عقبة بن نافع القرشي
الفهري الأمير نائب إفريقية لمعاوية ، وليزيد ، وهو الذي أنشأ [ ص: 533 ] القيروان ، وأسكنها الناس .
وكان ذا شجاعة ، وحزم ، وديانة ، لم يصح له صحبة ، شهد فتح مصر ، واختط بها .
حكى عنه : ابنه الأمير أبو عبيدة مرة ، وعبد الله بن هبيرة ، وعلي بن رباح ، وعمار بن سعد .
وهو ابن أخي العاص بن وائل السهمي لأمه .
قال الواقدي : جهزه معاوية على عشرة آلاف ، فافتتح إفريقية ، واختط قيروانها . وكان الموضع غيضة لا يرام من السباع والأفاعي ، فدعا عليها ، فلم يبق فيها شيء ، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها .
فحدثني موسى بن علي ، عن أبيه ، قال : نادى : إنا نازلون فاظعنوا ، فخرجن من جحرتهن هوارب .
وروى نحوه محمد بن عمرو ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، قال : لما افتتح عقبة إفريقية ، قال : يا أهل الوادي ! إنا حالون إن شاء الله ، فاظعنوا ، ثلاث مرات ، فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي . ثم قال للناس : انزلوا بسم الله .
وعن مفضل بن فضالة ، قال : كان عقبة بن نافع مجاب الدعوة .
وعن علي بن رباح ، قال : قدم عقبة على يزيد ، فرده واليا على المغرب سنة اثنتين وستين ، فغزا السوس الأدنى ، ثم رجع ، وقد سبقه جل الجيش ، فخرج عليه جمع من العدو ، فقتل عقبة وأصحابه . [ ص: 534 ]
وقال ابن يونس : قتل سنة ثلاث وستين - رحمه الله تعالى===========قيس بن ذريح الليثي
من أعراب الحجاز ، شاعر محسن كان يشبب بأم معمر لبنى بنت [ ص: 535 ] الحباب الكعبية ، ثم إنه تزوج بها . وقيل : كان أخا للحسين - رضي الله عنه - من الرضاعة .
وكان يكون بقديد وقع بين أمه وبين لبنى فأبغضتها ، فما زالت تتحيل حتى طلق لبنى ، وقال لأمه : أما إنه آخر عهدك بي ، وعظم به فراق أهله ، وجهده .
وهو القائل : وكل ملمات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
ونظمه في الذروة العليا ، رقة ، وحلاوة ، وجزالة . وكان في دولة يزيد .=======حسان بن مالك
ابن بحدل بن أنيف أمير العرب ، أبو سليمان الكلبي . من أمراء معاوية يوم صفين . وهو الذي شد من مروان بن الحكم وبايعه .
قال الكلبي : سلموا بالخلافة على حسان أربعين ليلة ، ثم سلم الأمر إلى مروان .
وله قصر بدمشق وهو قصر البحادلة ، ثم صار يعرف بقصر ابن أبي الحديد .
وهو الذي يفتخر ويقول : فإن لا يكن منا الخليفة نفسه فما نالها إلا ونحن شهود================المختار بن أبي عبيد الثقفي
الكذاب ، كان والده الأمير أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن ثقيف قد أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم نعلم له صحبة .
استعمله عمر بن الخطاب على جيش ، فغزا العراق ، وإليه تنسب [ ص: 539 ] وقعة جسر أبي عبيد .
ونشأ المختار ، فكان من كبراء ثقيف ، وذوي الرأي ، والفصاحة ، والشجاعة ، والدهاء ، وقلة الدين ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يكون في ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب هذا ، ادعى أن الوحي يأتيه ، وأنه يعلم الغيب ، وكان المبير الحجاج ، قبحهما الله .
قال أحمد في " مسنده " : حدثنا ابن عمير ، حدثنا عيسى بن عمر حدثنا السدي ، عن رفاعة الفتياني قال : دخلت على المختار ، فألقى لي وسادة ، وقال : لولا أن جبريل قام عن هذه ، لألقيتها لك ، فأردت أن أضرب عنقه ، فذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله ، فأنا من القاتل بريء .
وروى مجالد ، عن الشعبي قال : أقرأني الأحنف كتاب المختار إليه يزعم أنه نبي ، وكان المختار قد سار من الطائف بعد مصرع الحسين إلى مكة ، فأتى ابن الزبير ، وكان قد طرد لشره إلى الطائف ، فأظهر المناصحة ، [ ص: 540 ] وتردد إلى ابن الحنفية ، فكانوا يسمعون منه ما ينكر . فلما مات يزيد ، استأذن ابن الزبير في الرواح إلى العراق ، فركن إليه ، وأذن له .
وكتب إلى نائبه بالعراق عبد الله بن مطيع يوصيه به ، فكان يختلف إلى ابن مطيع ، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير ، ويثني على ابن الحنفية ، ويدعو إليه ، وأخذ يشغب على ابن مطيع ، ويمكر ويكذب ، فاستغوى جماعة ، والتفت عليه الشيعة ، فخافه ابن مطيع ، وفر من الكوفة ، وتمكن هو ، ودعا ابن الزبير إلى مبايعة محمد ابن الحنفية ، فأبى ، فحصره ، وضيق عليه ، وتوعده ، فتألمت الشيعة له ، ورد المختار إلى مكة .
ثم بعث معه ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة على خراج الكوفة ، فقدم المختار وقد هاجت الشيعة للطلب بالثأر ، وعليهم سليمان بن صرد ، فأخذ المختار يفسدهم ، ويقول : إني جئت من قبل المهدي ابن الوصي ، يريد ابن الحنفية ، فتبعه خلق ، وقال : إن سليمان لا يصنع شيئا ، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة ، ولا خبرة له بالحرب .
وخاف عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فذهب عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير وإبراهيم بن محمد إلى ابن صرد فقالا : إنكم أحب أهل بلدنا إلينا ، فلا تفجعونا بأنفسكم ، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم ، قفوا حتى نتهيأ . قال ابن صرد : قد خرجنا لأمر ولا نرانا إلا شاخصين .
فسار ، ومعه كل مستميت ، ومروا بقبر الحسين ، فبكوا ، وأقاموا يوما عنده وقالوا : يا رب قد خذلناه ، فاغفر لنا ، وتب علينا ، ثم نزلوا قرقيسيا ، فتم المصاف بعين الوردة ، وقتل ابن صرد وعامة التوابين ، ومرض عبيد الله بالجزيرة ، فاشتغل بذلك وبقتال أهلها عن العراق سنة وحاصر الموصل .
وأما المختار فسجن مدة ، ثم خرج ، فحاربه أهل الكوفة ، فقتل رفاعة بن شداد ، وعبد الله بن سعد ، وعدة . وغلب على الكوفة ، وهرب منه [ ص: 541 ] نائب ابن الزبير ، فقتل جماعة ممن قاتل الحسين ، وقتل الشمر بن ذي الجوشن ، وعمر بن سعد ، وقال : إن جبريل ينزل علي بالوحي ، واختلق كتابا عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة ، وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته ، فقتل صاحب الشرطة ، وسر به المختار ، وقوي ، وعسكروا بدير هند ، فحاربهم نائب ابن الزبير ، ثم ضعف واختفى ، وأخذ المختار في العدل ، وحسن السيرة .
وبعث إلى النائب بمال ، وقال : اهرب . ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف درهم ، فأنفق في جيشه ، وكتب إلى ابن الزبير : إني رأيت عاملك مداهنا لبني أمية ، فلم يسعني أن أقره ، فانخدع له ابن الزبير ، وكتب إليه بولاية الكوفة ، فجهز ابن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد في آخر سنة ست وستين ، ومعه كرسي على بغل أشهب .
وقال المختار : هذا فيه سر ، وهو آية لكم ، كما كان التابوت لبني إسرائيل . فحفوا به يدعون ، فتألم ابن الأشتر ، وقال : اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا سنة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل .
فعن طفيل بن جعدة بن هبيرة ، قال : كان لي جار زيات له كرسي ، فاحتجت فقلت للمختار : إني كنت أكتمك شيئا ، والآن أذكره .
