سويد أبو عدي ، وسنان ممن شهد الخندق ، ومعقل والد عبد الله المحدث ، وعقيل أبو حكيم ، وعبد الرحمن . وروي عن مجاهد قال : البكاءون بنو مقرن سبعة . قال الواقدي : سمعت أنهم شهدوا الخندق . وقيل : كنية النعمان أبو حكيم . وكان إليه لواء مزينة يوم الفتح . يروي عنه ولده معاوية ، ومسلم بن هيصم ، وجماعة .
قال ابن إسحاق : قتل وهو أمير الناس سنة إحدى وعشرين .
شعبة : عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال : أتيت عمر بنعي النعمان بن مقرن ، فوضع يده على وجهه يبكي . [ ص: 405 ] أبو عمران الجوني ، عن علقمة بن عبد الله المزني ، عن معقل بن يسار : أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان فقال : أصبهان الرأس ، وفارسوأذربيجان الجناحان ، فإذا قطعت جناحا فاء الرأس وجناح وإن قطعت الرأس ، وقع الجناحان .
فقال عمر للنعمان بن مقرن : إني مستعملك . فقال : أما جابيا فلا ، وأما غازيا فنعم . قال : فإنك غاز . فسرحه ، وبعث إلى أهل الكوفة ليمدوه وفيهمحذيفة ، والزبير ، والمغيرة ، والأشعث ، وعمرو بن معدي كرب . فذكر الحديث بطوله . وهو في " مستدرك الحاكم " وفيه : فقال : اللهم ارزقالنعمان الشهادة بنصر المسلمين ، وافتح عليهم . فأمنوا ، وهز لواءه ثلاثا . ثم حمل ، فكان أول صريع - رضي الله عنه .
ووقع ذو الحاجبين من بغلته الشهباء ، فانشق بطنه ، وفتح الله ، ثم أتيت النعمان وبه رمق ، فأتيته بماء ، فصببت على وجهه أغسل التراب ، فقال : من ذا ؟ قلت : معقل . قال : ما فعل الناس ؟ قلت : فتح الله . فقال : الحمد لله . اكتبوا إلى عمر بذلك ، وفاضت نفسه - رضي الله عنه .=========================أخبار النجاشي
واسمه أصحمة ملك الحبشة . معدود في الصحابة رضي الله عنهم وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر ، ولا له رؤية ، فهو تابعي من وجه ، صاحب من وجه ، وقد توفي في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى عليه بالناس صلاة الغائب [ ص: 429 ] ولم يثبت أنه صلى - صلى الله عليه وسلم - على غائب سواه ، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى ، ولم يكن عنده من يصلي عليه ; لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر .
ابن إسحاق : عن الزهري قال : حدثت عروة بن الزبير بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة بقصة النجاشي وقوله لعمرو بن العاص : فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ، فقال عروة : أتدري ما معناه ؟ قلت : لا ، قال : إن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه ، ولم يكن له ولد إلا النجاشي ، وكان للنجاشي عم ، له من صلبه اثنا عشر رجلا ، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة .
فقالت الحبشة بينها : لو أنا قتلنا أبا النجاشي ، وملكنا أخاه ، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام ، وإن لأخيه اثني عشر ولدا ، فتوارثوا ملكه من بعده ، فبقيت الحبشة بعده دهرا . فعدوا على أبي النجاشي ، فقتلوه وملكوا أخاه . فمكثوا على ذلك .
ونشأ النجاشي مع عمه ، وكان لبيبا حازما من الرجال ، فغلب على أمر عمه ، ونزل منه بكل منزلة ، فلما رأت الحبشة مكانه منه ، قالت بينها : والله إنا لنتخوف أن يملكه ، ولئن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين ، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه .
فمشوا إلى [ ص: 430 ] عمه ، فقالوا له : إما أن تقتل هذا الفتى ، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا ، فإنا قد خفنا على أنفسنا منه . قال : ويلكم ! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم ! بل أخرجوه من بلادكم . فخرجوا به ، فباعوه من رجل تاجر بست مائة درهم ، ثم قذفه في سفينة ، فانطلق به حتى إذا المساء من ذلك اليوم ، هاجت سحابة من سحاب الخريف ، فخرج عمه يستمطر تحتها ، فأصابته صاعقة فقتلته . ففزعت الحبشة إلى ولده . فإذا هم حمقى ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم ، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض : تعلمون والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره الذي بعتموه غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة ، فأدركوه ، قال : فخرجوا في طلبه . حتى أدركوه فأخذوه من التاجر ، ثم جاءوا به ، فعقدوا عليه التاج ، وأقعدوه على سرير الملك ، وملكوه .