قال : وما هو ؟ قلت : كرسي كان أبي يجلس عليه ، كان يرى أن فيه أثارة من علم . قال : سبحان الله ! لم أخرته ؟ فجيء به وعليه ستر ، فأمر لي باثني عشر ألفا ، ودعا بالصلاة جامعة ، فاجتمعوا ، فقال : إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن فيكم ، وقد كان في بني إسرائيل التابوت ، وإن فينا [ ص: 542 ] مثله . اكشفوا هذا ، فكشفوا الأثواب ، وقامت السبائية . فرفعوا أيديهم ، فأنكر شبث بن ربعي ، فضرب ، فلما انتصروا على عبيد الله افتتنوا بالكرسي ، وتغالوا فيه ، فقلت : إنا لله ، وندمت . فلما زاد كلام الناس ، غيب . وكان المختار يربطهم بالمحال والكذب ، ويتألفهم بقتل النواصب .
عن الشعبي قال : خرجت أنا وأبي مع المختار ، فقال لنا : أبشروا ، فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف بقرب نصيبين . فدخلنا المدائن ، فوالله إنه ليخطبنا ، إذ جاءته البشرى بالنصر ، فقال : ألم أبشركم بهذا ؟ قالوا : بلى ، فقال لي همداني : أتؤمن الآن ؟ قلت : بماذا ؟ قال : بأن المختار يعلم الغيب ، ألم يقل لنا : إنهم هزموا ؟ قلت : إنما زعم أن ذلك بنصيبين ، وإنما وقع ذلك بالخازر من الموصل . قال : والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم .
وقيل : كان رجل يقول : قد وضع لنا اليوم وحي ما سمع الناس بمثله فيه نبأ ما يكون .
وعن موسى بن عامر قال : إنما كان يضع لهم عبد الله بن نوف ، يقول : إن المختار أمرني به ، ويتبرأ من ذلك المختار ، فقال سراقة البارقي : [ ص: 543 ] كفرت بوحيكم وجعلت نذرا علي هجاءكم حتى الممات أري عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات
ووقع المصاف ، فقتل ابن زياد ، قده ابن الأشتر نصفين . وكان بطل النخع ، وفارس اليمانية فدخل الموصل ، واستولى على الجزيرة .
ثم وجه المختار أربعة آلاف فارس في نصر محمد ابن الحنفية ، فكلموا ابن الزبير ، وأخرجوه من الشعب ، وأقاموا في خدمته أشهرا ، حتى بلغهم قتل المختار ، فإن ابن الزبير علم مكره ، فندب لحربه أخاه مصعبا ، فقدم محمد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي إلى البصرة يستصرخان الناس على الكذاب ، ثم التقى مصعب وجيش المختار ، فقتل ابن الأشعث ، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب ، وانفل الكوفيون ، فحصرهم مصعب في دار الإمارة ، فكان المختار يبرز في فرسانه ، ويقاتل حتى قتله طريف الحنفي وأخوه طراف في رمضان سنة سبع وستين ، وأتيا برأسه مصعبا ، فوهبهما ثلاثين ألفا ، وقتل من الفريقين سبعمائة .
وقيل : كان المختار في عشرين ألفا . ثم إن مصعبا أساء ، فأمن بقصر الإمارة خلقا ، ثم قتلهم غدرا ، وذبحت عمرة بنت النعمان بن بشير صبرا ؛ لأنها شهدت أن زوجها المختار عبد صالح . وأقبل في نجدة مصعب المهلب بن أبي صفرة في الرجال والأموال ، ولما خذل المختار قال لصاحبه : ما من الموت بد ، وحبذا مصارع الكرام . وقل عليه القوت في الحصار والماء ، وجاعوا في القصر ، فبرز المختار للموت في تسعة عشر مقاتلا .
فقال المختار : أتؤمنوني ؟ قالوا : لا ، إلا على الحكم ، قال : لا أحكم في [ ص: 544 ] نفسي . وقاتل حتى قتل ، وأمكن أهل القصر من أنفسهم ، فبعث إليهم عباد بن حصين ، فكان يخرجهم مكتفين ، ويقتلهم . فقال رجل لمصعب بن الزبير : الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر ، وابتلاك أن تعفو ، وهما منزلتان إحداهما رضى الله والأخرى سخطه ، من عفا ، عفا الله عنه ، ومن قتل ، لم يأمن القصاص ، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ، لسنا تركا ولا ديلما ، قاتلنا إخواننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ، ثم اصطلحوا ، وقد ملكتم فأسجحوا ، فرق مصعب ، وهم أن يدعهم ، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وقال : اخترنا أو اخترهم ، وقال آخر : قتل أبي في خمسمائة من همدان وتخليهم ؟ ! . وسمرت كف المختار إلى جانب المسجد .
وروى إسحاق بن سعيد ، عن أبيه قال : جاء مصعب يزور ابن عمر ، فقال : أي عم اسألك عن قوم خلعوا الطاعة ، وقاتلوا حتى إذا غلبوا ، تحصنوا ، وطلبوا الأمان ، فأعطوا ، ثم قتلوا . قال : كم العدد ؟ قال : خمسة آلاف ، فسبح ابن عمر ، ثم قال : يا مصعب لو أن امرءا أتى ماشية الزبير ، فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة أكنت تعده مسرفا ؟ قال : نعم ، قال : فتراه إسرافا في البهائم . وقتلت من وحد الله . أما كان فيهم مكره أو جاهل ترجى توبته ، اصبب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك .
وقد كان المختار معظما لابن عمر ينفذ إليه بالأموال ، وكان ابن عمر تحته صفية أخت المختار .
ونشأ المختار بالمدينة يعرف بالميل إلى بني هاشم ، ثم سار إلى البصرة يظهر بها ذكر ا=====================المجنون
قيس بن الملوح ، وقيل : ابن معاذ ، وقيل : اسمه بختري بن الجعد ، وقيل غير ذلك . من بني عامر بن صعصعة . وقيل : من بني كعب بن سعد ، الذي قتله الحب في ليلى بنت مهدي العامرية .
سمعنا أخباره تأليف ابن المرزبان .
وقد أنكر بعضهم ليلى والمجنون ، وهذا دفع بالصدر ، فما من لم يعلم حجة على من عنده علم ، ولا المثبت كالنافي ، لكن إذا كان المثبت لشيء شبه خرافة ، والنافي ليس غرضه دفع الحق ، فهنا النافي مقدم ، وهنا تقع المكابرة وتسكب العبرة .
فقيل : إن المجنون علق ليلى علاقة الصبا ، وكانا يرعيان البهم . ألا تسمع قوله ، وما أفحل شعره : [ ص: 6 ] تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهموعلقته هي أيضا ، ووقع بقلبها . وهو القائل : أظن هواها تاركي بمضلة من الأرض لا مال لدي ولا أهل ولا أحد أقضي إليه وصيتي ولا وارث إلا المطية والرحل محا حبها حب الألى كن قبلها وحلت مكانا لم يكن حل من قبل فاشتد شغفه بها حتى وسوس وتخبل في عقله فقال :
إني لأجلس في النادي أحدثهم فأستفيق وقد غالتني الغول يهوي بقلبي حديث النفس نحوكم حتى يقول جليسي أنت مخبول قال أبو عبيدة : تزايد به الأمر حتى فقد عقله ، فكان لا يؤويه رحل ولا يعلوه ثوب إلا مزقه ، ويقال : إن قوم ليلى شكوا المجنون إلى السلطان ، فأهدر دمه ، وترحل قومها بها . فجاء وبقي يتمرغ في المحلة ، ويقول : أيا حرجات الحي حيث تحملوا بذي سلم لا جادكن ربيع [ ص: 7 ] وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع وقيل : إن قومه حجوا به ليزور النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدعو ، حتى إذا كان بمنى سمع نداء : يا ليلى ، فغشي عليه ، وبكى أبوه فأفاق يقول :
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أطراب الفؤاد ولم يدر دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرا كان في صدري وجزعت هي لفراقه وضنيت . وقيل : إن أباه قيده ، فبقي يأكل لحم ذراعيه ، ويضرب بنفسه ، فأطلقه ، فهام في الفلاة ، فوجد ميتا ، فاحتملوه إلى الحي وغسلوه ودفنوه ، وكثر بكاء النساء والشباب عليه .
وقيل : إنه كان يأكل من بقول الأرض ، وألفته الوحش ، وكان يكون بنجد فساح حتى حدود الشام .
وشعره كثير من أرق شيء وأعذبه ، وكان في دولة يزيد وابن الزبير==============القاري ( ع )
عبد الرحمن بن عبد القاري المدني . يقال : له صحبة; وإنما ولد في أيام النبوة .
قال أبو داود : أتي به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير .
قال الزبير بن بكار : عضل والقارة ابنا يثيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة .
[ ص: 15 ] قلت : روى عن عمر ، وأبي طلحة ، وأبي أيوب ، وغيرهم .