فجاءهم التاجر ، فقال : إما أن تعطوني مالي ، وإما أن أكلمه في ذلك ، فقالوا : لا نعطيك شيئا ، قال : إذن والله لأكلمنه . قالوا : فدونك ، فجاءه فجلس بين يديه ، فقال : أيها الملك ، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بست مائة درهم ، فأسلموه إلي ، وأخذوا دراهمي ، حتى إذا سرت بغلامي أدركوني ، فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي . فقال لهم النجاشي : لتعطنه دراهمه ، أو ليسلمن غلامه في يديه ، فليذهبن به حيث يشاء ، قالوا : بل نعطيه دراهمه ، قالت : فلذلك يقول : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه . وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه ، ثم قالت : لما مات النجاشي ، كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور . " المسند " لأحمد بن حنبل : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، [ ص: 431 ] عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه .
فلما بلغ ذلك قريشا ، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية ، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، وعمرو بن العاص السهمي ، وأمروهما أمرهم ، وقالوا لهما : ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ، ثم قدموا له هداياه ، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم .
قالت : فخرجا ، فقدما على النجاشي ، ونحن عنده بخير دار عند خير جار . فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته ، وقالا له : إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم ، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم ، فقالوا لهم : نعم .
ثم إنهما قربا هدايا النجاشي ، فقبلها منهم ، ثم كلماه ، فقالا له : أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا [ ص: 432 ] عليهم فيه . قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله ، وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقته حوله : صدقوا أيها الملك . فأسلمهم إليهما . فغضب النجاشي ، ثم قال : لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا أكاد قوما جاوروني ، ونزلوا بلادي ، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم .
ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله ، اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - كائنا في ذلك ما كان . فلما جاءوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟ قالت : وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب ، فقال له : أيها الملك ، إنا كنا قوما أهل جاهلية ; نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام .
قالت : فعدد له أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان ، وأن نستحل ما كنا [ص: 433 ] نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .
قالت : فقال : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قال : نعم . قال : فاقرأه علي ، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . انطلقا ، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد .
فلما خرجا قال عمرو : والله لأنبئنه غدا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم . فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - : لا تفعل ; فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا . قال : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد . ثم غدا عليه ، فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريمقولا عظيما ، فأرسل إليهم ، فسلهم عما يقولون فيه . فأرسل يسألهم .
قالت . ولم ينزل بنا مثلها ، فاجتمع القوم ، ثم قالوا : نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنا ما كان . فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى ؟ فقال له جعفر : نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فضرب النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ عودا ، ثم قال : ما عدا عيسى ما قلت هذا العود . فتناخرت بطارقته حوله ، [ ص: 434 ] فقال : وإن نخرتم والله ، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبرى ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الجبل - ردوا عليهما هداياهما ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في ، فأطيعهم فيه .
فخرجا مقبوحين ، مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار . فوالله إنا على ذلك ، إذ نزل به ، يعني من ينازعه في ملكه ، فوالله ما علمنا حربا قط كان أشد من حرب حربناه تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي ، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه ، وسارالنجاشي وبينهما عرض النيل . فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ فقالالزبير : أنا ، وكان من أحدث القوم سنا . فنفخوا له قربة ، فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى ، وحضر ، فدعونا اللهللنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده ، واستوسق له أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة .
سليمان ابن بنت شرحبيل : عن عبد الرحمن بن بشير ، وعبد الملك بن هشام ، [ ص: 435 ] عن زياد البكالي ، وأحمد بن محمد بن أيوب ، عنإبراهيم بن سعد جميعا : عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أم سلمة ، عن جعفر بن أبي طالب : أن النجاشي سأله : ما دينكم ؟ قال : بعث الله فينا رسولا ، وذكر بعض ما تقدم .