وعنه السائب بن يزيد مع تقدمه ، وعروة والأعرج ، والزهري وطائفة ، وابنه محمد ، وثقه ابن معين .
وقال ابن سعد توفي سنة ثمانين . بالمدينة . وله ثمان وسبعون سنة .=ابنه
إبراهيم بن الأشتر النخعي ، أحد الأبطال والأشراف كأبيه ، وكان شيعيا فاضلا . وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد بن أبيه يوم وقعة الخازر ثم إنه كان من أمراء مصعب بن الزبير وما علمت له رواية ، قتل مع مصعب في سنة اثنتين وسبعين .
====================عبيدة بن عمرو
السلماني ، الفقيه المرادي ، الكوفي ، أحد الأعلام . وسلمان جدهم . هو ابن ناجية بن مراد .
أسلم عبيدة في عام فتح مكة بأرض اليمن ، ولا صحبة له ، وأخذ عن علي وابن مسعود ، وغيرهما ، وبرع في الفقه ، وكان ثبتا في الحديث .
روى عنه إبراهيم النخعي ، والشعبي ، ومحمد بن سيرين ، وعبد الله بن سلمة المرادي ، [ ص: 41 ] وأبو إسحاق ، ومسلم أبو حسان الأعرج ، وآخرون .
قال الشعبي كان عبيدة يوازي شريحا في القضاء .
وقال ابن سيرين : ما رأيت رجلا كان أشد توقيا من عبيدة . وكان محمد بن سيرين مكثرا عنه .
قال أحمد العجلي : كان عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يقرئون ويفتون . وكان أعور .
قرأت على أحمد بن إبراهيم الخطيب عام سبع مائة : أنبأنا أبو الحسن السخاوي ، أنبأنا أبو طاهر السلفي ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، أنبأنا محمد بن محمد السواق ، أنبأنا عيسى بن حامد الرخجي ، حدثنا الهيثم بن خلف ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا معاذ بن معاذ ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، قال : صليت قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين ولم أره .
قال أبو عمرو بن الصلاح روينا عن عمرو بن علي الفلاس ، أنه قال : أصح الأسانيد ابن سيرين عن عبيدة ، عن علي .
قلت : لا تفوق لهذا الإسناد مع قوته على إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، ولا على الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، إن هذين الإسنادين روي بهما أحاديث جمة في الصحاح وليس كذلك الأول ، فما في " الصحيحين " لعبيدة عن علي سوى حديث واحد .
[ ص: 42 ] وعند البخاري حديث آخر موقوف بهذا الإسناد ، وانفرد مسلم بحديث آخر سأرويه بعد .
قال أبو أحمد الحاكم : كنية عبيدة ، أبو مسلم ، وأبو عمرو .
وروى هشام بن حسان ، عن محمد ، عن عبيدة ، قال : اختلف الناس في الأشربة فمالي شراب منذ ثلاثين سنة إلا العسل واللبن والماء . قال محمد : وقلت لعبيدة : إن عندنا من شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا من قبل أنس بن مالك ، فقال : لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض .
قلت : هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب ، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس . ومثل هذا يقول هذا الإمام بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بخمسين سنة ، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت ، أو شسع نعل كان له ، أو قلامة ظفر ، أو شقفة من إناء شرب فيه . فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده ، أكنت تعده مبذرا أو سفيها؟ كلا . فابذل مالك في زورة مسجده الذي بنى فيه بيده والسلام عليه عند حجرته في بلده ، والتذ بالنظر إلى " أحده " وأحبه ; فقد كان نبيك -صلى الله عليه وسلم- يحبه ، وتملأ بالحلول في روضته ومقعده ، فلن تكون مؤمنا حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم .
وقبل حجرا مكرما نزل من الجنة ، وضع فمك لاثما مكانا قبله سيد البشر بيقين ، فهنأك الله بما أعطاك ، فما فوق ذلك مفخر؟ ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الحجر ثم قبل محجنه ، لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل . ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله .
[ ص: 43 ] وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها ، ويقول : يد مست يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، فنقول نحن إذ فاتنا ذلك : حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا -صلى الله عليه وسلم- لاثما له . فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه وقل : فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن سيرين ، قال علي : يا أهل الكوفة ، أتعجزون أن تكونوا مثل السلماني والهمداني؟ -يعني الحارث بن الأزمع وليس بالأعور- إنما هما شطرا رجل .
قال حماد بن زيد : وكان عبيد أعور .
قال ابن سيرين : كان أصحاب عبد الله منهم من يقدم عبيدة ، ومنهم من يقدم علقمة ، ولا يختلفون أن شريحا آخرهم .
قال الثوري : عن النعمان بن قيس ، قال : دعا عبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال أخشى أن تضعوها على غير موضعها .
قال عاصم : عن ابن سيرين ، جاء قوم إلى عبيدة ليصلح بينهم ، فقال : لا أقول حتى تؤمروني .
عبد الواحد بن زياد : حدثنا النعمان بن قيس ، حدثني أبي ، قلت لعبيدة : بلغنى أنك تموت ، ثم ترجع قبل يوم القيامة ، تحمل راية فيفتح لك فتح . قال : لئن أحياني الله اثنتين ، وأماتني اثنتين قبل يوم القيامة ، ما أراد بي خيرا .
[ ص: 44 ] قال أبو حصين : أوصى عبيدة أن يصلي عليه الأسود بن يزيد ، فقال الأسود : عجلوا به قبل أن يجيء الكتاب - يعني المختار .
أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي ، أنبأنا عبد المعز بن محمد ، أنبأنا تميم بن أبي سعيد ، أنبأنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن ، أنبأنا محمد بن أحمد ، أنبأنا أبو يعلى ، حدثنا القواريري ، حدثنا حماد ، عن أيوب عن محمد ، عن عبيدة ، قال : ذكر علي -رضي الله عنه- أهل النهروان فقال : فيهم رجل مودن اليد أو مثدن اليد أو مخدج اليد ، لولا أن تبطروا ، لأنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونه على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم- . قلت : أنت سمعته منه؟ قال : إي ورب الكعبة .
هذا حديث صحيح ، رواه ابن علية أيضا عن أيوب السختياني ، ورواه ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، أخرجه مسلم وأبو داود .
وفي وفاة عبيدة أقوال ، أصحها في سنة اثنتين وسبعين===================كثير بن مرة ( م 4 )
الإمام الحجة أبو شجرة الحضرمي ، الرهاوي ، الشامي ، الحمصي ، الأعرج . يكنى أبا القاسم .
أرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وحدث عن معاذ بن جبل ، وعمر بن الخطاب ، وتميم الداري ، وعبادة بن الصامت ، وعوف بن مالك ، وأبي الدرداء ، ونعيم بن همار وأبي هريرة ، وعقبة بن عامر ، وأبي فاطمة الأزدي ، وشرحبيل بن السمط ، وعبد الله بن عمرو ، وابن عمر ، وعدة .
وعنه : أبو الزاهرية حدير بن كريب ، وخالد بن معدان ، وصالح بن أبي عريب ، ومكحول ، وشريح بن عبيد ، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ، ولقمان بن عامر ، ونصر بن علقمة ، وعبد الرحمن بن عائذ ، وآخرون .
وروى عنه زيد بن واقد مرسلا ، وثقه ابن سعد ، وأحمد العجلي ، وغيرهما وقال ابن خراش : صدوق . وقال النسائي : لا بأس به .
أبو صالح : عن الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة ، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريا . قال [ ص: 47 ] الليث : وكان يسمى الجند المقدم . قال : فكتب إليه أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة ; فإنه عندنا .
معاوية بن صالح : عن أبى الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، قال : دخلت المسجد يوم الجمعة ، فمررت بعوف بن مالك الأشجعي وهو باسط رجليه ، فضمهما ثم قال : يا كثير أتدري لم بسطت رجلي؟ بسطتهما رجاء أن يجيء رجل صالح فأجلسه ، وإني لأرجو أن تكون رجلا صالحا .
هذه مسألة حسنة عن صحابي جليل .
قال أبو زرعة الدمشقي : قلت لدحيم ، فمن يكون مع جبير بن نفير ، وأبي إدريس الخولاني في طبقتهما؟ قال : كثير بن مرة . فذاكرته سنه ، ومناظرة أبي الدرداء إياه في القراءة خلف الإمام ، وقول عوف فيه : إني لأرجو أن تكون صالحا فرآه معهما في طبقة .
قال أبو مسهر : بقي كثير إلى خلافة عبد الملك .
قلت : عداده في المخضرمين ، ومات مع أبي أمامة الباهلي أو قبله ، رحمه الله .