تفرد بوصله ابن إسحاق ، وأما عقيل ، ويونس ، وغيرهما ، فأرسلوه . ورواه ابن إدريس عن ابن إسحاق فقال : عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعروة ، وعبيد الله ، عن أم سلمة . ويروى هذا الخبر عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه . ورواه ابن شابور ، عن عثمان بن عطاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس بطوله . أعلى بهم عينا : أبصر بهم . لاها الله : قسم ، وأهل العربية يقولون : لاها الله ذا . والهاء بدل من واو القسم ، أي : لا والله لا يكون ذا . وقيل : بل حذفت واو القسم ، وفصلت " ها " من هذا فتوسطت الجلالة ونصبت لأجل حذف واو القسم . وتناخرت فالنخير : صوت من الأنف ، وقيل : النخير ضرب من الكلام ، وجاء في رواية : من حزن حزناه . وقولها : حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عنت نفسها وزوجها . وكذا قدم الزبير وابن مسعود وطائفة من مهاجرة الحبشة مكة ، وملوا من سكنىالحبشة ، ثم قدم طائفة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عرفوا بأنه هاجر إلى [ ص: 436 ] المدينة ، ثم قدم جعفر بمن بقي ليالي خيبر .قال أبو موسى الأصبهاني الحافظ : اسم النجاشي أصحمة ، وقيل : أصحم بن بجرى . كان له ولد يسمى أرمى ، فبعثه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمات في الطريق . وقيل : إن الذي كان رفيق عمرو بن العاص عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي . فقال أبو كريب ومحمد بن آدم المصيصي : حدثنا أسد بن عمرو ، حدثنا مجالد عن الشعبي ، عن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه قال : بعثت قريش عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليدبهدية من أبي سفيان إلى النجاشي . فقالوا له ونحن عنده : قد جاء إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا ، فادفعهم إلينا . قال : لا ، حتى أسمع كلامهم ، وذكر نحوه إلى أن قال : فأمر مناديا ، فنادى : من آذى أحدا منهم ، فأغرموه أربعة دراهم ، ثم قال : يكفيكم ؟ قلنا : لا ، فأضعفها . فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وظهر بها ، قلنا له : إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة وهاجر وقتل الذي كنا حدثناك عنهم ، وقد أردنا الرحيل إليه فزودنا ، قال : نعم ، فحملنا وزودنا وأعطانا ، ثم قال : أخبر صاحبك بما صنعت إليكم ، وهذا رسولي معك ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ، فقل له يستغفر لي . قال جعفر : فخرجنا حتى أتينا المدينة : فتلقاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقني [ ص: 437 ] فقال : ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أو بقدوم جعفر . ثم جلس ، فقام رسول النجاشي ، فقال : هو ذا جعفر ، فسله ما صنع به صاحبنا ، فقلت : نعم ، يعني ذكرته له ، فقام رسول الله ، فتوضأ ، ثم دعا ثلاث مرات : اللهم اغفر للنجاشي . فقال المسلمون : آمين . فقلت للرسول : انطلق ، فأخبر صاحبك ما رأيت .
ابن أبي عدي ومعاذ : عن ابن عون عن عمير بن إسحاق أن جعفرا قال : يا رسول الله ، ائذن لي حتى أصير إلى أرض أعبد الله فيها ، فأذن له ، فأتىالنجاشي .
فحدثنا عمرو بن العاص قال : لما رأيت جعفرا آمنا بها هو وأصحابه حسدته ، فأتيت النجاشي ، فقلت : إن بأرضك رجلا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد ، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبدا ولا أحد من أصحابي . قال : اذهب إليه ، فادعه . قلت : إنه لا يجيء معي ، فأرسل معي رسولا . فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم . قال له : أجب . فلما أتينا الباب ناديت : ائذن لعمرو بن العاص ، ونادى جعفر :ائذن لحزب الله . فسمع صوته ، فأذن له قبلي . الحديث .
إسرائيل : عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي ، فبلغ ذلك قريشا ، فبعثوا عمرا وعمارة بن الوليد ، وجمعوا للنجاشي هدية . فقدما عليه ، وأتياه بالهدية ، [ ص: 438 ] فقبلها وسجدا له ، ثم قال عمرو :إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك . قال : في أرضي ؟ قال : نعم .
فبعث إلينا ، فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم . فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس عظيم ، وعمرو عن يمينه ، وعمارة عن يساره ، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين ، وقد قال له عمرو : إنهم لا يسجدون لك . فلما انتهينا بدرنا من عنده أن اسجدوا ، قلنا : لا نسجد إلا لله - عز وجل .
فلما انتهينا إلى النجاشي ، قال : ما منعك أن تسجد ؟ قال : لا نسجد إلا لله . قال : وما ذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسولا وهو الذي بشر به عيسى ، فقال : يأتي من بعدي اسمه أحمد ، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، ونقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، وأمرنا بالمعروف ، ونهانا عن المنكر . فأعجب النجاشي قوله ، فلما رأى ذلك عمرو ، قال : أصلح الله الملك ، إنهم يخالفونك في ابن مريم . فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول الله : هو روح الله وكلمته ، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ، ولم يفرضها ولد . فتناول عودا ، فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه . مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه رسول الله ، وأنه الذي بشر به عيسى ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى [ ص: 439 ] أقبل نعله ، امكثوا في أرضي ما شئتم . وأمر لنا بطعام وكسوة ، وقال : ردوا على هذين هديتهما .
وكان عمرو رجلا قصيرا وكان عمارة رجلا جميلا ، وكانا أقبلا في البحر إلى النجاشي ، فشرب مع عمرو وامرأته ، فلما شربوا من الخمر قال عمارة :لعمرو : مر امرأتك فلتقبلني . قال : ألا تستحي ؟ فأخذ عمارة عمرا يرمي به في البحر ، فجعل عمرو يناشده حتى تركه ، فحقد عليه عمرو ، فقالللنجاشي : إنك إذا خرجت ، خلفك عمارة في أهلك . فدعا بعمارة ، فنفخ في إحليله ، فطار مع الوحش .
وعن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : مكر عمرو بعمارة فقال : يا عمارة إنك رجل جميل ، فاذهب إلى امرأة النجاشي ، فتحدث عندها إذا خرج زوجها ، فإن ذلك عون لنا في حاجتنا . فراسلها عمارة حتى دخل عليها . فانطلق عمرو إلى النجاشي فقال : إن صاحبي صاحب نساء ، وإنه يريد أهلك . فبعث النجاشي إلى بيته ، فإذا هو عند أهله . فأمر به ، فنفخ في إحليله ، سحره ، ثم ألقاه في جزيرة من جزائر البحر ، فجن ، واستوحش مع الوحش .
ابن إسحاق : عن يزيد بن رومان ، عن عروة عن عائشة قالت : لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور . [ ص: 440 ]
فأما عمارة ، فإنه بقي إلى خلافة عمر مع الوحوش ، فدل عليه أخوه ، فسار إليه وتحين وقت وروده الماء ، فلما رأى أخاه فر ، فوثب وأمسكه ، فبقي يصيح : أرسلني يا أخي ، فلم يرسله ، فخارت قوته من الخوف ، ومات في الحال . فعداده في المجانين الذين يبعثون على ما كانوا عليه قبل ذهاب العقل ، فيبعث هذا المعثر على الكفر والعداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسأل الله المغفرة .
وحدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي : فارقت ديننا . وخرجوا عليه ، فأرسل إلى جعفر وأصحابه ، فهيأ لهم سفنا ، وقال : اركبوا ، فإن هزمت ، فامضوا ، وإن ظفرت فاثبتوا . ثم عمد إلى كتاب ، فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم . ثم جعله في قبائه ، وخرج إلى الحبشة ، وصفوا له ، فقال : يا معشر الحبشة : ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا : بلى . قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ، قال : فما بالكم ؟ قالوا : فارقت ديننا ، وزعمت أن عيسى عبد . قال : فما تقولون فيه ؟ قالوا : هو ابن الله ، فقال - ووضع يده على صدره على قبائه - هو يشهد أن عيسى ، لم يزد على هذا شيئا ، وإنما عنى على ما كتب ، فرضوا وانصرفوا . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما مات النجاشي صلى عليه ، واستغفر له . [ ص: 441 ]
ومن محاسن النجاشي أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديما ، فهاجر بها زوجها ، فانملس بها إلى أرض الحبشة ، فولدت له حبيبة ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصر ، فلم ينشب أن مات بالحبشة ، فلما وفت العدة ، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبها ، فأجابت ، فنهض في ذلك النجاشي ، وشهد زواجها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطاها الصداق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده أربع مائة دينار ، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين ، ثم جهزها النجاشي . وكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها عمرو بن أمية الضمري ، فيما نقله الواقدي بإسناد مرسل ، ثم قال : وحدثنيمحمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن أبي بكر قالا : كان الذي زوجها ، وخطب إليهالنجاشي خالد بن سعيد بن العاص الأموي ، وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعا وثلاثين سنة . معمر : عن الزهري ، عن عروة ، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش ، وكان رحل إلى النجاشي ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها بالحبشة ، [ ص: 442 ] زوجه إياهاالنجاشي ، ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده ، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة ، وجهازها كله من عند النجاشي .