أخبرنا أحمد بن إسحاق ، أنبأنا أكمل بن أبي الأزهر ، أنبأنا سعيد بن أحمد بن البناء ، أنبأنا أبو نصر الزينبي ، أنبأنا محمد بن عمر الوراق ، حدثنا عبد الله بن أبي داود ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن بحير بن سعد الكلاعي ، عن خالد بن معدان ، عن كثير بن مرة ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا ، إلا قالت زوجته من الحور العين : لا تؤذيه قاتلك الله ; فإنما هو عندك دخيل ، يوشك أن يفارقك إلينا أخرجه الترمذي ، عن الحسن ، فوافقناه بعلو ، وإسناده صحيح متصل====================الأسود بن يزيد ( ع )
ابن قيس ، الإمام ، القدوة أبو عمرو النخعي الكوفي . وقيل : يكنى أبا عبد الرحمن ، وهو أخو عبد الرحمن بن يزيد ، ووالد عبد الرحمن بن الأسود ، وابن أخي علقمة بن قيس ، وخال إبراهيم النخعي . فهؤلاء أهل بيت من رءوس العلم والعمل .
وكان الأسود مخضرما ، أدرك الجاهلية والإسلام .
وحدث عن معاذ بن جبل ، وبلال ، وابن مسعود ، وعائشة ، وحذيفة بن اليمان ، وطائفة سواهم .
حدث عنه ابنه عبد الرحمن ، وأخوه وإبراهيم النخعي ، وعمارة بن عمير ، وأبو إسحاق السبيعي ، والشعبي ، وآخرون .
وهو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسن يضرب بعبادتهما المثل .
قال ابن سعد كان يذكر أنه ذهب بمهر أم علقمة إليها من قيس جده ، [ ص: 51 ] وروى عن الصديق ، أنه جرد معه الحج . وروى عن عمر وعلي ، وسمع باليمن من معاذ .
قال عبد الرحمن بن الأسود : كان أبي يسجد في برنس طيالسة ويداه فيه ، أو في ثيابه . وقال ابن أبي خالد : رأيت الأسود وعليه عمامة سوداء وقد أرسلها من خلفه ، ورأيته أصفر الرأس واللحية .
قرأت على إسحاق بن طارق : أخبركم ابن خليل ، أنبأنا أبو المكارم التيمي ، أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق ، قال : حج الأسود ثمانين ، من بين حج وعمرة .
وبه إلى عبد الله بن أحمد ، حدثنا عبد الله بن صندل ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن ميمون ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين ، وكان ينام بين المغرب والعشاء ، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال .
قال ابن عون : سئل الشعبي عن الأسود بن يزيد فقال : كان صواما قواما حجاجا . قال إبراهيم : ربما أحرم الأسود من جبانة عرزم .
وقال جابر الجعفي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : ما سمعت الأسود إذا أهل يسمي حجا ولا عمرة قط ، يقول : إن الله يعلم نيتي . قال أبو إسحاق : كان الأسود يقول في تلبيته : لبيك غفار الذنوب .
ومن مناكير موسى بن عمير ، تفرد به عن الحكم ، عن إبراهيم النخعي ، [ ص: 52 ] عن الأسود ، عن عبد الله قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : حصنوا أموالكم بالزكاة ، وداووا مرضاكم بالصدقة ، وأعدوا للبلاء الدعاء .
قرأ الأسود على عبد الله بن مسعود . تلا عليه يحيى بن وثاب ، وإبراهيم النخعي ، وأبو إسحاق السبيعي .
وروى يحيى بن سعيد العطار في زهد الثمانية عن يزيد بن عطاء ، عن علقمة بن مرثد قال : كان الأسود يجتهد في العبادة ، ويصوم حتى يخضر ويصفر ، فلما احتضر بكى ، فقيل له : ما هذا الجزع؟ فقال : ما لي لا أجزع ، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه ، فلا يزال مستحيا منه .
وروى شعبة ، عن الحكم ، أن الأسود كان يصوم الدهر -هذا صحيح عنه- وكأنه لم يبلغه النهي عن ذلك أو تأول .
[ ص: 53 ] وروى حماد عن إبراهيم ، كان الأسود يصوم حتى يسود لسانه من الحر .
وروى منصور ، عن إبراهيم ، أن الأسود كان يحرم من بيته . وقال أشعث بن أبي الشعثاء : رأيت الأسود وعمرو بن ميمون أهلا من الكوفة . قال ابن أبي خالد : رأيت الأسود وعليه عمامة سوداء ، وقال الحسن بن عبيد الله : رأيت الأسود يسجد في برنس طيالسة .
قد نقل العلماء في وفاة الأسود أقوالا ، أرجحها سنة خمس وسبعين والله يرحمه .
قال إبراهيم النخعي : كان الأسود إذا حضرت الصلاة ، أناخ بعيره ولو على حجر=================علقمة بن وقاص ( ع )
ابن محصن بن كلدة الليثي ، العتواري ، المدني ، أحد العلماء .
حدث عن عمر ، وعائشة ، وبلال بن الحارث المزني ، وعمرو بن العاص ، وابن عمر وطائفة ، له أحاديث ليست بالكثيرة ، وثقه ابن سعد ، والنسائي .
حدث عنه ولداه : عمرو وعبد الله ، والزهري ، وابن أبي مليكة ، ومحمد بن إبراهيم التيمي ، وعمرو بن يحيى المازني ، وله دار بالمدينة وعقب .
مات في دولة عبد الملك بن مروان حديثه في الكتب الستة .
[ ص: 62 ] قرأت على إسحاق بن طارق : أخبركم ابن خليل ، أنبأنا أبو المكارم التيمي ، أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا فاروق الخطابي ، حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا معمر بن عبد الله ، حدثنا شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إن الله يحب أن تقبل رخصه ، كما يحب أن تؤتى عزائمه قال أبو نعيم تفرد برفعه معمر هذ======================مسروق ( ع )
ابن الأجدع ، الإمام ، القدوة ، العلم ، أبو عائشة الوادعي ، الهمداني ، الكوفي . وهو مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن سلمان بن معمر ، ويقال : سلامان بن معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله [ ص: 64 ] بن وادعة بن عمر بن عامر بن ناشح بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان .
قال أبو بكر الخطيب : يقال إنه سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقا . وأسلم أبوه الأجدع .
حدث هو عن أبي بن كعب ، وعمر ، وعن أبي بكر الصديق -إن صح- وعن أم رومان ، ومعاذ بن جبل ، وخباب ، وعائشة ، وابن مسعود ، وعثمان وعلي ، وعبد الله بن عمرو ، وابن عمر وسبيعة ، ومعقل بن سنان ، والمغيرة بن شعبة ، وزيد حتى إنه روى عن عبيد بن عمير ، قاص مكة .
وعنه : الشعبي ، وإبراهيم النخعي ، ويحيى بن وثاب ، وعبد الله بن مرة ، وأبو وائل ، ويحيى بن الجزار ، وأبو الضحى ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، وعبيد بن نضيلة ، ومكحول الشامي -وما أراه لقيه- وأبو إسحاق ، ومحمد بن المنتشر ، ومحمد بن نشر الهمداني ، وأبو الأحوص الجشمي ، وأيوب بن هانئ ، وعمارة بن عمير ، وحبال ابن رفيدة ، وأنس بن سيرين ، وأبو الشعثاء المحاربي ، وآخرون .
وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو داود : كان أبو الأجدع أفرس فارس باليمن . قال أبو داود أيضا : ومسروق هو ابن أخت عمرو بن معد يكرب .
[ ص: 65 ] مجالد : عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : لقيت عمر فقال : ما اسمك؟ فقلت : مسروق بن الأجدع . قال : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : الأجدع شيطان أنت مسروق بن عبد الرحمن . قال الشعبي : فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن .
وقال مالك بن مغول : سمعت أبا السفر ، عن مرة ، قال : ما ولدت همدانية مثل مسروق وقال أيوب الطائي ، عن الشعبي ، قال : ما علمت أن أحدا كان أطلب للعلم -في أفق من الآفاق- من مسروق .
وقال منصور عن إبراهيم ، قال : كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السنة : علقمة ، والأسود وعبيدة ، ومسروقا ، والحارث بن قيس ، وعمرو بن شرحبيل .
وروى عبد الملك بن أبجر ، عن الشعبي ، كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح ، وكان شريح أعلم بالقضاء من مسروق ، وكان شريح يستشير مسروقا ، وكان مسروق لا يستشير شريحا .
وروى شعبة عن أبي إسحاق ، حج مسروق فلم ينم إلا ساجدا على وجهه حتى رجع .
وروى أنس بن سيرين ، عن امرأة مسروق قالت : كان مسروق يصلي حتى تورم قدماه ، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه .
المثنى القصير : عن محمد بن المنتشر ، عن مسروق ، قال : كنت مع أبي موسى أيام الحكمين ، فسطاطي إلى جانبه ، فأصبح الناس ذات يوم قد [ ص: 66 ] لحقوا بمعاوية ، فرفع أبو موسى رفرف فسطاطه وقال : يا مسروق ، قلت : لبيك ، قال : إن الإمارة ما ائتمر فيها ، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف .
مجالد : عن الشعبي ، عن مسروق ، قالت عائشة : يا مسروق إنك من ولدي ، وإنك لمن أحبهم إلي ، فهل لك علم بالمخدج .
قال أبو السفر : ما ولدت همدانية مثل مسروق .
وقال الشعبي : لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة ، قال : من أفضل الناس؟ قالوا له : مسروق . وقال ابن المديني : أنا ما أقدم على مسروق أحدا صلى خلف أبي بكر .
مجالد : عن الشعبي ، قال مسروق : لأن أفتي يوما بعدل وحق ، أحب إلي من أن أغزو سنة .
قال إبراهيم بن محمد بن المنتشر : أهدى خالد بن عبد الله بن أسيد عامل البصرة إلى عمي مسروق ثلاثين ألفا ، وهو يومئذ محتاج فلم يقبلها : وقال أبو إسحاق السبيعي : زوج مسروق بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف لنفسه يجعلها في المجاهدين والمساكين .
الأعمش : عن أبي الضحى قال : غاب مسروق عاملا على السلسلة سنتين ، ثم قدم ، فنظر أهله في خرجه فأصابوا فأسا ، فقالوا : غبت ثم جئتنا بفأس بلا عود ، قال : إنا لله ، استعرناها ، نسينا نردها .
قال سعيد بن جبير ، قال لي مسروق : ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب ، وما آسى على شيء إلا السجود لله تعالى .
[ ص: 67 ] وقال الكلبي : شلت يد مسروق يوم القادسية ، وأصابته آمة .
قال وكيع : تخلف عن علي مسروق ، والأسود ، والربيع بن خثيم وأبو عبد الرحمن السلمي . ويقال : شهد صفين ، فوعظ وخوف ولم يقاتل ، وقيل : شهد قتال الحرورية مع علي ، واستغفر الله من تأخره عن علي . وقيل : إن قبره بالسلسلة بواسط .
قال أحمد بن حنبل ، قال ابن عيينة : بقي مسروق بعد علقمة لا يفضل عليه أحد .
وقال يحيى بن معين : مسروق ثقة ، لا يسأل عن مثله . وسأل عثمان بن سعيد يحيى عن مسروق وعروة في عائشة ، فلم يخير .
وقال علي بن المديني : ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله صلى خلف أبي بكر ولقي عمر وعليا ، ولم يرو عن عثمان شيئا .
وقال العجلي : تابعي ثقة ، كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون ويفتون . وكان يصلي حتى ترم قدماه .
وقال ابن سعد كان ثقة له أحاديث صالحة .
روى سعيد بن عثمان التنوخي الحمصي ، حدثنا علي بن الحسن السامي ، حدثنا الثوري عن فطر بن خليفة ، عن الشعبي ، قال : غشي على مسروق في يوم صائف ، وكانت عائشة قد تبنته ، فسمى بنته عائشة ، وكان [ ص: 68 ] لا يعصي ابنته شيئا . قال : فنزلت إليه فقالت : يا أبتاه أفطر واشرب . قال : ما أردت بي يا بنية؟ قالت : الرفق ، قال : يا بنية إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة .
قال أبو نعيم : مات سنة اثنتين وستين . وقال يحيى بن بكير وابن سعد وابن نمير : مات سنة ثلاث وستين .
قال علي بن الجعد : حدثنا شعبة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، أن مسروقا كان لا يأخذ على القضاء أجرا ، ويتأول هذه الآية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية .
الأعمش : عن مسلم ، عن مسروق ، قال : كفى بالمرء علما أن يخشى الله تعالى ، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله .
منصور : عن هلال بن يساف ، قال : قال مسروق : من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين ، وعلم الدنيا والآخرة ، فليقرأ سورة الواقعة .
قلت : هذا قاله مسروق على المبالغة ، لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين . ومعنى قوله : فليقرأ الواقعة -أي : يقرأها بتدبر وتفكر وحضور ، ولا يكن كمثل الحمار يحمل أسفارا .
عمرو بن مرة : عن الشعبي ، قال : كان مسروق إذا قيل له : أبطأت عن علي وعن مشاهده ، فيقول : أرأيتم لو أنه حين صف بعضكم لبعض فنزل بينكم ملك فقال : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما أكان ذلك حاجزا لكم؟ قالوا : نعم . قال : فوالله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم ، وإنها لمحكمة ما نسخها شيء .
قرأت على أبي المعالي ، أحمد بن إسحاق بمصر : أخبرنا الفتح بن عبد الله الكاتب ، [ ص: 69 ] أنبأنا محمد بن عمر القاضي ، وأبو غالب محمد بن علي ، ومحمد بن أحمد الطرائفي ، قالوا : أنبأنا محمد بن أحمد بن المسلمة ، أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري ، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا الأعمش ( ح ) قال الفريابي : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أربع من كن فيه كان منافقا زاد عثمان : خالصا ثم اتفقا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر أخرجه مسلم عن أبي بكر به .
قال مجالد ، عن الشعبي : إن مسروقا قال : لأن أقضي بقضية وفق الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله . أو قال : من غزو سنة .
قال أبو الضحى : سئل مسروق عن بيت شعر فقال : أكره أن أجد في صحيفتي شعرا .
حماد بن أبي سليمان ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : صليت خلف أبي بكر===============أبو تميم الجيشاني ( م - ت - س - ق )
من أئمة التابعين بمصر واسمه عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم ، وهو أخو سيف . ولدا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقدما المدينة زمن عمر .
حدث عن عمر ، وعلي ، وأبي ذر ، ومعاذ بن جبل ، وقرأ القرآن على معاذ .
روى عنه عبد الله بن هبيرة ، وكعب بن علقمة ، ومرثد بن عبد الله اليزني ، وبكر بن سوادة ، وغيرهم .
قال يزيد بن أبي حبيب : كان من أعبد أهل مصر .
[ ص: 74 ] المقرئ : حدثنا ابن لهيعة ، حدثني ابن هبيرة ، سمعت أبا تميم الجيشاني ، يقول : أقرأني معاذ القرآن حين بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن .
وروى الأعمش ، عن إبراهيم قال : قال ابن مسعود : جاء معاذ فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم- : أقرئه . فأقرأته ما كان معي . ثم كنت أنا وهو إلى رسول الله يقرئنا .
قال سعيد بن عفير : توفي أبو تميم سنة سبع وسبعين ==========مرة الطيب ( ع )
ويقال له أيضا : مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه ، وهو مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي ، مخضرم كبير الشأن .
[ ص: 75 ] حدث عن أبي بكر الصديق وعمر ، وأبي ذر ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري ، وجماعة .
حدث عنه أسلم الكوفي ، وزبيد اليامي ، وحصين بن عبد الرحمن ، وعطاء بن السائب ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وآخرون .
وثقه يحيى بن معين . وبلغنا عنه أنه سجد لله حتى أكل التراب جبهته .
سفيان بن عيينة : سمعت عطاء بن السائب يقول : رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير . ونقل عطاء أو غيره أن مرة كان يصلي في اليوم والليلة ست مائة .
قلت : ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم ، ولهذا لم تكثر روايته ، وهل يراد من العلم إلا ثمرته . مات سنة نيف وثمانين . رحمه الله بالكوفة==================جبير بن نفير ( م ، 4 )
ابن مالك بن عامر ، الإمام الكبير ، أبو عبد الرحمن الحضرمي الحمصي .
أدرك حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحدث عن أبي بكر -فيحتمل أنه لقيه- وعن عمر والمقداد ، وأبي ذر ، وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وعائشة ، وأبي هريرة ، وعدة .
روى عنه ولده عبد الرحمن ، ومكحول ، وخالد بن معدان ، وأبو الزاهرية حدير بن كريب ، وربيعة بن يزيد ، وشرحبيل بن مسلم ، وسليم بن عامر ، وآخرون .