وأما ابن لهيعة ، فنقل عن أبي الأسود ، عن عروة قال : أنكحه إياها بالحبشة عثمان - رضي الله عنه - ; وهذا خطأ فإن عثمان كان بالمدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يغب عنه إلا يوم بدر ، أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم ، فيمرض زوجته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن سعد : أنبأنا محمد بن عمر ، أنبأنا عبد الله بن عمرو بن زهير ، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال : قالت أم حبيبة : رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهه ، ففزعت . فإذا هو يقول : حين أصبح : يا أم حبيبة ، إني نظرت في الدين ، فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها ، ثم دخلت في دين محمد ، فقد رجعت إليها . فأخبرته بالرؤيا ، فلم يحفل بها ، وأكب على الخمر حتى مات .
فأرى في النوم كأن آتيا يقول لي : يا أم المؤمنين ، ففزعت فأولتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتزوجني ، فما هو إلا أن انقضت عدتي ، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن ، فإذا جارية له يقال لها : أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه ، فدخلت علي ، فقالت : إن الملك يقول لك : إن رسول الله كتب إلي أن أزوجكه . فقلت : بشرك الله بخير .
قالت : يقول الملك : وكلي من يزوجك . فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته ، وأعطت أبرهة سوارين من فضة ، وخواتيم كانت في أصابع رجليها ، وخدمتين كانتا في رجليها .
فلما كان العشي ، أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا ، فخطب النجاشي ، فقال : الحمد [ ص: 443 ] لله الملك القدوس السلام . أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنه الذي بشر به عيسى - صلى الله عليه وسلم - . ثم خطب خالد بن سعيد ، وزوجها وقبض أربع مائة دينار ، ثم دعا بطعام ، فأكلوا . قالت : فلما وصل إلي المال ، عزلت خمسين دينارالأبرهة ، فأبت ، وأخرجت حقا فيه كل ما أعطيتها فردته ، وقالت : عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئا ، وقد أسلمت لله ، وحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني السلام ، ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود وعنبر وزباد كثير . فقيل : بنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ست . وقال خليفة : دخل بها سنة سبع من الهجرة . وأصحمة بالعربي : عطية . ولما توفي ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس : إن أخا لكم قد مات بأرض الحبشة فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفا ، ثم صلى عليه . فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة =============عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار .
الإمام الحبر ، فقيه الأمة ، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري البدري ، حليف بني زهرة .
كان من السابقين الأولين ، ومن النجباء العالمين ، شهد بدرا ، وهاجر الهجرتين ، وكان يوم اليرموك على النفل ، ومناقبه غزيرة ، روى علما كثيرا .
حدث عنه أبو موسى ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعمران بن حصين ، وجابر ، وأنس ، وأبو أمامة ، في طائفة من الصحابة ، وعلقمة، [ ص: 462 ] والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، وأبو وائلة ، وقيس بن أبي حازم ، وزر بن حبيش ، والربيع ، بن خثيم ، وطارق بن شهاب ، وزيد بن وهب ، وولداه أبو عبيدة وعبد الرحمن ، وأبو الأحوص عوف بن مالك ، وأبو عمرو الشيباني ، وخلق كثير .
وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي ، وعبيد بن نضيلة ، وطائفة .
اتفقا له في الصحيحين على أربعة وستين ، وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين حديثا ، ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثا ، وله عند بقيبالمكرر ثماني مائة وأربعون حديثا .
قال قيس بن أبي حازم : رأيته آدم خفيف اللحم ، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : كان عبد الله رجلا نحيفا ، قصيرا ، شديد الأدمة ، وكان لا يغير شيبه .
وروى الأعمش ، عن إبراهيم قال : كان عبد الله لطيفا ، فطنا .
قلت : كان معدودا في أذكياء العلماء .
وعن ابن المسيب قال : رأيت ابن مسعود عظيم البطن ، أحمش الساقين .
قلت : رآه سعيد لما قدم المدينة عام توفي سنة اثنتين وثلاثين وكان يعرف أيضا بأمه ، فيقال له : ابن أم عبد .
قال محمد بن سعد : أمه هي أم عبد بنت عبد ود بن سوي من بني زهرة .
وروي عن علقمة : عن عبد الله ، قال : كناني النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي . [ ص: 463 ]
وروى المسعودي : عن سليمان بن مينا ، عن نويفع مولى ابن مسعود ، قال : كان عبد الله من أجود الناس ثوبا أبيض ، وأطيب الناس ريحا .
يعقوب بن شيبة : حدثني بشر بن مهران ، حدثنا شريك ، عن عثمان بن المغيرة ، عن زيد بن وهب قال : قال عبد الله : إن أول شيء علمته من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قدمت مكة مع عمومة لي أو أناس من قومي ، نبتاع منها متاعا ، وكان في بغيتنا شراء عطر ، فأرشدونا على العباس ، فانتهينا إليه ، وهو جالس إلى زمزم ، فجلسنا إليه ، فبينا نحن عنده ، إذ أقبل رجل من باب الصفا ، أبيض ، تعلوه حمرة ، له وفرة جعدة ، إلى أنصاف أذنيه ، أشم ، أقنى ، أذلف ، أدعج العينين ، براق الثنايا ، دقيق المسربة ، شثن الكفين والقدمين ، كث اللحية ، عليه ثوبان أبيضان ، كأنه القمر ليلة البدر ، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه ، مراهق أو محتلم ، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها ، حتى قصد نحو الحجر ، فاستلم ، ثم استلم الغلام ، واستلمت المرأة ، ثم طاف بالبيت سبعا ، وهما يطوفان معه ، ثم استقبل الركن ، فرفع يده وكبر ، وقام ثم ركع ، ثم سجد ثم قام . فرأينا شيئا أنكرناه ، لم نكن نعرفه بمكة .
فأقبلنا على العباس ، فقلنا : يا أبا الفضل ، إن هذا الدين حدث فيكم ، أو أمر لم نكن نعرفه ؟ قال : أجل والله ما تعرفون هذا ، هذا ابن أخي محمد بن عبد الله ، والغلام علي بن أبي طالب ، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته ، أما والله ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة . [ص: 464 ]
قال ابن شيبة لا نعلم روى هذا إلا بشر الخصاف وهو رجل صالح .
محمد بن أبي عبيدة بن معن المسعودي : عن أبيه ، عن الأعمش ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : قال عبد الله : لقد رأيتني سادس ستة وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا .
وقال ابن إسحاق : أسلم ابن مسعود بعد اثنين وعشرين نفسا ، وعن يزيد بن رومان قال : أسلم عبد الله قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم .
أخبرنا أحمد بن سلامة وأحمد بن عبد السلام ، إجازة ، عن عبد المنعم بن كليب ، أنبأنا علي بن بيان ، أنبأنا محمد بن محمد ، أنبأنا إسماعيل بن محمد( ح ) وقرأت على أحمد بن إسحاق ، وعبد الحافظ بن بدران ، أخبركما أبو البركات الحسن بن محمد ، أنبأنا محمد بن الخليل بن فارس ، في سنة ثمان وأربعين وخمس مائة ، وأنا في الخامسة ( ح ) وأنبأنا علي بن محمد ، وعمر بن عبد المنعم ، وعبد المنعم بن عساكر ، وأبو علي بن الجلال ، وابن مؤمن ، قالوا : أنبأنا محمد بن هبة الله القاضي ، أنبأنا حمزة بن علي الثعلبي ( ح ) وأنبأنا أبو جعفر محمد بن علي ، وأحمد بن عبد الرحمن قالا :
أنبأنا أبو القاسم بن صصرى ، [ ص: 465 ] أنبأنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الأسدي ، وأبو يعلى بن الحبوبي ( ح ) وأنبأنا إبراهيم بن أحمد الطائي ، ومحمد بن الحسن الأرموي ، والحسن بن علي الدمشقي ، وإسماعيل بن عبد الرحمن المرداوي ، وأحمد بن مؤمن ، وست الفخر بنت عبد الرحمن ، قالوا : أخبرتنا كريمة بنت عبد الوهاب القرشية ، أنبأنا أبو يعلى حمزة بن الحبوبي ، قالوا : أنبأنا علي بن محمد بن علي الفقيه ، أنبأنا عبد الرحمن بن عثمان التميمي ، أنبأنا إبراهيم بن أبي ثابت قالا :
أنبأنا الحسن بن عرفة العبدي ( ح ) وأنبأنا عبد الرحمن بن محمد ، والمسلم بن محمد ، وعلي بن أحمد ، قالوا : أنبأنا حنبل ، أنبأنا ابن الحصين ، أنبأنا ابن المذهب ، أنبأنا أبو بكر القطيعي ، أنبأنا عبد الله بن أحمد الشيباني ، حدثني أبي قالا : أنبأنا أبو بكر بن عياش ، حدثني عاصم ، عن زر ، عنابن مسعود قال : كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط ، فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، فقال : يا غلام ، هل من لبن ؟ قلت : نعم ، ولكني مؤتمن ، قال : فهل من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة ، فمسح ضرعها ، فنزل لبن ، فحلب في إناء ، فشرب ، وسقى أبا بكر ، ثم قال للضرع : اقلص ، فقلص . زاد أحمد قال : ثم أتيته بعد هذا ، ثم اتفقا - فقلت : يا رسول الله ، علمني من هذا القول ، فمسح رأسي ، وقال : يرحمك الله إنك غليم معلم .
هذا حديث صحيح الإسناد ورواه أبو عوانة عن عاصم ابن بهدلة ، وفيه زيادة منها : فلقد أخذت من فيه - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة ما نازعني فيها بشر ، ورواه [ ص: 466 ] إبراهيم بن الحجاج السامي عن سلام أبي المنذر ، عن عاصم ، وفيه : قال : فأتيته بصخرة منقعرة ، فحلب فيها ، قال : فأسلمت وأتيته===================================خبيب بن يساف
[ ص: 501 ]
ابن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي .
وكان له أولاد : أبو كثير عبد الله ، وعبد الرحمن ، وأنيسة ، وكانت تحته جميلة ابنة عبد الله بن أبي ابن سلول ، وقد انقرض عقبه .
ابن سعد : أنبأنا يزيد بن هارون ، أنبأنا مستلم بن سعيد ، حدثنا خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف ، عن أبيه ، عن جده قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يريد غزوا ، أنا ورجل من قومي لم نسلم ، فقلنا : إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده ، قال : أسلمتما ؟ قلنا : لا . قال : إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين . قال : فأسلمنا ، وشهدنا معه . فقتلت رجلا ، وضربني ضربة ، وتزوجت ابنته بعد ذلك ، فكانت تقول لي : لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح ، فأقول لها : لا عدمت رجلا عجل أباك إلى النار .
معن : حدثنا مالك ، عن الفضيل بن أبي عبد الله ، عن عبد الله بن نيار ، عن عروة ، عن عائشة قالت : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلىبدر ، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل كان يذكر منه جرأة ونجدة ، ففرحوا به ، قالت : فقال : جئت لأتبعك وأصيب معك ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أتؤمن بالله ورسوله ؟ قال : لا . قال : فارجع ، فلن نستعين بمشرك . ثم أدركه بالشجرة ، فقال مثل مقالته ، ثم أدركه بالبيداء فقال : أتؤمن بالله ورسوله ؟ قال : نعم . قال : انطلق . [ ص: 502 ]
قال الواقدي : هو خبيب بن يساف تأخر إسلامه حتى خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر ، فلحقه فأسلم ، وشهد بدرا وأحدا ، قال : وتوفي في خلافة عثمان وقد انقرض ولده .
ويقال في أبيه : إساف بن عدي ، كذا سماه ابن أبي حاتم . وقال شيخنا الدمياطي هو الذي قتل أبا عقبة الحارث بن عامر . كذا قال شيخنا ، وخطأ ما في صحيح البخاري في مصرع خبيب بن عدي الشهيد من أنه قتل الحارث يوم بدر ، فقتله آل الحارث لما أسروه به ، وهو خبيب بن عدي بن مالك منالأوس ، ولم أجده مذكورا في البدريين - رضي الله عنه
وقد أوردت جملة من ذلك في تاريخ الإسلام في سنة وفاته .