روى سليم بن عامر عنه قال : استقبلت الإسلام من أوله ، فلم أزل أرى في الناس صالحا وطالحا . وكان جبير من علماء أهل الشام .
سعيد بن منصور : حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثني بشير بن كريب الأملوكي ، [ ص: 77 ] عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير ، قال : دخلت على أبي الدرداء وبين يديه جفنة من لحم فقال : اجلس ، فكل ; فإن كنيسة في ناحيتنا أهدى لنا أهلها مما ذبحوا لها ، فأكلت معه .
فيه : أن ما ذبح لمعبد مباح ; وإنما يحرم علينا ما ذبح على نصب .
بقية : حدثنا علي بن زبيد الخولاني ، عن مرثد بن سمي ، عن جبير بن نفير ، أن يزيد بن معاوية كتب إلى أبيه ، أن جبير بن نفير قد نشر في مصري حديثا ، فقد تركوا القرآن ، قال : فبعث إلى جبير ، فجاء ، فقرأ عليه كتاب يزيد ، فعرف بعضه وأنكر بعضه ، قال معاوية : لأضربنك ضربا أدعك لمن بعدك نكالا ، قال : يا معاوية لا تطغ في ; إن الدنيا قد انكسرت عمادها ، وانخسفت أوتادها ، وأحبها أصحابها ، قال : فجاء أبو الدرداء ، فأخذ بيد جبير وقال : لئن كان تكلم به جبير لقد تكلم به أبو الدرداء ، ولو شاء جبير أن يخبر أنما سمعه مني ، لفعل ، ولو ضربتموه ، لضربكم الله بقارعة تترك دياركم بلاقع .
هذا خبر منكر لم يكن لجبير ذكر بعد في زمن أبي الدرداء ; بل كان شابا يتطلب العلم ، وأيضا فكان يزيد في آخر مدة أبي الدرداء طفلا عمره خمس سنين ، ولعل قد جرى شيء من ذلك .
وممن روى جبير عنهم مالك بن يخامر السكسكي ، وأبو مسلم الخولاني ، وأم الدرداء ، وكان هو وكثير بن مرة من أئمة التابعين بحمص وبدمشق ، قال بتوثيقهما غير واحد .
قال أبو عبيد وأبو حسان الزيادي : مات جبير بن نفير في سنة خمس وسبعين .
[ ص: 78 ] وأما ابن سعد ، وشباب ، وعلي بن عبد الله التميمي ، فقالوا : توفي سنة ثمانين ==================محمد بن عبد الرحمن ( 4 )
النخعي ، يروي عن أبيه ، وعن عمه الأسود ، وعن عم أبيه علقمة ، وعنه زبيد اليامي والحكم ، ومنصور ، والأعمش والحسن بن عمرو الفقيمي .
وثقه ابن معين وغيره ، وقال أبو زرعة : رفيع القدر من الجلة ، وقال حسين الجعفي : كان يقال له : الكيس لتلطفه في العبادة .=========================عمير بن هانئ العنسي
الداراني ، فتابعي صغير جليل ، ولي الخراج بدمشق لعمر بن عبد العزيز ، وقد سار رسولا إلى الحجاج وهو يحاصر ابن الزبير . وروى عن ابن عمر ، وله ترجمة مطولة في تاريخ دمشق .
قتل ، وأتي برأسه إلى مروان الحمار في سنة سبع وعشرين ومائة رحمه الله========================الأحنف بن قيس ( ع )
ابن معاوية بن حصين ، الأمير الكبير ، العالم النبيل أبو بحر التميمي ، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل .
[ ص: 87 ] اسمه ضحاك ، وقيل : صخر ، وشهر بالأحنف لحنف رجليه ، وهو العوج والميل ، كان سيد تميم ، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووفد على عمر .
حدث عن عمر ، وعلي ، وأبي ذر ، والعباس ، وابن مسعود ، وعثمان بن عفان وعدة .
وعنه : عمرو بن جاوان ، والحسن البصري ، وعروة بن الزبير ، وطلق بن حبيب وعبد الله بن عميرة ، ويزيد بن الشخير ، وخليد العصري ، وآخرون . وهو قليل الرواية .
كان من قواد جيش علي يوم صفين .
قال ابن سعد كان ثقة مأمونا ، قليل الحديث وكان صديقا لمصعب بن الزبير ، فوفد عليه إلى الكوفة ، فمات عنده بالكوفة .
قال سليمان بن أبي شيخ : كان أحنف الرجلين جميعا ، ولم يكن له إلا بيضة واحدة ، واسمه صخر بن قيس أحد بني سعد . وأمه باهلية ، فكانت ترقصه وتقول :
والله لولا حنف برجله وقلة أخافها من نسله
ما كان في فتيانكم من مثلهقال أبو أحمد الحاكم : هو افتتح مرو الروذ . وكان الحسن وابن سيرين في جيشه ذاك .
قلت : هذا فيه نظر ; هما يصغران عن ذلك .
[ ص: 88 ] حماد بن سلمة : عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، قال : بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ لقيني رجل من بني ليث ، فأخذ بيدي ، فقال : ألا أبشرك؟ قلت : بلى . قال : أما تذكر إذ بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قومك بني سعد أدعوهم إلى الإسلام ، فجعلت أخبرهم ، وأعرض عليهم ، فقلت : إنه يدعو إلى خير وما أسمع إلا حسنا؟ فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : اللهم اغفر للأحنف فكان الأحنف يقول : فما شيء أرجى عندي من ذلك . رواه أحمد في " مسنده " .
العلاء بن الفضل المنقري : حدثنا العلاء بن جرير ، حدثني عمر بن مصعب بن الزبير عن عمه عروة ، حدثني الأحنف ، أنه قدم على عمر بفتح تستر فقال : قد فتح الله عليكم تستر وهي من أرض البصرة . فقال رجل من المهاجرين : يا أمير المؤمنين ، إن هذا -يعني الأحنف - الذي كف عنا بني مرة حين بعثنا رسول الله في صدقاتهم ، وقد كانوا هموا بنا . قال الأحنف : فحبسني عمر عنده سنة يأتيني في كل يوم وليلة ، فلا يأتيه عني إلا ما يحب ، ثم دعاني فقال : يا أحنف هل تدري لم حبستك عندي؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين . قال : إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حذرنا كل منافق عليم فخشيت أن تكون منهم ، فاحمد الله يا أحنف .
حماد : عن ابن جدعان ، عن الحسن ، عن الأحنف ، قال : احتبسني [ ص: 89 ] عمر عنده حولا ، وقال بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة ، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك ، وإنا كنا نتحدث ، إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم .
قال العجلي : الأحنف بصري ثقة ، كان سيد قومه ، وكان أعور أحنف ، دميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة ، حبسه عمر سنة يختبره فقال : هذا والله السيد .
معمر : عن قتادة ، قال : قدم الأحنف فخطب فأعجب عمر منطقه ، قال : كنت أخشى أن تكون منافقا عالما ، فانحدر إلى مصرك ; فإني أرجو أن تكون مؤمنا .
وعن الأحنف قال : كذبت مرة واحدة ، سألني عمر عن ثوب : بكم أخذته ، فأسقطت ثلثي الثمن .
يونس بن بكير : حدثنا السري بن إسماعيل ، عن الشعبي قال : وفد أبو موسى وفدا من البصرة إلى عمر ، منهم الأحنف بن قيس ، فتكلم كل رجل في خاصة نفسه ، وكان الأحنف في آخر القوم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يا أمير المؤمنين ، فإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه ، وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر وأصحابه ، وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار والجنان ، وفي مثل عين البعير وكالحوار في السلى تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلغ ، وإن أهل البصرة نزلوا في أرض سبخة ، زعقة ، [ ص: 90 ] نشاشة لا يجف ترابها ، ولا ينبت مرعاها ، طرفها في بحر أجاج ، وطرف في فلاة ، لا يأتينا شيء إلا في مثل مريء النعامة ، فارفع خسيستنا وانعش وكيستنا ، وزد في عيالنا عيالا , وفي رجالنا رجالا ، وصغر درهمنا ، وكبر قفيزنا ، ومر لنا بنهر نستعذب منه . فقال عمر : عجزتم أن تكونوا مثل هذا ، هذا والله السيد . قال فما زلت أسمعها بعد . وفي رواية : في مثل حلقوم النعامة .
قال خليفة : توجه ابن عامر إلى خراسان ، وعلى مقدمته الأحنف ، فلقي أهل هراة فهزمهم ، فافتتح ابن عامر أبرشهر صلحا -ويقال عنوة- وبعث الأحنف في أربعة آلاف ، فتجمعوا له مع طوقان شاه فاقتتلوا قتالا شديدا ، فهزم الله المشركين .
قال ابن سيرين : كان الأحنف يحمل ، ويقول :
إن على كل رئيس حقا أن يخضب القناة أو تندقا [ ص: 91 ] وقيل : سار الأحنف إلى بلخ ، فصالحوه على أربع مائة ألف ، ثم أتى خوارزم ، فلم يطقها ، فرجع .
وعن ابن إسحاق ، أن ابن عامر خرج من خراسان معتمرا قد أحرم منها ، وخلف على خراسان الأحنف ، وجمع أهل خراسان جمعا كبيرا ، وتجمعوا بمرو ، فالتقاهم الأحنف فهزمهم ، وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله .
ابن علية : عن أيوب ، عن محمد قال : نبئت أن عمر ذكر بني تميم فذمهم ، فقام الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين ائذن لي ، قال : تكلم . قال : إنك ذكرت بني تميم ، فعممتهم بالذم ; وإنما هم من الناس ، فيهم الصالح والطالح . فقال : صدقت . فقام الحتات -وكان يناوئه- فقال : يا أمير المؤمنين ائذن لي فلأتكلم ، قال : اجلس ، فقد كفاكم سيدكم الأحنف .
روى ابن جدعان ، عن الحسن ، أن عمر كتب إلى أبي موسى : ائذن للأحنف بن قيس وشاوره واسمع منه .
قتادة عن الحسن قال : ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف .
قال ابن المبارك : قيل للأحنف : بم سودوك؟ قال : لو عاب الناس الماء لم أشربه .
وقيل : عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة . وفيه قال الشاعر :
إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ظللن مهابة منه خشوعا وقال خالد بن صفوان : كان الأحنف يفر من الشرف ، والشرف يتبعه .
وقيل للأحنف : إنك كبير ، والصوم يضعفك . قال : إني أعده لسفر طويل . وقيل : كانت عامة صلاة الأحنف بالليل ، وكان يضع أصبعه على [ ص: 92 ] المصباح ، ثم يقول : حس ويقول : ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا يوم كذا .
مسلم بن إبراهيم : حدثنا أبو كعب صاحب الحرير ، حدثنا أبو الأصفر أن الأحنف استعمل على خراسان ، فأجنب في ليلة باردة ، فلم يوقظ غلمانه وكسر ثلجا واغتسل .
وقال عبد الله بن بكر المزني عن مروان الأصفر ، سمع الأحنف يقول : اللهم إن تغفر لي ، فأنت أهل ذاك ، وإن تعذبني فأنا أهل ذاك .
قال مغيرة : ذهبت عين الأحنف فقال : ذهبت من أربعين سنة ما شكوتها إلى أحد .
ابن عون : عن الحسن قال : ذكروا عند معاوية شيئا ، فتكلموا والأحنف ساكت ، فقال : يا أبا بحر ، ما لك لا تتكلم؟ قال : أخشى الله إن كذبت ، وأخشاكم إن صدقت .
وعن الأحنف : عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ! قال سليمان التيمي ، قال الأحنف : ثلاث في ما أذكرهن إلا لمعتبر : ما أتيت باب السلطان إلا أن أدعى ، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما ، وما أذكر أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير .
وعنه : ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور ، إن كان فوقي ، عرفت له ، وإن كان دوني رفعت قدري عنه ، وإن كان مثلي ، تفضلت عليه .
وعنه ، قال : لست بحليم ولكني أتحالم .
[ ص: 93 ] وقيل : إن رجلا خاصم الأحنف ، وقال : لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا . فقال : لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة .
وقيل : إن رجلا قال للأحنف : بم سدت؟ وأراد أن يعيبه- قال الأحنف : بتركي من ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك .
الأصمعي : عن معتمر بن حيان ، عن هشام بن عقبة أخي ذي الرمة ، قال : شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم ، فتكلم فيه ، وقال : احتكموا . قالوا : نحتكم ديتين قال : ذاك لكم . فلما سكتوا قال : أنا أعطيكم ما سألتم ، فاسمعوا : إن الله قضى بدية واحدة ، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بدية واحدة ، وإن العرب تعاطى بينها دية واحدة ، وأنتم اليوم تطالبون ، وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين ، فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم ، قالوا : ردها إلى دية .
عن الأحنف : ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة : شريف من دنيء ، وبر من فاجر ، وحليم من أحمق .
وقال : من أسرع إلى الناس بما يكرهون ، قالوا فيه ما لا يعلمون .
وعنه وسئل : ما المروءة؟ قال : كتمان السر ، والبعد من الشر .
وعنه : الكامل من عدت سقطاته .
وعنه قال : رأس الأدب آلة المنطق ، لا خير في قول بلا فعل ، ولا في منظر بلا مخبر ، ولا في مال بلا جود ، ولا في صديق بلا وفاء ، ولا في فقه بلا ورع ، ولا في صدقة إلا بنية ، ولا في حياة إلا بصحة وأمن .
[ ص: 94 ] وعنه : العتاب مفتاح الثقالى ، والعتاب خير من الحقد .
هشام : عن الحسن ، قال : رأى الأحنف في يد رجل درهما ، فقال : لمن هذا؟ قال : لي : قال : ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر , وتمثل :
أنت للمال إذا أمسكته وإذا أنفقته فالمال لك وقيل : كان الأحنف إذا أتاه رجل وسع له ; فإن لم يكن له سعة أراه كأنه يوسع له .
وعنه قال : جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام ; إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه .
وقيل : إنه كلم مصعبا في محبوسين وقال : أصلح الله الأمير ، إن كانوا حبسوا في باطل ، فالعدل يسعهم ، وإن كانوا حبسوا في حق ، فالعفو يسعهم .
وعنه ، قال : لا ينبغي للأمير الغضب ; لأن الغضب في القدرة لقاح السيف والندامة .
الأصمعي ، قال : عبد الملك بن عمير ، قال : قدم علينا الأحنف الكوفة مع مصعب ، فما رأيت صفة تذم إلا رأيتها فيه ، كان ضئيلا ، صعل الرأس ، متراكب الأسنان ، مائل الذقن ، ناتئ الوجنة ، باخق العين ، خفيف العارضين ، أحنف الرجلين ، فكان إذا تكلم ، جلا عن نفسه .
الصعل : صغر الرأس ، والبخق : انخساف العين ، والحنف : أن تفتل كل رجل على صاحبتها .
[ ص: 95 ] وقيل : كان ملتصق الألية ، فشق له . وقال ابن الأعرابي : الأحنف الذي يمشي على ظهر قدمه .
علي بن عاصم : عن خالد الحذاء ، عن ابن سيرين ، عن الأحنف ، قال : سمعت خطبة أبي بكر وعمر والخلفاء ، فما سمعت الكلام من مخلوق أفخم ولا أحسن من أم المؤمنين عائشة .
وعنه : لا يتم أمر السلطان إلا بالوزراء والأعوان ، ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة ، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفة .
قيل : كان زياد معظما للأحنف ، فلما ولي بعده ابنه عبيد الله تغير أمر الأحنف ، وقدم عليه من هو دونه ، ثم وفد على معاوية في الأشراف فقال لعبيد الله : أدخلهم علي على قدر مراتبهم . فأخر الأحنف ، فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته ، وقال : إلي يا أبا بحر ، وأجلسه معه وأعرض عنهم ، فأخذوا في شكر عبيد الله بن زياد ، وسكت الأحنف . فقال له : لم لا تتكلم؟ قال : إن تكلمت خالفتهم . قال : اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله . فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة . ثم أتوا معاوية بعد ثلاث ، وذكر كل واحد شخصا ، وتنازعوا ، فقال معاوية : ما تقول يا أبا بحر ؟ قال : إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله . فقال : قد أعدته . قال : فخلا معاوية بعبيد الله وقال : كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت !؟ فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف صاحب سره .
عبد الرحمن بن القاسم المصري الفقيه ، عن أبي شريح المعافري ، عن عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة ، قال : حضرت جنازة الأحنف بالكوفة ، [ ص: 96 ] فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته ، رأيته قد فسح له مد بصري ، فأخبرت بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت .
قال أبو عمرو بن العلاء : توفي الأحنف في دار عبيد الله بن أبي غضنفر ، فلما دلي في حفرته ، أقبلت بنت لأوس السعدي وهي على راحلتها عجوز ، فوقفت عليه وقالت : من الموافى به حفرته لوقت حمامه؟ قيل لها : الأحنف بن قيس . قالت : والله لئن كنتم سبقتمونا إلى الاستمتاع به في حياته لا تسبقونا إلى الثناء عليه بعد وفاته . ثم قالت : لله درك من مجن في جنن , ومدرج في كفن ، وإنا لله وإنا إليه راجعون : نسأل من ابتلانا بموتك ، وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك ، وأن يغفر لك يوم حشرك ، أيها الناس ، إن أولياء الله في بلاده هم شهوده على عباده ، وإنا لقائلون حقا ، ومثنون صدقا ، وهو أهل لحسن الثناء ، أما والذي كنت من أجله في عدة ، ومن الحياة في مدة ، ومن المضمار إلى غاية ، ومن الآثار إلى نهاية ، الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك ، لقد عشت مودودا حميدا ، ومت سعيدا فقيدا ، ولقد كنت عظيم الحلم ، فاضل السلم ، رفيع العماد ، واري الزناد ، منيع الحريم ، سليم الأديم ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد .
قال قرة بن خالد : حدثنا أبو الضحاك أنه أبصر مصعبا يمشي في جنازة الأحنف بغير رداء .
قال الفسوي : مات الأحنف سنة سبع وستين . وقال غيره : توفي سنة إحدى وسبعين . وقال جماعة : مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق رحمه الله .
[ ص: 97 ] قلت : قد استقصى الحافظ ابن عساكر ترجمة الأحنف في كراريس .
وطولتها -أنا- في تاريخ الإسلام . رحمه الله تعالى ==============================================أسلم ( ع )
الفقيه ، الإمام أبو زيد ، ويقال : أبو خالد القرشي ، العدوي ، العمري ، مولى عمر بن الخطاب
قيل : هو من سبي عين التمر وقيل : هو يماني ، وقيل : حبشي اشتراه عمر بمكة إذ حج بالناس في العام الذي يلي حجة الوداع ، زمن الصديق .
قال الواقدي : سمعت أسامة بن زيد بن أسلم يقول : نحن قوم من الأشعريين ولكنا لا ننكر منة عمر رضي الله عنه .
حدث عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، ومعاذ ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وكعب الأحبار وابن عمر ، وطائفة .
حدث عنه : ابنه زيد ، والقاسم بن محمد ، ونافع مولى ابن عمر ، ومسلم بن جندب وآخرون .
قال القاسم بن محمد ، عن أسلم ، قال : قدمنا الجابية مع عمر ، فأتينا بالطلاء وهو مثل عقيد الرب .
قلت : هو الدبس المرمل .
حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : اشتراني عمر [ ص: 99 ] سنة اثنتي عشرة ، وهي السنة التي قدم فيها بالأشعث بن قيس أسيرا وأنا أنظر إليه في الحديد ، يكلم أبا بكر وهو يقول له : فعلت وفعلت . حتى كان آخر ذلك أسمع الأشعث يقول : يا خليفة رسول الله ، استبقني لحربك وزوجني أختك ، فمن عليه الصديق ، وزوجه أخته أم فروة ، فولدت له محمد بن الأشعث .
قال جويرية بن أسماء ، عن نافع ، قال : حدثني أسلم مولى عمر الحبشي الأسود -والله ما أريد عيبه - : بلغني أن بنيه يقولون : إنهم عرب .
وعن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : قال ابن عمر : يا أبا خالد ، إني أرى أمير المؤمنين يلزمك لزوما لا يلزمه أحدا من أصحابك ، لا يخرج سفرا إلا وأنت معه ، فأخبرني عنه . قال : لم يكن أولى القوم بالظل ، وكان يرحل رواحلنا ، ويرحل رحله وحده ، ولقد فرغنا ذات ليلة وقد رحل رحالنا ، وهو يرحل رحله ويرتجز :
لا يأخذ الليل عليك بالهم والبسن له القميص واعتم وكن شريك نافع وأسلم واخدم الأقوام حتى تخدم
رواه القعنبي عن يعقوب بن حماد ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه .
زيد بن أسلم ، عن أبيه : كان عمر إذا بعثني إلى بعض ولده قال : لا تعلمه لما أبعث إليه مخافة أن يلقنه الشيطان كذبة . فجاءت امرأة لعبيد الله بن عمر ذات يوم ، فقالت : إن أبا عيسى لا ينفق علي ولا يكسوني . فقال : ويحك ، ومن أبو عيسى ؟ قالت : ابنك . قال : وهل لعيسى من أب؟ فبعثني إليه وقال : لا تخبره . فأتيته وعنده ديك ودجاجة هنديان ، قلت : أجب أباك .
[ ص: 100 ] قال : وما يريد؟ ، قلت : نهاني أن أخبرك . قال : فإني أعطيك الديك والدجاجة . قال فاشترطت عليه أن لا يخبر عمر ، وأخبرته فأعطانيهما . فلما جئت إلى عمر ، قال : أخبرته؟ -فوالله ما استطعت أن أقول لا- فقلت : نعم فقال : أرشاك؟ قلت : نعم ، وأخبرته ، فقبض على يدي بيساره ، وجعل يمصعني بالدرة وأنا أنزو . فقال : إنك لجليد . ثم قال : أتكتني بأبي عيسى ، وهل لعيسى من أب؟
قال أبو عبيد : توفي أسلم سنة ثمانين .
وقال ابن سعد مات في خلافة عبد الملك وقال أبو زرعة : مدني ثقة . ويقال : عاش مائة وأربع عشرة سنة . ولم يصح ذلك ========================شريح بن هانئ ( م ، 4 )
أبو المقدام الحارثي ، المذحجي ، الكوفي ، الفقيه ، الرجل الصالح ، صاحب علي رضي الله عنه .
حدث عن أبيه ، وعلي ، وعمر ، وعائشة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة .
وعنه : ابناه محمد ، والمقدام ، والشعبي ، والقاسم بن مخيمرة ، وحبيب بن أبي ثابت ويونس بن أبي إسحاق .
قال أبو المقدام ( م ) : سألت عائشة عن المسح على الخفين ، فقالت : ائت عليا ; فإنه أعلم بذلك ، وذكر الحديث .
وقد شهد تحكيم الحكمين ، ووفد على معاوية شافعا في كثير بن شهاب ، فأطلقه له .
فعن مجالد ، عن الشعبي ، عن زياد بن النضر ، أن عليا بعث أبا موسى في أربع مائة عليهم شريح بن هانئ ، ومعهم ابن عباس يصلي بهم إلى دومة الجندل .
[ ص: 108 ] قال سليمان بن أبي شيخ ، كان شريح بن هانئ جاهليا إسلاميا ، وهو القائل في إمرة الحجاج أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا والجمع في صفينهم والنهرا ويوم مهران ويوم تسترا ويا جميراوات والمشقرا هيهات ما أطول هذا عمراقال القاسم بن مخيمرة : ما رأيت حارثيا أفضل من شريح بن هانئ .
وقال يحيى بن معين وغيره : ثقة .
قال أبو حاتم السجستاني : عاش شريح بن هانئ مائة وعشرين سنة .
قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن جده هانئ أنه وفد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسمعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكنى أبا الحكم فقال : لم يكنيك هؤلاء أبا الحكم؟ قال : يا رسول الله ، إني أحكم بين قومي في الشيء ، فيرضى هؤلاء وهؤلاء . قال : هل لك من ولد؟ قال : نعم . قال : فما اسم أكبرهم؟ قال : شريح . قال : فأنت أبو شريح .
تابعه بشار بن موسى الخفاف ، عن يزيد بن المقدام ، عن أبيه ، عن جده ، نحوه .
[ ص: 109 ] قال الأثرم : قيل لأبي عبد الله بن حنبل : شريح بن هانئ صحيح الحديث؟ قال : نعم ، هذا متقدم جدا .
قال خليفة بن خياط وفي سنة ثمان وتسعين ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان ، فوجه عبيد الله ابنه أبا برذعة ، فأخذ عليه بالمضيق وقتل شريح بن هانئ ، وأصاب المسلمين ضيق وجوع شديد ، فهلك عامة ذلك الجيش=======================مالك السرايا
الأمير أبو حكيم ، مالك بن عبد الله الخثعمي ، الفلسطيني . يقال : له صحبة ، ولم يصح .
كان من أبطال الإسلام ، قاد جيوش الصوائف أربعين [ ص: 110 ] سنة ، ولما توفي كسر على قبره -فيما قيل- أربعون لواء .
وكان ذا حظ من صيام وقيام وجهاد .
توفي في حدود سنة ستين أو بعدها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق