الأربعاء، 2 مارس 2016

ابن رحضة بن المؤمل . أبو عمرو السلمي ، ثم الذكواني ، المذكوربالبراءة من الإفك .
وفي قصة الإفك ، قال فيه النبي ، صلى الله عليه وسلم : ما علمت إلا خيرا .
وكان يسير في ساقة الجيش ، فمر ، فرأى سواد إنسان ، فقرب ، فإذا هو بأم المؤمنين عائشة ، قد ذهبت لحاجتها ، فانقطع لها عقد ، فردت تفتش عليه ، وحمل الناس ، فحملوا هودجها يظنونها فيه ، وكانت صغيرة ، لها اثنا عشر عاما ، وساروا ، فردت إلى المنزلة ، فلم تلق أحدا ، فقعدت ، [ ص: 546 ] وقالت : سوف يفقدونني . فلما جاء صفوان رآها ، وكان يراها قبل الحجاب ، وكان الحجاب قد نزل من نحو سنة . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! لم ينطق بغيرها . وأناخ بعيره ، وركبها ، وسار يقود بها ، حتى لحق الناس نازلين في المضحى ، فتكلم أهل الإفك ، وجهلوا ، حتى أنزل الله الآيات في براءتها ، ولله الحمد .
وقال صفوان : إن كشفت كنف أنثى قط .
وقد روي له حديثان .
حدث عنه : سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وسعيد المقبري ، وسلام أبو عيسى . وروايتهم عنه مرسلة ، لم يلحقوه فيما أرى ، إن كان مات سنة تسع عشرة .
قال ابن سعد : أسلم صفوان بن المعطل قبل المريسيع . وكان على ساقة النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى أن قال : مات بسميساط في آخر خلافة معاوية حدثني بذلك محمد بن عمر .
وقال خليفة : مات بناحية سميساط من الجزيرة ، وقبره هناك . [ ص: 547 ]
القواريري ، وعلي بن حجر : حدثنا عبد الله بن جعفر المديني : أخبرنا محمد بن يوسف ، عن عبد الله بن الفضل ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن صفوان بن المعطل السلمي ، قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سفر ، فرمقت صلاته ليلة ، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ، فلما كان نصف الليل ، استنبه ، فتلا العشر من آخر آل عمران ، ثم نام ، ثم قام ، ثم تسوك ، ثم توضأ ، وصلى ركعتين ، فلا أدري : أقيامه أم ركوعه أم سجوده كان أطول ; ثم انصرف ، فنام ، ثم استيقظ ، فتلا ذلك العشر ، ثم تسوك ، وتوضأ ، وصلى ركعتين .
قال : فلم يزل يفعل كما فعل أول مرة ; حتى صلى إحدى عشرة ركعة .
وبإسناد غير متصل في " تاريخ دمشق " : أن صفوان بن المعطل حمل بداريا على رجل من الروم عليه حلية الأعاجم ، فطعنه ، فصرعه ، فصاحت امرأته ، وأقبلت نحوه ، فقال صفوان : ولقد شهدت الخيل يسطع نقعها ما بين داريا دمشق إلى نوى فطعنت ذا حلي فصاحت عرسه يا بن المعطل ما تريد بما أرى فأجبتها أني سأترك بعلها بالدير منعفر المضاحك بالثرى وإذا عليه حلية فشهرتها إني كذلك مولع بذوي الحلى[ ص: 548 ]
وفي " مسند " الهيثم بن كليب ، من طريق عامر بن صالح بن رستم عن أبيه عن الحسن عن سعد مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال :
شكي صفوان بن المعطل إلى رسول الله ، قال : وكان يقول هذا الشعر .
فقال : دعوا صفوان ، فإنه خبيث اللسان طيب القلب .
وفيه ، عن سعد ، قال : وكنا في مسير لنا ، ومعنا تمر ، فجاءني صفوان بن المعطل ، فقال : أطعمني من ذلك التمر . قلت : إنما هو تمر قليل ، ولست آمن أن يدعو به - أظنه أراد النبي - صلى الله عليه وسلم- فإذا نزلوا ، فأكلوا ، أكلت معهم . قال : أطعمني ، فقد أصابني الجهد . فلم يزل بي حتى أخذ السيف ، فعقر الراحلة . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال : قولوا لصفوان : فليذهب .
فلما نزلوا ، لم يبت تلك الليلة ، يطوف في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- حتى أتى عليا ، فقال : أين أذهب ؟ أذهب إلى الكفر! فدخل علي على رسول الله ، فقال : إن هذا لم يدعنا نبيت هذه الليلة ، قال : أين يذهب ؟ إلى الكفر ؟ قال : قولوا لصفوان : فليلحق . .
روى نحوه القواريري ، عن سليم بن أخضر ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن صاحب زاد النبي - صلى الله عليه وسلم- نحوه .
عروة ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- في قصة الإفك حمد الله ، ثم قال : [ ص: 549 ] أما بعد : أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي ، وايم الله إن علمت على أهلي من سوء قط ، وأبنوهم بمن والله إن علمت عليه سوءا قط .
ابن يونس : أخبرنا يونس ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن صفوان بن المعطل ، قال : ضرب حسان بن ثابت بالسيف في هجاء هجاه به ، فأتى حسان النبي - صلى الله عليه وسلم- فاستعداه عليه . فلم يقده منه ، وعقل له جرحه ، وقال : إنك قلت قولا سيئا .
رواه معمر ، فلم يذكر ابن المسيب .
قلت : الذي قاله حسان : أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

فغضب صفوان ، وقال : يعرض بي! ووقف له ليلة ، حتى مر حسان ، فيضربه بالسيف ضربة كشط جلدة رأسه . فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم- حسان ، ورفق به ، حتى عفا ; فأعطاه - صلى الله عليه وسلم- سيرين أخت مارية لعفوه ، فولدت له ابنه عبد الرحمن .
وقد روي : أن صفوان شكته زوجته أنه ينام حتى تطلع الشمس . فسأله [ ص: 550 ] النبي - صلى الله عليه وسلم- عن ذلك . فقال : إنا أهل بيت معروفون بذلك .
فهذا بعيد من حال صفوان أن يكون كذلك ، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم- على ساقة الجيش : فلعله آخر باسمه .
قال الواقدي : مات صفوان بن المعطل سنة ستين بسميساط .
وقال خليفة : مات بالجزيرة . وكان على ساقة النبي - صلى الله عليه وسلم- وكان شاعرا .
وقال ابن إسحاق : قتل في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة قال : وكان أحد الأمراء يومئذ .
قلت : فهذا تباين كثير في تاريخ موته ، فالظاهر أنهما اثنان . والله أعلم=============أبو جهم بن حذيفة القرشي
العدوي ، المذكور في قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : اذهبوا بهذه الخميصة ، وائتوني بأنبجانية أبي جهم .
قيل : اسمه : عبيد . وهو من مسلمة الفتح .
وكان ممن بنى البيت في الجاهلية ، ثم عمر حتى بنى فيه مع ابن الزبير . وبين العمارتين أزيد من ثمانين سنة . وكان علامة بالنسب ، أحضر [ ص: 557 ] يوم الحكمين . وبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم- مرة مصدقا . ولا رواية له .
وكان قوي النفس . سر بمصاب عمر ; لكونه أخافه ، وكف من بسط لسانه ، رضي الله عنه .
وهو الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس ، إذ خطبها : أما أبو جهم ، فإنه ضراب للنساء ، وأما معاوية فصعلوك .
ولما وفد على معاوية ، أقعده معه على السرير ، ووصله بمائة ألف ، فاستقلها .===========صفوان بن أمية ( م ، 4 )
ابن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب [ ص: 563 ] بن لؤي بن غالب ، القرشي الجمحي المكي .
أسلم بعد الفتح ، وروى أحاديث ، وحسن إسلامه ، وشهد اليرموك أميرا على كردوس .
ويقال : إنه وفد على معاوية ، وأقطعه زقاق صفوان .
حدث عنه : ابنه عبد الله ، وابن أخته حميد . وسعيد بن المسيب . وطاوس ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وعطاء بن أبي رباح ; وجماعة .
وكان من كبراء قريش . قتل أبوه مع أبي جهل .
مالك ، عن ابن شهاب ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان : أن صفوان - يعني جده- قيل له : من لم يهاجر هلك . فقدم المدينة ، فنام في المسجد ، وتوسد رداءه ، فجاء سارق ، فأخذه . فأخذ صفوان السارق ، فجاء به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأمر به أن يقطع . فقال صفوان : إني لم أرد هذا ، هو عليه صدقة ، قال : فهلا قبل أن تأتيني به . [ ص: 564 ]
محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن صفوان بن عبد الله ، عن أبيه ، قال - يعني أباه- : أتيت ، فقلت : يا رسول الله ، من لم يهاجر هلك ؟ قال : لا ، يا أبا وهب ، فارجع إلى أباطح مكة .
قلت : ثبت قوله ، صلى الله عليه وسلم : لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية .
وخرج الترمذي من حديث ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم أحد : اللهم العن أبا سفيان ! اللهم العن الحارث بن هشام ! اللهم العن صفوان بن أمية ! .
فنزلت : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم فتاب عليهم ، فأسلموا ، فحسن إسلامهم .
قلت : أحسنهم إسلاما الحارث .
وروى الزهري ، عن بعض آل عمر ، عن عمر : أنه لما كان يوم الفتح ، أرسل رسول الله إلى صفوان بن أمية ، وأبي سفيان ، والحارث بن [ ص: 565 ] هشام . قال عمر : فقلت : لئن أمكنني الله منهم ، لأعرفنهم . حتى قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثلكم ، كما قال يوسف لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم فانفضخت حياء من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
مالك ، عن ابن شهاب : بلغه أن نساء كن أسلمن ، وأزواجهن كفار ، منهن بنت الوليد بن المغيرة ، وكانت تحت صفوان بن أمية ، فأسلمت يوم الفتح ، وهرب هو . فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ابن عمه بردائه أمانا لصفوان ، ودعاه إلى الإسلام وأن يقدم ، فإن رضي أمرا ; وإلا سيره شهرين .
فلما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم- ناداه على رءوس الناس : يا محمد ، هذا جاءني بردائك ، ودعوتني إلى القدوم عليك ، فإن رضيت ، وإلا سيرتني شهرين . فقال : انزل أبا وهب . فقال : لا والله حتى تبين لي . قال : لك تسيير أربعة أشهر .
فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قبل هوازن بحنين ; فأرسل إلى صفوان يستعيره أداة وسلاحا كان عنده . فقال : طوعا أو كرها ؟ قال : لا ، بل طوعا .
ثم خرج معه كافرا ، فشهد حنينا والطائف كافرا ، وامرأته مسلمة ; فلم يفرق بينهما حتى أسلم ، واستقرت عنده بذلك النكاح .
وفي " مغازي " ابن عقبة : فر صفوان عامدا للبحر ، وأقبل عمير بن وهب بن خلف ، إلى رسول الله ، فسأله أمانا لصفوان ، وقال : قد هرب ، [ ص: 566 ] وأخشى أن يهلك ، وإنك قد أمنت الأحمر والأسود . قال : أدرك ابن عمك فهو آمن .
وعن ابن الزبير : أن صفوان أعار النبي - صلى الله عليه وسلم- مائة درع بأداتها ، فأمره رسول الله بحملها إلى حنين ، إلى أن رجع النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى الجعرانة .
فبينا هو يسير ينظر إلى الغنائم ، ومعه صفوان ، فجعل ينظر إلى شعب ملأى نعما وشاء ورعاء ; فأدام النظر ، ورسول الله يرمقه ، فقال : أبا وهب ، يعجبك هذا ؟ قال : نعم . قال : هو لك . فقال : ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي ! أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله .
وروى الواقدي ، عن رجاله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم- استقرض من صفوان بن أمية بمكة خمسين ألفا فأقرضه .
شريك ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، عن أمية بن صفوان ، عن أبيه ، أن النبي استعار منه أدرعا ، فهلك بعضها . فقال : إن شئت ، غرمتها لك ؟ قال : لا ، أنا أرغب في الإسلام من ذلك . [ ص: 567 ]
الزهري ، عن ابن المسيب ، عن صفوان ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم- فأعطاني ، فما زال يعطيني ، حتى إنه لأحب الخلق إلي .
وعن أبي الزناد ، قال : اصطف سبعة يطعمون الطعام ، وينادون إليه كل يوم : عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة ، وآباؤه .
وقيل : كان إلى صفوان الأزلام في الجاهلية ، وكان سيد بني جمح .
وقال أبو عبيدة : قالوا : إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية ، إلى أن صار له قنطار من الذهب ، وكذلك أبوه .
قال الهيثم ، والمدائني : توفي سنة إحدى وأربعين===============عبد الرحمن بن سمرة ( ع )
ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، أبو سعيد القرشي العبشمي الأمير .
كذا نسبه هشام بن الكلبي ، وابن معين ، والبخاري ، وأبو عبيد ، وجماعة .
وزاد في نسبه الزبير بن بكار ، وعمه مصعب ، فقالا : ابن سمرة بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس .
أسلم عبد الرحمن يوم الفتح ، وكان أحد الأشراف .
نزل البصرة ، وغزا سجستان أميرا على الجيش .
وهو الذي قال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا عبد الرحمن ، لا تسأل [ ص: 572 ] الإمارة .
حدث عنه : ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى . وحيان بن عمير ، وابن سيرين ، والحسن ، وأخوه سعيد بن أبي الحسن ، وحميد بن هلال .
وقيل : كان اسمه عبد كلال ، فغيره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
وله في " مسند " بقي أربعة عشر حديثا .
مات بالبصرة سنة خمسين . وقيل : توفي سنة إحدى وخمسين===========أبو واقد الليثي ( ع )
صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم- سماه البخاري وغيره : الحارث بن عوف . [ ص: 575 ]
وقال البخاري وأبو أحمد الحاكم شهد بدرا .
وله عدة أحاديث .
وحدث أيضا عن أبي بكر ، وعمر .
وشهد الفتح ، وسكن مكة .
حدث عنه : عطاء بن يسار ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عتبة ، وبسر بن سعيد ، وأبو مرة ، مولى عقيل .
عداده في أهل المدينة . وعاش خمسا وسبعين ، فيما قيل .
والظاهر أنه عاش نحوا من ثمانين سنة ; إن كان شهد بدرا . فالله أعلم .
قال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : حدثني أبي ، عن رجل من مازن ، عن أبي واقد ، قال : إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر ، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أن غيري قتله .
إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي : أن أبا واقد الليثي أسلم يوم الفتح .
قلت : على هذا يكون أبو واقد صحابيين . [ ص: 576 ] قال يحيى بن بكير ، والفلاس : توفي أبو واقد الليثي سنة ثمان وستين .
وقال الواقدي : توفي سنة خمس وستين .
قلت : حديثه في الكتب الستة==========معقل بن سنان الأشجعي ( 4 )
له صحبة ، ورواية . حمل لواء أشجع يوم الفتح وهو راوي قصة [ ص: 577 ] بروع .
حدث عنه : مسروق ، وعلقمة ، والأسود ، وسالم بن عبد الله ، والحسن البصري ; وغيرهم .
وكان يكون بالكوفة ، فوفد على يزيد ، فرأى منه أمورا منكرة ، فسار إلى المدينة ، وخلع يزيد .
وكان من كبار أهل الحرة .
قيل : كنيته : أبو سنان ، وقيل : أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو محمد ، وقيل : أبو يزيد .
أسر ، فذبح صبرا يوم الحرة - رضي الله عنه- وله نيف وسبعون سنة . قتل في سنة ثلاث وستين============أبو بكرة الثقفي الطائفي ( ع )
مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمه نفيع بن الحارث ، وقيل : نفيع بن مسروح .
تدلى في حصار الطائف ببكرة ، وفر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم على يده ، وأعلمه أنه عبد ، فأعتقه .
روى جملة أحاديث .
حدث عنه بنوه الأربعة : عبيد الله ، وعبد الرحمن ، وعبد العزيز ، ومسلم ، وأبو عثمان النهدي ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، [ ص: 6 ] وعقبة بن صهبان ، وربعي بن حراش ، والأحنف بن قيس ، وغيرهم . سكن البصرة . وكان من فقهاء الصحابة ووفد على معاوية ، وأمه سمية ، فهو أخو زياد بن أبيه لأمه .
قال ابن المديني : اسمه نفيع بن الحارث ، وكذا سماه ابن سعد . قال ابن عساكر أبو بكرة بن الحارث بن كلدة بن عمرو . وقيل : كان عبدا للحارث بن كلدة ، فاستلحقه ، وسمية : هي مولاة الحارث ، تدلى من الحصن ببكرة ، فمن يومئذ كني بأبي بكرة .
وممن روى عنه : ولداه رواد ، وكيسة . وكان أبو بكرة ينكر أنه ولد الحارث ، ويقول : أنا أبو بكرة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أبى الناس إلا أن ينسبوني ، فأنا نفيع بن مسروح .
وقصة عمر مشهورة في جلده أبا بكرة ونافعا ، وشبل بن معبد ، لشهادتهم على المغيرة بالزنى ، ثم استتابهم ، فأبى أبو بكرة أن يتوب ، وتاب الآخران . فكان إذا جاءه من يشهده يقول : قد فسقوني .
[ ص: 7 ] قال البيهقي إن صح هذا ، فلأنه امتنع من التوبة من قذفه ، وأقام على ذلك . قلت : كأنه يقول : لم أقذف المغيرة ، وإنما أنا شاهد ، فجنح إلى الفرق بين القاذف والشاهد ، إذ نصاب الشهادة لو تم بالرابع ، لتعين الرجم ، ولما سموا قاذفين .
قال أبو كعب صاحب الحرير حدثنا عبد العزيز بن أبي بكرة ، أن أباه تزوج امرأة ، فماتت ، فحال إخوتها بينه وبين الصلاة عليها ، فقال : أنا أحق بالصلاة عليها ، قالوا : صدق صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه دخل القبر ، فدفعوه بعنف ، فغشي عليه ، فحمل إلى أهله ، فصرخ عليه عشرون من ابن وبنت ، وأنا أصغرهم ، فأفاق ، فقال : لا تصرخوا فوالله ما من نفس تخرج أحب إلي من نفسي ، ففزع القوم ، وقالوا : لم يا أبانا ؟ قال : إني أخشى أن أدرك زمانا لا أستطيع أن آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر ، وما خير يومئذ . هذا من معجم الطبراني .
ابن مهدي : حدثنا أبو خشينة ، عن عمه الحكم بن الأعرج ، قال : جلب رجل خشبا ، فطلبه زياد ، فأبى أن يبيعه ، فغصبه إياه ، وبنى صفة مسجد البصرة . قال : فلم يصل أبو بكرة فيها حتى قلعت . ابن إسحاق : عن الزهري ، عن سعيد ، أن عمر جلد أبا بكرة ، ونافع [ ص: 8 ] ابن الحارث ، وشبلا ، فتابا فقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة ، فلم يقبل شهادته وكان أفضل القوم .
سفيان بن عيينة عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه قال : لما جلد أبو بكرة ، أمرت جدتي أم كلثوم بنت عقبة بشاة فسلخت ثم ألبس مسكها فهل ذا إلا من ضرب شديد ؟
بقية : عن سليمان الأنصاري ، عن الحسن ، عن الأحنف ، قال : بايعت عليا - رضي الله عنه - فرآني أبو بكرة وأنا متقلد السيف ، فقال : ما هذا يا ابن أخي ؟ قلت : بايعت عليا . قال : لا تفعل ، إنهم يقتتلون على الدنيا ; وإنما أخذوها بغير مشورة .
هوذة : حدثنا عوف ، عن أبي عثمان النهدي قال : كنت خليلا لأبي بكرة ، فقال لي : أيرى الناس أني إنما عتبت على هؤلاء للدنيا وقد استعملوا ابني عبيد الله على فارس ، واستعملوا روادا على دار الرزق ، [ ص: 9 ] واستعملوا عبد الرحمن على بيت المال ; أفليس في هؤلاء دنيا ؟ إني إنما عتبت عليهم لأنهم كفروا .
هوذة : وحدثنا هشام ، عن الحسن ، قال : مر بي أنس ، وقد بعثه زياد بن أبيه إلى أبي بكرة يعاتبه ، فانطلقت معه ، فدخلنا عليه ، وهو مريض ، وذكر له أنه استعمل أولاده ، فقال : هل زاد على أنه أدخلهم النار؟ فقال أنس : إني لا أعلمه إلا مجتهدا . قال : أهل حروراء اجتهدوا ، أفأصابوا أم أخطأوا ؟ فرجعنا مخصومين .
ابن علية : عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : لما اشتكى أبو بكرة ، عرض عليه بنوه أن يأتوه بطبيب ، فأبى ، فلما نزل به الموت ، قال : أين طبيبكم ؟ ليردها إن كان صادقا ! وقيل : إن أبا بكرة أوصى ، فكتب في وصيته : هذا ما أوصى به نفيع الحبشي ، وساق الوصية . قال أبو سعد مات أبو بكرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالبصرة . فقيل : مات سنة إحدى وخمسين وقيل : مات سنة اثنتين وخمسين قاله خليفة بن خياط وصلى عليه أبو برزة الأسلمي الصحابي .
[ ص: 10 ] وروينا عن الحسن البصري قال : لم ينزل البصرة أفضل من أبي بكرة ، وعمران بن حصين .
مغيرة : عن شباك ، عن رجل ; أن ثقيفا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إليهم أبا بكرة عبدا ، فقال : لا ، هو طليق الله وطليق رسوله .
يزيد بن هارون : أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن ، أخبرني أبي ، أنه رأى أبا بكرة - رضي الله عنه - عليه مطرف خز سداه حرير ============شيبة بن عثمان ( خ ، د ، ق )
ابن أبي طلحة ، عبد الله بن عبد العزى القرشي العبدري المكي الحجبي حاجب الكعبة - رضي الله عنه .
كان مشاركا لابن عمه عثمان الحجبي في سدانة بيت الله - تعالى - . وهو أبو صفية ، وقيل : كنيته أبو عثمان ، وكان مصعب بن عمير العبدري الشهيد خاله . وحجبة البيت بنو شيبة من ذريته . قتل أبوه يوم أحد كافرا ، قتله علي - رضي الله عنه .
[ ص: 13 ] فلما كان عام الفتح ، من النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيبة وأمهله ، وخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين على شركه . وقيل : إنه نوى أن يغتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم من الله عليه بالإسلام وحسن إسلامه ، وقاتل يوم حنين وثبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم . وحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر ، وعمر .
روى عنه ابناه : مصعب بن شيبة ، وصفية بنت شيبة ، وأبو وائل ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وحفيده مسافع بن عبد الله بن شيبة . وله حديث في " صحيح البخاري " عن عمر بن الخطاب وروى له أيضا أبو داود وابن ماجه . وكانت وفاته في سنة تسع وخمسين وقيل : في سنة ثمان وخمسين بمكة . وصفية بنته ولدت في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال : لها صحبة ، ولم يثبت ذلك ===============ثوبان النبوي ( م ، 4 )
مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبي من أرض الحجاز ، فاشتراه النبي - صلى الله عليه وسلم - .
[ ص: 16 ] وأعتقه ، فلزم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه ، وحفظ عنه كثيرا من العلم ، وطال عمره ، واشتهر ذكره . يكنى أبا عبد الله ، ويقال : أبا عبد الرحمن . وقيل : هو يماني . واسم أبيه جحدر ، وقيل : بجدد .
حدث عنه : شداد بن أوس ، وجبير بن نفير ، ومعدان بن طلحة ، وأبو الخير اليزني ، وأبو أسماء الرحبي ، وأبو إدريس الخولاني ، وأبو كبشة السلولي ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وخالد بن معدان ، وراشد بن سعد . نزل حمص . وقال مصعب الزبيري : سكن الرملة ، وله بها دار ولم يعقب . وكان من ناحية اليمن . وقال ابن سعد نزل حمص ، وله بها دار ، وبها مات سنة أربع وخمسين يذكرون أنه من حمير . وذكر عبد الصمد بن سعيد في تاريخ حمص : أنه من ألهان وقبض بحمص ، وداره بها حبسا على فقراء ألهان . وقال ابن يونس : شهد فتح مصر ، واختط بها .
[ ص: 17 ] وقال ابن منده : له بحمص دار ، وبالرملة دار ، وبمصر دار . عاصم الأحول : عن أبي العالية ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من تكفل لي أن لا يسأل أحدا شيئا وأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان : أنا . فكان لا يسأل أحدا شيئا .
إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، قال شريح بن عبيد : مرض ثوبان بحمص ، وعليها عبد الله بن قرط فلم يعده ، فدخل على ثوبان رجل يعوده ، فقال له ثوبان : أتكتب ؟ قال : نعم . قال : اكتب ، فكتب : للأمير عبد الله بن قرط ، من ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بعد : فإنه لو كان لموسى وعيسى مولى بحضرتك لعدته . فأتي بالكتاب ، فقرأه ، وقام فزعا . قال الناس : ما شأنه أحضر أمر ؟ فأتاه ، فعاده ، وجلس عنده ساعة ، ثم قام ، فأخذ ثوبان بردائه ، وقال : اجلس حتى أحدثك ; سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب ، مع كل ألف سبعون ألفا .
أخرجه أحمد في " مسنده " . [ ص: 18 ] عن ثور بن يزيد ، أن ثوبان مات بحمص سنة أربع وخمسين==================المغيرة بن شعبة ( ع )
ابن أبي عامر بن مسعود بن معتب . الأمير أبو عيسى ، ويقال : أبو عبد الله ، وقيل : أبو محمد . من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة شهد بيعة الرضوان . كان رجلا طوالا مهيبا ، ذهبت عينه يوم اليرموك ، وقيل : يوم القادسية .
روى مغيرة بن الريان ، عن الزهري ، قالت عائشة : كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها ، فذهبت عينه .
[ ص: 22 ] قال ابن سعد كان المغيرة أصهب الشعر جدا ، يفرق رأسه فروقا أربعة ، أقلص الشفتين . مهتوما ، ضخم الهامة ، عبل الذراعين ، بعيد ما بين المنكبين . وكان داهية ، يقال له : مغيرة الرأي . وعن الشعبي : أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسا . حدث عنه بنوه : عروة ، وحمزة ، وعقار ، والمسور بن مخرمة ، وأبو أمامة الباهلي ، وقيس بن أبي حازم ، ومسروق ، وأبو وائل ، وعروة بن الزبير ، والشعبي ، وأبو إدريس الخولاني ، وعلى بن ربيعة الوالبي ، وطائفة خاتمتهم زياد بن علاقة .
الوليد بن مسلم : أخبرنا أبو النضر ، حدثنا يونس بن ميسرة ، سمع أبا إدريس قال : قدم المغيرة بن شعبة دمشق ، فسألته ، فقال : وضأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فمسح على خفيه .
معمر ، عن الزهري قال : كان دهاة الناس في الفتنة خمسة ، فمن قريش : عمرو ، ومعاوية . ومن الأنصار : قيس بن سعد . ومن ثقيف : [ ص: 23 ] المغيرة . ومن المهاجرين : عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي . فكان مع علي قيس وابن بديل ، واعتزل المغيرة بن شعبة . زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن المغيرة قال : كناني النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي عيسى .
وروى حبيب بن الشهيد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ; أن عمر قال لابنه عبد الرحمن : ما أبو عيسى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ! اكتنى بها المغيرة بن شعبة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم . حماد بن سلمة ، عن زيد بن أسلم ; أن عمر غير كنية المغيرة بن شعبة ، وكناه أبا عبد الله وقال : هل لعيسى من أب ؟ وعن أبي موسى الثقفي قال : كان المغيرة رجلا طوالا ، أعور ، أصيبت عينه يوم اليرموك . [ ص: 24 ] وعن غيره : ذهبت عينه يوم القادسية ، وقيل : بالطائف ، ومر أنها ذهبت من كسوف الشمس .
وروى الواقدي ; عن محمد بن يعقوب بن عتبة ، عن أبيه ، وعن جماعة قالوا : قال المغيرة بن شعبة : كنا متمسكين بديننا ونحن سدنة اللات ، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم . فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس وإهداء هدايا له ، فأجمعت الخروج معهم ، فاستشرت عمي عروة بن مسعود ، فنهاني ، وقال : ليس معك من بني أبيك أحد ، فأبيت ، وسرت معهم ، وما معهم من الأحلاف غيري ; حتى دخلنا الإسكندرية ، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر ، فركبت زورقا حتى حاذيت مجلسه ، فأنكرني ، وأمر من يسألني ، فأخبرته بأمرنا وقدومنا ، فأمر أن ننزل في الكنيسة ، وأجرى علينا ضيافة ، ثم أدخلنا عليه ، فنظر إلى رأس بني مالك ، فأدناه ، وأجلسه معه ، ثم سأله ، أكلكم من بني مالك ؟
قال : نعم ، سوى رجل واحد ، فعرفه بي . فكنت أهون القوم عليه ، وسر بهداياهم ، وأعطاهم الجوائز ، وأعطاني شيئا لا ذكر له . وخرجنا ، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم ، ولم يعرض علي أحد منهم مواساة ، وخرجوا ، وحملوا معهم الخمر ، فكنا نشرب ، فأجمعت على قتلهم ، فتمارضت ، وعصبت رأسي ، فوضعوا شرابهم ، فقلت : رأسي يصدع ولكني أسقيكم ، فلم ينكروا ، فجعلت أصرف لهم وأترع لهم الكأس ، فيشربون ولا يدرون ، حتى ناموا سكرا ، فوثبت ، وقتلتهم جميعا ، وأخذت ما معهم . فقدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجده جالسا في المسجد مع أصحابه ، وعلي ثياب سفري ، فسلمت ، فعرفني أبو بكر ; [ ص: 25 ] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الحمد لله الذي هداك للإسلام ، قال أبو بكر : أمن مصر أقبلتم ؟ قلت : نعم ، قال : ما فعل المالكيون ؟ قلت : قتلتهم ، وأخذت أسلابهم ، وجئت بها إلى رسول الله ليخمسها . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما إسلامك فنقبله ، ولا آخذ من أموالهم شيئا ، لأن هذا غدر ، ولا خير في الغدر . فأخذني ما قرب وما بعد ، وقلت : إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ، ثم أسلمت الساعة ، قال : فإن الإسلام يجب ما كان قبله .
وكان قتل منهم ثلاثة عشر فبلغ ثقيفا بالطائف ، فتداعوا للقتال ، ثم اصطلحوا على أن يحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية . وأقمت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اعتمر عمرة الحديبية ، فكانت أول سفرة خرجت معه فيها . وكنت أكون مع الصديق وألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن يلزمه .
قال : وبعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكلمه ، فأتاه ، فكلمه ، وجعل يمس لحيته ، وأنا قائم على رأس رسول الله مقنع في الحديد ، فقال المغيرة لعروة : كف يدك قبل أن لا تصل إليك ، فقال : من ذا يا محمد ؟ ما أفظه وأغلظه ، قال : ابن أخيك ، فقال : يا غدر ، والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس .
[ ص: 26 ] ابن إسحاق ، عن عامر بن وهب ، قال : خرج المغيرة في ستة من بني مالك إلى مصر تجارا ، حتى إذا كانوا ببزاق عدا عليهم ، فذبحهم ، واستاق العير ، وأسلم .
هشيم : حدثنا مجالد عن الشعبي عن المغيرة ، قال : أنا آخر الناس عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دفن خرج علي بن أبي طالب من القبر ، فألقيت خاتمي ، فقلت : يا أبا الحسن ، خاتمي ! قال : انزل فخذه ، قال : فمسحت يدي على الكفن ، ثم خرجت .
ورواه محاضر عن عاصم الأحول ، عن الشعبي . قال الواقدي : حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه ، عن جده : قال علي لما ألقى المغيرة خاتمه : لا يتحدث الناس أنك نزلت في قبر نبي الله ، ولا يتحدثون أن خاتمك في قبره ، ونزل علي ، فناوله إياه . حسين بن حفص ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ; أن عمر استعمل المغيرة بن شعبة على البحرين ، فكرهوه ، فعزله عمر ، فخافوا أن يرده . فقال دهقانهم إن فعلتم ما آمركم لم يرده علينا . قالوا : مرنا . قال : تجمعون مائة ألف حتى أذهب بها إلى عمر ، فأقول : إن المغيرة اختان هذا ، فدفعه إلي . قال : فجمعوا له مائة ألف ، وأتى عمر ، فقال ذلك . فدعا المغيرة ، فسأله ، قال : كذب أصلحك الله ، إنما كانت مائتي ألف ، قال : فما حملك على هذا ؟ قال : العيال والحاجة . فقالعمر [ ص: 27 ] للعلج : ما تقول ؟ قال : لا والله لأصدقنك ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا . فقال عمر للمغيرة : ما أردت إلى هذا ؟ قال : الخبيث كذب علي ، فأحببت أن أخزيه .
سلمة بن بلال ، عن أبي رجاء العطاردي قال : كان فتح الأبلة على يد عتبة بن غزوان ، فلما خرج إلى عمر ، قال للمغيرة بن شعبة : صل بالناس . فلما هلك عتبة ، كتب عمر إلى المغيرة بإمرة البصرة ، فبقي عليها ثلاث سنين .
عبد الوهاب بن عطاء : أخبرنا سعيد ، عن قتادة ; أن أبا بكرة ، ونافع بن الحارث وشبل بن معبد ، شهدوا على المغيرة أنهم رأوه يولجه ويخرجه ، وكان زياد رابعهم ، وهو الذي أفسد عليهم . فأما الثلاثة فشهدوا ، فقال أبو بكرة : والله لكأني بأير جدري في فخذها . فقال عمر حين رأى زيادا : إني لأرى غلاما لسنا ، لا يقول إلا حقا ، ولم يكن ليكتمني ، فقال : لم أر ما قالوا ، لكني رأيت ريبة ، وسمعت نفسا عاليا . فجلدهم عمر ، وخلاه . وهو زياد بن أبيه . ذكر القصة سيف بن عمر ، وأبو حذيفة النجاري مطولة بلا سند .
[ ص: 28 ] وقال أبو عتاب الدلال : حدثنا أبو كعب صاحب الحرير ، عن عبد العزيز بن أبي بكرة قال : كنا جلوسا وأبو بكرة وأخوه نافع ، وشبل ، فجاء المغيرة ، فسلم على أبي بكرة ، فقال : أيها الأمير ! ما أخرجك من دار الإمارة ؟ قال : أتحدث إليكم . قال : بل تبعث إلى من تشاء . ثم دخل ، فأتى باب أم جميل العشية ، فدخل . فقال أبو بكرة : ليس على هذا صبر . وقال لغلام : ارتق غرفتي ، فانظر من الكوة . فانطلق ، فنظر وجاء ، فقال : وجدتهما في لحاف ، فقال للقوم : قوموا معي ، فقاموا ، فنظر أبو بكرة فاسترجع ، ثم قال لأخيه : انظر ; فنظر ، فقال : رأيت الزنا محضا ؟ قال : وكتب إلى عمر بما رأى ، فأتاه أمر فظيع . فبعث على البصرة أبا موسى ، وأتوا عمر ، فشهدوا حتى قدموا زيادا ، فقال : رأيتهما في لحاف واحد ، وسمعت نفسا عاليا ولا أدري ما وراءه . فكبر عمر ، وضرب القوم إلا زيادا . شعبة ، عن مغيرة ، عن سماك بن سلمة قال : أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة . يعني قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة : السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته .
عن ابن سيرين ، كان الرجل يقول للآخر : غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة ، عزله عن البصرة ، فولاه الكوفة . قال الليث : وقعة أذربيجان كانت سنة اثنتين وعشرين ، وأميرها المغيرة بن شعبة . وقيل : افتتح المغيرة همذان عنوة .
[ ص: 29 ] قال الليث : وحج بالناس المغيرة سنة أربعين . جرير بن عبد الحميد : عن مغيرة ; أن المغيرة بن شعبة قال لعلي حين قتل عثمان : اقعد في بيتك ولا تدع إلى نفسك ، فإنك لو كنت في جحر بمكة لم يبايعوا غيرك . وقال لعلي : إن لم تطعني في هذه الرابعة ، لأعتزلنك ، ابعث إلى معاوية عهده ، ثم اخلعه بعد . فلم يفعل ، فاعتزله المغيرة باليمن . فلما شغل علي ومعاوية ، فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا ; جاء المغيرة ، فصلى بالناس ، ودعا لمعاوية .
سعيد بن داود الزنبري : حدثنا مالك ، عن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ; قال : لقي عمار المغيرة في سكك المدينة ، وهو متوشح سيفا ، فناداه يا مغيرة ! فقال : ما تشاء ؟ قال : هل لك في الله ؟ قال : وددت والله أني علمت ذلك ، إني والله ما رأيت عثمان مصيبا ، ولا رأيت قبله صوابا ، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك ، وتضع سيفك حتى تنجلي هذه الظلمة ، ويطلع قمرها فنمشي مبصرين ؟ قال : أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرا . قال : يا أبا اليقظان ، إذا رأيت السيل ، فاجتنب جريته .
حجاج بن أبي منيع : حدثنا جدي ، عن الزهري ; قال : دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة ، فقال : أعني على الكوفة ، قال : كيف بمصر ؟ قال : أستعمل عليها ابنك عبد الله بن عمرو ، قال : فنعم . فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة - وكان معتزلا بالطائف - فناجاه معاوية . فقال المغيرة : تؤمر عمرا على الكوفة ، وابنه على مصر ، وتكون كالقاعد بين لحيي الأسد . قال : ما ترى ؟ قال : أنا أكفيك الكوفة . قال : فافعل . فقال [ ص: 30 ] معاوية لعمرو حين أصبح : إني قد رأيت كذا ، ففهم عمرو ، فقال : ألا أدلك على أمير الكوفة ؟ قال : بلى ، قال : المغيرة ، واستغن برأيه وقوته عن المكيدة ، واعزله عن المال ، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك ، قال : نعم ما رأيت . فدخل عليه المغيرة ، فقال : إني كنت أمرتك على الجند والأرض ، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي ، قال : قد قبلت . قال الليث : كان المغيرة قد اعتزل ، فلما صار الأمر إلى معاوية كاتبه المغيرة .
طلق بن غنام : حدثنا شريك ، عن عبد الملك بن عمير قال : كتب المغيرة إلى معاوية ، فذكر فناء عمره ، وفناء أهل بيته ، وجفوة قريش له . فورد الكتاب على معاوية وزياد عنده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ولني إجابته ، فألقى إليه الكتاب ، فكتب : أما ما ذكرت من ذهاب عمرك ; فإنه لم يأكله غيرك . وأما فناء أهل بيتك ، فلو أن أمير المؤمنين قدر أن يقي أحدا لوقى أهله ، وأما جفوة قريش ; فأنى يكون ذاك وهم أمروك . قال ابن شوذب : أحصن المغيرة أربعا من بنات أبي سفيان ، وكان آخر من تزوج منهن بها عرج . ابن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي : سمعت قبيصة بن جابر يقول : صحبت المغيرة بن شعبة ، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب ، لا يخرج من باب منها إلا بمكر ، لخرج من أبوابها كلها .
[ ص: 31 ] يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ; قيل للمغيرة : إنك تحابي ، قال : إن المعرفة تنفع عند الجمل الصؤول ، والكلب العقور ، فكيف بالمسلم . عاصم الأحول ، عن بكر بن عبد الله ، عن المغيرة بن شعبة قال : لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر .
أبو إسحاق الطالقاني : حدثنا ابن المبارك قال : كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة . قال : فصفهن بين يديه وقال : أنتن حسنات الأخلاق ، طويلات الأعناق ، ولكني رجل مطلاق ، فأنتن الطلاق .
ابن وهب : حدثنا مالك قال : كان المغيرة نكاحا للنساء ، ويقول : صاحب الواحدة إن مرضت مرض ، وإن حاضت حاض ، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان ، وكان ينكح أربعا جميعا ويطلقهن جميعا . شعبة ، عن زياد بن علاقة ، سمعت جريرا يقول حين مات المغيرة بن شعبة : أوصيكم بتقوى الله ، وأن تسمعوا وتطيعوا حتى يأتيكم أمير ، استغفروا للمغيرة غفر الله له ، فإنه كان يحب العافية . وفي لفظ أبي عوانة عن زياد : فإنه كان يحب العفو . أبو بكر بن عياش ، عن حصين ، عن هلال بن يساف ، عن عبد الله بن ظالم قال : كان المغيرة ينال في خطبته من علي ، وأقام خطباء ينالون منه ، [ ص: 32 ] وذكر الحديث في العشرة المشهود لهم بالجنة ، لسعيد بن زيد . حجاج الصواف : حدثني إياس بن معاوية ، عن أبيه قال : لما كان يوم القادسية ، ذهب المغيرة بن شعبة في عشرة إلى صاحب فارس ، فقال : إنا قوم مجوس ، وإنا نكره قتلكم لأنكم تنجسون علينا أرضنا . فقال : إنا كنا نعبد الحجارة حتى بعث الله إلينا رسولا ، فاتبعناه ، ولم نجئ لطعام ، بل أمرنا بقتال عدونا ، فجئنا لنقتل مقاتلتكم ، ونسبي ذراريكم . وأما ما ذكرت من الطعام فما نجد ما نشبع منه ; فجئنا فوجدنا في أرضكم طعاما كثيرا وماء ، فلا نبرح حتى يكون لنا ولكم . فقال العلج : صدق . قال : وأنت تفقأ عينك غدا ، ففقئت عينه بسهم . قال عبد الملك بن عمير : رأيت زيادا واقفا على قبر المغيرة يقول : إن تحت الأحجار حزما وعزما وخصيما ألد ذا معلاق حية في الوجار أربد لا ين فع منه السليم نفثة راق

وقال الجماعة : مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان وله سبعون سنة . وله في " الصحيحين " اثنا عشر حديثا ، وانفرد له البخاري بحديث ، ومسلم بحديثين============== رويفع بن ثابت ( د ، ت ، س )
الأنصاري النجاري المدني ثم المصري ، الأمير ، له صحبة ورواية . حدث عنه : بسر بن عبيد الله ، وحنش الصنعاني ، وزياد بن عبيد الله ، وأبو الخير مرثد اليزني ، ووفاء بن شريح ، وآخرون . نزل مصر واختط بها . وولي طرابلس المغرب لمعاوية في سنة ست وأربعين ، فغزا إفريقية في سنة سبع ، ودخلها ثم انصرف . قال أحمد بن البرقي : توفي رويفع ببرقة وهو أمير عليها ، وقد رأيت قبره بها .
وقال أبو سعيد بن يونس : توفي ببرقة أميرا عليها لمسلمة بن مخلد في سنة ست وخمسين قال : وقبره معروف إلى اليوم - رضي الله عنه . وأول ما غزيت إفريقية في سنة سبع وعشرين ، وكان على البربر جرجير في مائتي ألف . ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، حدثني أبو إدريس : أنه غزا مع عبد الله بن سعد إفريقية ، فافتتحها ، فأصاب كل إنسان ألف دينار==========أبو برزة الأسلمي ( ع )
صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - نضلة بن عبيد على الأصح . وقيل : نضلة بن عمرو . وقيل : نضلة بن عائذ ، ويقال : ابن عبد الله . وقيل : عبد الله بن نضلة . ويقال : خالد بن نضلة . روى عدة أحاديث . [ ص: 41 ] روى عنه : ابنه المغيرة ، وحفيدته منية بنت عبيد ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو المنهال سيار ، وأبو الوضيء عباد بن نسيب ، وكنانة بن نعيم ، وأبو الوازع جابر بن عمرو ، وعبد الله بن بريدة ، وآخرون . نزل البصرة ، وأقام مدة مع معاوية . قال ابن سعد : أسلم قديما ، وشهد فتح مكة . قلت : وشهد خيبر . وكان آدم ربعة ، وحضر حرب الحرورية مع علي . قال أبو نعيم : هو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم .
يحيى الحماني : حدثنا حماد ، عن الأزرق بن قيس قال : كنا على شاطئ نهر بالأهواز ، فجاء أبو برزة يقود فرسا ، فدخل في صلاة العصر . فقال رجل : انظروا إلى هذا الشيخ ، وكان انفلت فرسه ، فاتبعها في القبلة حتى أدركها ، فأخذ بالمقود ، ثم صلى . قال : فسمع أبو برزة قول الرجل ، فجاء فقال : ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله غير هذا ، إني شيخ كبير ، ومنزلي متراخ ، ولو أقبلت على صلاتي ، وتركت فرسي ، ثم ذهبت أطلبها ، لم آت أهلي إلا في جنح الليل . لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت من يسره . فأقبلنا نعتذر مما قال الرجل . [ ص: 42 ] وكذا رواه شعبة ، عن الأزرق قال : كنت مع أبي برزة بالأهواز ، فقام يصلي العصر ، وعنان فرسه بيده ، فجعلت ترجع ، وجعل أبو برزة ينكص معها . قال : ورجل من الخوارج يشتمه ، فلما فرغ ، قال : إني غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستا أو سبعا ، وشهدت تيسيره .
همام ، عن ثابت البناني ، أن أبا برزة كان يلبس الصوف ، فقيل له : إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز ، قال : ويحك ! ومن مثل عائذ !؟ فانصرف الرجل ، فأخبر عائذا ، فقال : ومن مثل أبي برزة !؟ قلت : هكذا كان العلماء يوقرون أقرانهم .
عن أبي برزة قال : كنا نقول في الجاهلية : من أكل الخمير سمن ، فأجهضنا القوم يوم خيبر عن خبزة لهم ، فجعل أحدنا يأكل منه الكسرة ، ثم يمس عطفيه ، هل سمن ؟ وقيل : كانت لأبي برزة جفنة من ثريد غدوة وجفنة عشية ، للأرامل واليتامى والمساكين وكان يقوم إلى صلاة الليل ، فيتوضأ ، ويوقظ أهله - رضي الله عنه - . [ ص: 43 ] وكان يقرأ بالستين إلى المائة . يقال : مات أبو برزة بالبصرة . وقيل : بخراسان . وقيل : بمفازة بين هراة وسجستان . وقيل : شهد صفين مع علي . يقال : مات قبل معاوية في سنة ستين وقال الحاكم : توفي سنة أربع وستين .
وقال ابن سعد : مات بمرو . قيل : كان أبو برزة وأبو بكرة متواخيين .
الأنصاري : حدثنا عوف ، حدثنا أبو المنهال قال : لما فر ابن زياد ، ورتب مروان بالشام ، وابن الزبير بمكة ، اغتم أبي ، وقال : انطلق معي إلى أبي برزة الأسلمي ; فانطلقنا إليه في داره ، فقال : يا أبا برزة ، ألا ترى ؟ فقال : إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش . وذكر الحديث .
====وهشام بن حكيم ابنه ( م ، د ، س )
له صحبة ورواية .
[ ص: 52 ] حدث عنه جبير بن نفير ، وعروة بن الزبير ، وغيرهما قال ابن سعد : كان صليبا مهيبا . وقال الزهري : كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فكان عمر إذا رأى منكرا قال : أما ما عشت أنا وهشام بن حكيم ، فلا يكون هذا .
وقيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صارعه مرة ، فصرعه . قال ابن سعد : توفي في أول خلافة معاوية============عمرو بن العاص
ابن وائل الإمام أبو عبد الله ، ويقال : أبو محمد السهمي .
[ ص: 55 ] داهية قريش ورجل العالم ومن يضرب به المثل في الفطنة ، والدهاء ، والحزم .
هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلما في أوائل سنة ثمان ، مرافقا لخالد بن الوليد ، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة ، ففرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدومهم وإسلامهم ، وأمر عمرا على بعض الجيش ، وجهزه للغزو .
له أحاديث ليست كثيرة ، تبلغ بالمكرر نحو الأربعين ، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث منها ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بحديثين . وروى أيضا عن عائشة .
حدث عنه ابنه عبد الله ، ومولاه أبو قيس ، وقبيصة بن ذؤيب ، وأبو عثمان النهدي ، وعلي بن رباح ، وقيس بن أبي حازم ، وعروة بن الزبير ، وجعفر بن المطلب بن أبي وداعة ، وعبد الله بن منين ، والحسن البصري مرسلا ، وعبد الرحمن بن شماسة المهري ، وعمارة بن خزيمة بن ثابت ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبو مرة مولى عقيل ، وأبو عبد الله الأشعري ، وآخرون .
[ ص: 56 ] قال الزبير بن بكار : هو أخو عروة بن أثاثة لأمه . وكان عروة ممن هاجر إلى الحبشة .
وقال أبو بكر بن البرقي : كان عمرو قصيرا يخضب بالسواد . أسلم قبل الفتح سنة ثمان ، وقيل : قدم هو وخالد ، وابن طلحة ، في أول صفر منها .
قال البخاري : ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على جيش ذات السلاسل . نزل المدينة ثم سكن مصر ، وبها مات .
روى محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنا العاص مؤمنان ، عمرو وهشام .
وروى عبد الجبار بن الورد ، عن ابن أبي مليكة ، قال طلحة : ألا أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء ؟ إني سمعته يقول : عمرو بن العاص من صالحي قريش ، نعم أهل البيت أبو عبد الله ، وأم عبد الله ، وعبد الله .
الثوري : عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي قال : عقد [ ص: 57 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لواء لعمرو على أبي بكر وعمر وسراة أصحابه . قال الثوري : أراه قال : في غزوة ذات السلاسل .
مجالد ، عن الشعبي ، عن قبيصة بن جابر : قد صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أبين أو أنصع رأيا ، ولا أكرم جليسا منه ، ولا أشبه سريرة بعلانية منه .
قال محمد بن سلام الجمحي : كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه ، قال : خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد ! .
روى موسى بن علي ، عن أبيه ، سمع عمرا يقول : لا أمل ثوبي ما وسعني ، ولا أمل زوجتي ما أحسنت عشرتي ، ولا أمل دابتي ما حملتني ، إن الملال من سيئ الأخلاق .
وروى أبو أمية بن يعلى ، عن علي بن زيد بن جدعان ، قال رجل لعمرو بن العاص : صف لي الأمصار ، قال : أهل الشام أطوع الناس لمخلوق ، وأعصاه للخالق ، وأهل مصر ، أكيسهم صغارا وأحمقهم كبارا ، وأهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة ، وأعجزهم عنها ، وأهل العراق أطلب الناس للعلم ، وأبعدهم منه .
[ ص: 58 ] روى مجالد ، عن الشعبي قال : دهاة العرب أربعة : معاوية ، وعمرو ، والمغيرة ، وزياد . فأما معاوية فللأناة والحلم ، وأما عمرو فللمعضلات ، والمغيرة للمبادهة ، وأما زياد فللصغير والكبير .
وقال أبو عمر بن عبد البر كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية ، مذكورا بذلك فيهم . وكان شاعرا حسن الشعر ، حفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتى وهو القائل : إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

وكان أسن من عمر بن الخطاب ، فكان يقول : إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر - رضي الله عنه .
وقد سقنا من أخبار عمرو في المغازي وفي مسيره إلى النجاشي ، وفي سيرة عمر بن الخطاب ، وفي الحوادث ، وأنه افتتح إقليم مصر وولي إمرته زمن عمر ، وصدرا من دولة عثمان . ثم أعطاه معاوية الإقليم ، وأطلق له مغله ست سنين لكونه قام بنصرته ، فلم يل مصر من جهة معاوية إلا سنتين ونيفا . ولقد خلف من الذهب قناطير مقنطرة .
وقد سقت من أخباره في " تاريخ الإسلام " جملة ، وطول الحافظ ابن عساكر ترجمته .
[ ص: 59 ] وكان من رجال قريش رأيا ، ودهاء ، وحزما ، وكفاءة ، وبصرا بالحروب ، ومن أشراف ملوك العرب ، ومن أعيان المهاجرين ، والله يغفر له ويعفو عنه ، ولولا حبه للدنيا ودخوله في أمور لصلح للخلافة ، فإن له سابقة ليست لمعاوية . وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر ؛ لبصره بالأمور ودهائه .
ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد مولى حبيب ، عن حبيب بن أوس ، قال : حدثني عمرو بن العاص قال : لما انصرفنا من الخندق ، جمعت رجالا من قريش ، فقلت : والله إن أمر محمد يعلو علوا منكرا ، والله ما يقوم له شيء ، وقد رأيت رأيا ، قالوا : وما هو ؟ قلت : أن نلحق بالنجاشي على حاميتنا ، فإن ظفر قومنا ، فنحن من قد عرفوا ، نرجع إليهم ، وإن يظهر محمد ، فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد . قالوا : أصبت . قلت : فابتاعوا له هدايا ، وكان من أعجب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا له أدما كثيرا ، وقدمنا عليه ، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري ، قد بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر جعفر وأصحابه ، فلما رأيته ، قلت : لعلي أقتله . وأدخلت الهدايا ، فقال : مرحبا وأهلا بصديقي ، وعجب بالهدية . فقلت : أيها الملك ! إني رأيت رسول محمد عندك ، وهو رجل قد وترنا ، وقتل أشرافنا ، فأعطنيه أضرب عنقه ; فغضب ، وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض دخلت فيها .
وقلت : لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألكه . فقال : سألتني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى الأكبر تقتله ؟ ! فقلت : وإن ذاك لكذلك ؟ قال : نعم . والله إني لك ناصح فاتبعه ، فوالله [ ص: 60 ] ليظهرن كما ظهر موسى وجنوده . قلت : أيها الملك ، فبايعني أنت له على الإسلام ، فقال : نعم . فبسط يده ، فبايعته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام ، وخرجت على أصحابي وقد حال رأي ، فقالوا : ما وراءك ؟ فقلت : خير ، فلما أمسيت ، جلست على راحلتي ، وانطلقت ، وتركتهم ، فوالله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد ، فقلت : إلى أين يا أبا سليمان ؟ قال : أذهب والله أسلم ، إنه والله قد استقام الميسم ، إن الرجل لنبي ما أشك فيه ، فقلت : وأنا والله . فقدمنا المدينة ، فقلت : يا رسول الله ، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ، ولم أذكر ما تأخر فقال لي : يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله .
ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس عن قيس بن سمي أن عمرو بن العاص قال : يا رسول الله ! أبايعك على أن يغفر [ ص: 61 ] لي ما تقدم من ذنبي ؟ قال : إن الإسلام والهجرة يجبان ما كان قبلهما . قال : فوالله إني لأشد الناس حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما ملأت عيني منه ولا راجعته .
ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن أبي عمير الطائي ، عن الزهري قال : لما رأى عمرو بن العاص أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يظهر ، خرج إلى النجاشي وأهدى له ، فوافق عنده عمرو بن أمية في تزويج أم حبيبة ، فلقي عمرو عمرا ، فضربه وخنقه . ثم دخل على النجاشي ، فأخبره ، فغضب وقال : والله لو قتلته ما أبقيت منكم أحدا ، أتقتل رسول رسول الله ؟ فقلت : أتشهد أنه رسول الله ؟ قال : نعم . فقلت : وأنا أشهد ، ابسط يدك أبايعك . ثم خرجت إلى عمرو بن أمية ، فعانقته ، وعانقني ، وانطلقت سريعا إلى المدينة ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي .
النضر بن شميل : أخبرنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق : استأذن جعفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ائذن لي أن آتي أرضا أعبد الله فيها لا أخاف أحدا فأذن له ، فأتى النجاشي . قال عمير : فحدثني عمرو بن العاص قال : لما رأيت مكانه ، حسدته ، فقلت للنجاشي : إن بأرضك رجلا ابن عمه بأرضنا ، وإنه يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد ، وإنك - والله - إن لم [ ص: 62 ] تقتله وأصحابه ، لا أقطع هذه النطفة إليك أبدا . قال : ادعه . قلت : إنه لا يجيء معي ، فأرسل إليه معي رسولا ، فجاء ، فلما انتهينا إلى الباب ، ناديت : ائذن لعمرو بن العاص ، ونادى هو : ائذن لحزب الله ، فسمع صوته ، فأذن له ولأصحابه . ثم أذن لي ، فدخلت فإذا هو جالس ، فلما رأيته جئت حتى قعدت بين يديه ، فجعلته خلفي ، قال : وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي ، فقال النجاشي : نخروا فقلت : إن ابن عم هذا بأرضنا يزعم أن ليس إلا إله واحد . قال : فتشهد ، فإني أول ما سمعت التشهد ليومئذ .
وقال : صدق ، هو ابن عمي وأنا على دينه . قال : فصاح صياحا ، وقال : أوه ، حتى قلت : ما لابن الحبشية ؟ فقال : ناموس مثل ناموس موسى . ما يقول في عيسى ؟ قال : يقول : هو روح الله وكلمته ، فتناول شيئا من الأرض ، فقال : ما أخطأ من أمره مثل هذه . وقال : لولا ملكي لاتبعتكم . وقال لعمرو : ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدا . وقال لجعفر : اذهب فأنت آمن بأرضي ، من ضربك ، قتلته . قال : فلقيت جعفرا خاليا ، فدنوت منه ، فقلت : نعم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وعبده . فقال : هداك الله . فأتيت أصحابي ، فكأنما [ ص: 63 ] شهدوه معي ، فأخذوني ، فألقوا علي قطيفة ، وجعلوا يغموني وجعلت أخرج رأسي من هنا ومن هنا ، حتى أفلت وما علي قشرة فلقيت حبشية ، فأخذت قناعها فجعلته على عورتي ، فقالت كذا وكذا ، وأتيت جعفرا ، فقال : ما لك ؟ قلت : ذهب بكل شيء لي ، فانطلق معي إلى باب الملك ، فقال : ائذن لحزب الله . فقال آذنه : إنه مع أهله . قال : استأذن لي ، فأذن له . فقال : إن عمرا قد بايعني على ديني ، فقال : كلا . قال : بلى . فقال لإنسان : اذهب فإن كان فعل فلا يقولن لك شيئا إلا كتبته . قال فجاء ، فجعل يكتب ما أقول حتى ما تركنا شيئا حتى القدح ، ولو أشاء أن آخذ من أموالهم إلى مالي لفعلت .
وعن عمرو قال : حضرت بدرا مع المشركين ، ثم حضرت أحدا ، [ ص: 64 ] فنجوت ، ثم قلت : كم أوضع ؟ فلحقت بالوهط ولم أحضر صلح الحديبية .
سليمان بن أيوب الطلحي : حدثنا أبي ، عن إسحاق بن يحيى ، عن عمه موسى بن طلحة ، عن أبيه : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن عمرو بن العاص لرشيد الأمر أحمد : حدثنا المقرئ ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني مشرح ، سمعت عقبة ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص .
عمرو بن حكام : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ابنا العاص مؤمنان . أحمد : حدثنا ابن مهدي ، عن موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عمرو بن [ ص: 65 ] العاص قال : كان فزع بالمدينة ، فأتيت سالما مولى أبي حذيفة ، وهو محتب بحمائل سيفه ، فأخذت سيفا ، فاحتبيت بحمائله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيها الناس ، ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله ، ألا فعلتم كما فعل هذان المؤمنان ؟ .
الليث : حدثنا يزيد ، عن ابن يخامر السكسكي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم صل على عمرو بن العاص ، فإنه يحبك ويحب رسولك منقطع .
أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا الليث عن يزيد ، عن سويد بن قيس ، عن زهير بن قيس البلوي ، عن علقمة بن رمثة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عمرو بن العاص إلى البحرين ، فخرج رسول الله في سرية ، وخرجنا معه ، فنعس ، وقال : يرحم الله عمرا . فتذاكرنا كل من اسمه عمرو . قال : فنعس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : رحم الله عمرا . ثم نعس الثالثة ، فاستيقظ ، فقال : رحم الله عمرا . قلنا : يا رسول الله ، من عمرو هذا ؟ قال : عمرو بن العاص . قلنا : وما شأنه ؟ قال : كنت إذا ندبت الناس إلى الصدقة ، جاء فأجزل منها ، فأقول : يا عمرو ! أنى لك هذا ؟ فقال : من عند الله ، قال : وصدق عمرو ; إن له عند الله خيرا كثيرا .
[ ص: 66 ] الوليد بن مسلم : عن يحيى بن عبد الرحمن ، عن حبان بن أبي جبلة ، عن عمرو بن العاص قال : ما عدل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبخالد منذ أسلمنا أحدا من أصحابه في حربه .
موسى بن علي ، عن أبيه ، سمع عمرا يقول : بعث إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : خذ عليك ثيابك وسلاحك ، ثم ائتني . فأتيته وهو يتوضأ ، فصعد في البصر ، وصوبه ، فقال : إني أريد أن أبعثك على جيش ، فيسلمك الله ويغنمك ، وأرغب لك رغبة صالحة من المال . قلت : يا رسول الله ! ما أسلمت من أجل المال ، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام ، ولأن أكون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا عمرو نعما بالمال الصالح للرجل الصالح .
إسماعيل بن أبي خالد : عن قيس قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا في غزوة ذات السلاسل ، فأصابهم برد ، فقال لهم عمرو : لا يوقدن أحد نارا . فلما قدم شكوه ، قال : يا نبي الله ! كان فيهم قلة ، فخشيت أن يرى العدو قلتهم ، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين . فأعجب ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
[ ص: 67 ] وكيع : عن منذر بن ثعلبة ، عن ابن بريدة قال عمر لأبي بكر : لم يدع عمرو بن العاص الناس أن يوقدوا نارا ، ألا ترى إلى ما صنع بالناس ، يمنعهم منافعهم ؟ فقال أبو بكر : دعه ، فإنما ولاه رسول الله علينا لعلمه بالحرب .
وكذا رواه يونس بن بكير عن منذر .
وصح عن أبي عثمان النهدي ، عن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمله على جيش ذات السلاسل ، وفيهم أبو بكر وعمر ======يزيد بن أبي حبيب : عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرا كان على سرية ، فأصابهم برد شديد لم يروا مثله ، فخرج لصلاة الصبح ، فقال : احتلمت البارحة ، ولكني والله ما رأيت بردا مثل هذا ، فغسل مغابنه ، وتوضأ للصلاة ، ثم صلى بهم . فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه : كيف وجدتم عمرا وصحابته ؟ فأثنوا عليه خيرا ، وقالوا : يا رسول الله ، صلى بنا وهو جنب ، فأرسل إلى عمرو ، فسأله ، فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد ، وقال : إن الله قال : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ولو اغتسلت مت . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 68 ] جرير بن حازم ، حدثنا الحسن : قال رجل لعمرو بن العاص : أرأيت رجلا مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحبه أليس رجلا صالحا ؟ قال : بلى . قال : قد مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحبك ، وقد استعملك . قال : بلى . فوالله ما أدري أحبا كان لي منه أو استعانة بي ، ولكن سأحدثك برجلين مات وهو يحبهما ابن مسعود وعمار ، فقال : ذاك قتيلكم بصفين . قال : قد والله فعلنا .
معتمر : حدثنا عوف ، عن شيخ من بكر بن وائل : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج شقة خميصة سوداء فعقدها بفي رمح ، ثم هز الراية ، فقال : من يأخذها بحقها ؟ فهابها المسلمون من أجل الشرط ، فقام رجل ، فقال : يا رسول الله ، وما حقها ؟ قال : لا تقاتل بها مسلما ، ولا تفر بها عن كافر . قال : فأخذها ، فنصبها علينا يوم صفين ، فما رأيت راية كانت أكسر أو أقصم لظهور الرجال منها ، وهو عمرو بن العاص . سمعه منه أمية بن بسطام .
[ ص: 69 ] ولما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عمرو على عمان ، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
الليث : عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن سعيد بن نشيط ، أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم . . . الحديث وفيه : فبعث عمرا على البحرين ، فتوفي وهو ثم . قال عمرو : فأقبلت حتى مررت على مسيلمة ، فأعطاني الأمان ، ثم قال : إن محمدا أرسل في جسيم الأمور ، وأرسلت في المحقرات . قلت : أعرض علي ما تقول . فقال : يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين ، لا زادا تنقرين ، ولا ماء تكدرين ، ثم قال : يا وبر يا وبر ; ويدان وصدر ، وبيان خلقه حفر . ثم أتي بأناس يختصمون في نخلات قطعها بعضهم لبعض . فتسجى قطيفة ، ثم كشف رأسه ، ثم قال : والليل الأدهم ، والذئب الأسحم ، ما جاء ابن أبي مسلم من مجرم . ثم تسجى الثانية ، فقال : والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما حرمته رطبا إلا كحرمته يابس ، قوموا فلا أرى عليكم فيما صنعتم بأسا . قال عمرو : أما والله إنك كاذب ، وإنك لتعلم إنك لمن الكاذبين ، فتوعدني .
[ ص: 70 ] روى ضمرة ، عن الليث بن سعد ، قال : نظر عمر إلى عمرو بن العاص ، فقال : ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا .
وشهد عمرو يوم اليرموك ، وأبلى يومئذ بلاء حسنا . وقيل : بعثه أبو عبيدة ، فصالح أهل حلب وأنطاكية ، وافتتح سائر قنسرين عنوة .
وقال خليفة : ولى عمر عمرا فلسطين والأردن ، ثم كتب إليه عمر ، فسار إلى مصر ، وافتتحها ، وبعث عمر الزبير مددا له .
وقال ابن لهيعة : فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سنة إحدى وعشرين ، ثم انتقضوا في سنة خمس وعشرين .
وقال الفسوي : كان فتح ليون سنة عشرين ، وأميرها عمرو .
وقال خليفة : افتتح عمرو طرابلس الغرب سنة أربع وعشرين . وقيل : سنة ثلاث .
خالد بن عبد الله : عن محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال عمرو بن العاص : خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية ، فقال عظيم منهم : أخرجوا إلي رجلا أكلمه ويكلمني . فقلت : لا يخرج إليه غيري ، فخرجت معي ترجماني ، ومعه ترجمان ، حتى وضع لنا منبران . فقال : ما أنتم ؟ قلت : نحن العرب ، ومن أهل [ ص: 71 ] الشوك والقرظ ، ونحن أهل بيت الله ، كنا أضيق الناس أرضا وشره عيشا ، نأكل الميتة والدم ، ويغير بعضنا على بعض ، كنا بشر عيش عاش به الناس ، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفا ولا أكثرنا مالا ، قال : أنا رسول الله إليكم ، يأمرنا بما لا نعرف ، وينهانا عما كنا عليه ، فشنفنا له ، وكذبناه ، ورددنا عليه ، حتى خرج إليه قوم من غيرنا ، فقالوا : نحن نصدقك ، ونقاتل من قاتلك ، فخرج إليهم ، وخرجنا إليه ، وقاتلناه ، فظهر علينا ، وقاتل من يليه من العرب ، فظهر عليهم ، فلو تعلم ما ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم ، فضحك ، ثم قال : إن رسولكم قد صدق وقد جاءتنا رسل بمثل ذلك ، وكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك ، فعملوا فينا بأهوائهم ، وتركوا أمر الأنبياء ، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم ، لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ، وإذا فعلتم مثل الذي فعلنا ، فتركتم أمر نبيكم ، لم تكونوا أكثر عددا منا ولا أشد منا قوة .
قال الزهري : استخلف عثمان ، فنزع عن مصر عمرا ، وأمر عليها عبد الله بن أبي سرح .
جويرية بن أسماء : حدثني عبد الوهاب بن يحيى بن عبد الله بن الزبير ، حدثنا أشياخنا : أن الفتنة لما وقعت ، ما زال عمرو بن العاص معتصما بمكة حتى كانت وقعة الجمل ، فلما كانت ، بعث إلى ولديه عبد الله ومحمد ، فقال : قد رأيت رأيا ، ولستما باللذين ترداني عنه ، ولكن أشيرا علي ، إني رأيت العرب صاروا غارين يضطربان ، فأنا طارح نفسي بين [ ص: 72 ] جزاري مكة ، ولست أرضى بهذه المنزلة ، فإلى أي الفريقين أعمد ؟ قال عبد الله : إن كنت لا بد فاعلا فإلى علي ، قال : ثكلتك أمك ، إني إن أتيته ، قال لي : إنما أنت رجل من المسلمين ، وإن أتيت معاوية ، خلطني بنفسه ، وشركني في أمره ، فأتى معاوية .
وقيل : إنه قال لعبد الله : إنك أشرت علي بالقعود ، وهو خير لي في آخرتي . وأما أنت يا محمد ، فأشرت علي بما هو أنبه لذكري ، ارتحلا ، فأتى معاوية ، فوجده يقص ويذكر أهل الشام في دم الشهيد . فقال له : يا معاوية ، قد أحرقت كبدي بقصصك ، أترى إن خالفنا عليا لفضل منا عليه ، لا والله ! إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها ، أما والله لتقطعن لي من دنياك أو لأنابذنك ، فأعطاه مصر . وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي .
الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن يعلى بن شداد بن أوس ، عن أبيه : أنه دخل على معاوية ، وعمرو بن العاص معه ، فجلس شداد بينهما ، وقال : هل تدريان ما يجلسني بينكما؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا رأيتموهما جميعا ففرقوا بينهما ، فوالله ما اجتمعا إلا على غدرة .
وقيل : كتب علي إلى عمرو ، فأقرأه معاوية وقال : قد ترى ما كتب إلي علي ، فإما أن ترضيني ، وإما أن ألحق به . قال : ما تريد ؟ قال : مصر ، فجعلها له
[ ص: 73 ] الواقدي : حدثني مفضل بن فضالة ، عن يزيد بن أبي حبيب . وحدثني عبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عون قالا : لما صار الأمر في يد معاوية ، استكثر مصر طعمة لعمرو ما عاش ، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره ، وظن أن معاوية سيزيده الشام ، فلم يفعل ، فتنكر له عمرو . فاختلفا وتغالظا ، فأصلح بينهما معاوية بن حديج ، وكتب بينهما كتابا بأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين ، وأشهد عليهما شهودا ، وسار عمرو إلى مصر سنة تسع وثلاثين ، فمكث نحو ثلاث سنين ، ومات .
المدائني : عن جويرية بن أسماء ; أن عمرو بن العاص قال لابن عباس : يا بني هاشم ، لقد تقلدتم بقتل عثمان فرم الإماء العوارك ، أطعتم فساق العراق في عيبه ، وأجزرتموه مراق أهل مصر ، وآويتم قتلته . فقال ابن عباس : إنما تكلم لمعاوية ، إنما تكلم عن رأيك ، وإن أحق الناس أن لا يتكلم في أمر عثمان لأنتما ، أما أنت يا معاوية ، فزينت له ما كان يصنع ، حتى إذا حصر طلب نصرك ، فأبطأت عنه ، وأحببت قتله ، وتربصت به ، وأما أنت يا عمرو ، فأضرمت عليه المدينة ، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أنبائه ، فلما أتاك قتله ، أضافتك عداوة علي أن لحقت بمعاوية ، فبعت دينك بمصر . فقال معاوية : حسبك ، عرضني لك عمرو ، وعرض نفسه .
قال محمد بن سلام الجمحي : كان عمر إذا رأى من يتلجلج في كلامه ، قال : هذا خالقه خالق عمرو بن العاص .
مجالد : عن الشعبي ، عن قبيصة بن جابر : صحبت عمر فما رأيت [ ص: 74 ] أقرأ لكتاب الله منه ، ولا أفقه ولا أحسن مداراة منه . وصحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل من غير مسألة منه . وصحبت معاوية فما رأيت أحلم منه . وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أبين - أو قال - أنصع طرفا منه ، ولا أكرم جليسا منه . وصحبت المغيرة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها .
موسى بن علي : حدثنا أبي ، حدثني أبو قيس مولى عمرو بن العاص ; أن عمرا كان يسرد الصوم ، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل . وسمعه يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر .
ابن عيينة : حدثنا عمرو ، أخبرني مولى لعمرو بن العاص ; أن عمرا ، أدخل في تعريش الوهط - بستان بالطائف - ألف ألف عود ، كل عود بدرهم .
وقال ابن عيينة : قال عمرو بن العاص : ليس العاقل من يعرف الخير من الشر ، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين .
أبو هلال : عن قتادة ، قال : لما احتضر عمرو بن العاص ، قال : كيلوا مالي ، فكالوه ، فوجدوه اثنين وخمسين مدا . فقال : من يأخذه بما فيه ؟ يا ليته كان بعرا . قال : والمد ست عشرة أوقية ، الأوقية مكوكان .
أشعث : عن الحسن ، قال : لما احتضر عمرو بن العاص ، نظر إلى [ ص: 75 ] صناديق ، فقال : من يأخذها بما فيها ؟ يا ليته كان بعرا ، ثم أمر الحرس ، فأحاطوا بقصره . فقال بنوه : ما هذا ؟ فقال : ما ترون هذا يغني عني شيئا .
ابن سعد : أخبرنا ابن الكلبي ، عن عوانة بن الحكم ، قال : قال عمرو بن العاص : عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه ، كيف لا يصفه ؟ فلما نزل به الموت ، ذكره ابنه بقوله ، وقال : صفه . قال : يا بني ! الموت أجل من أن يوصف ، ولكني سأصف لك ; أجدني كأن جبال رضوى على عنقي ، وكأن في جوفي الشوك وأجدني كأن نفسي يخرج من إبرة .
يونس : عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ; أن أباه قال حين احتضر : اللهم إنك أمرت بأمور ، ونهيت عن أمور ، تركنا كثيرا مما أمرت ، ورتعنا في كثير مما نهيت اللهم لا إله إلا أنت . ثم أخذ بإبهامه ، فلم يزل يهلل حتى فاض - رضي الله عنه .
أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا الأسود بن شيبان ، حدثنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال : جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعا شديدا ، فقال ابنه عبد الله : ما هذا الجزع ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدنيك ويستعملك ! قال : أي بني ! قد كان ذلك ، وسأخبرك ، إي والله ما أدري أحبا كان أم تألفا ، ولكن أشهد على رجلين أنه فارق الدنيا وهو يحبهما ; ابن سمية ، وابن أم عبد . فلما جد به ، وضع يده موضع الأغلال من ذقنه ، وقال : اللهم أمرتنا فتركنا ، ونهيتنا فركبنا ، ولا يسعنا إلا مغفرتك . فكانت تلك هجيراه حتى مات .
[ ص: 76 ] وعن ثابت البناني ، قال : كان عمرو على مصر ، فثقل ، فقال لصاحب شرطته : أدخل وجوه أصحابك ، فلما دخلوا ، نظر إليهم وقال : ها قد بلغت هذه الحال ، ردوها عني ، فقالوا : مثلك أيها الأمير يقول هذا ؟ هذا أمر الله الذي لا مرد له . قال : قد عرفت ، ولكن أحببت أن تتعظوا ، لا إله إلا الله ، فلم يزل يقولها حتى مات .
روح : حدثنا عوف عن الحسن قال : بلغني أن عمرو بن العاص دعا حرسه عند الموت ، فقال : امنعوني من الموت . قالوا : ما كنا نحسبك تكلم بهذا . قال : قد قلتها ، وإني لأعلم ذلك ; ولأن أكون لم أتخذ منكم رجلا قط يمنعني من الموت أحب إلي من كذا وكذا ، فيا ويح ابن أبي طالب إذ يقول : حرس امرءا أجله . ثم قال : اللهم لا بريء فأعتذر ، ولا عزيز فأنتصر ، وإن لا تدركني منك رحمة ، أكن من الهالكين .
إسرائيل : عن عبد الله بن المختار ، عن معاوية بن قرة ، حدثني أبو حرب بن أبي الأسود ، عن عبد الله بن عمرو ، أن أباه أوصاه : إذا مت ، فاغسلني غسلة بالماء ، ثم جففني في ثوب ، ثم اغسلني الثانية بماء قراح ، ثم جففني ، ثم اغسلني الثالثة بماء فيه كافور ، ثم جففني وألبسني الثياب ، وزر علي ، فإني مخاصم . ثم إذا أنت حملتني على السرير ، فامش بي مشيا بين المشيتين ، وكن خلف الجنازة ، فإن مقدمها للملائكة ، وخلفها لبني آدم ، فإذا أنت وضعتني في القبر ، فسن علي التراب سنا . ثم قال : اللهم إنك أمرتنا فأضعنا ، ونهيتنا فركبنا ، فلا بريء فأعتذر ، ولا [ ص: 77 ] عزيز فأنتصر ، ولكن لا إله إلا أنت ، وما زال يقولها حتى مات .
قالوا : توفي عمرو ليلة عيد الفطر ، فقال الليث ، والهيثم بن عدي ، والواقدي ، وغيرهم : سنة ثلاث وأربعين .
وقال محمد بن عبد الله بن نمير وغيره : سنة اثنتين .
وقال يحيى بن بكير : سنة ثلاث وله نحو من مائة سنة .
وقال العجلي : وسنه تسع وتسعون .
وأما الواقدي ، فروى عن عبد الله بن أبي يحيى ، عن عمرو بن شعيب ، أن عمرا مات وهو ابن سبعين سنة ; سنة ثلاث وأربعين .
ويروى عن الهيثم : أنه توفي سنة إحدى وخمسين وهذا خطأ .
وعن طلحة القناد ، قال : توفي سنة ثمان وخمسين وهذا لا شيء .
قلت : كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين . كان يقول : أذكر الليلة التي ولد فيها عمر ، وقد عاش بعد عمر عشرين عاما ، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة ، ما بلغ التسعين - رضي الله عنه .
وخلف أموالا كثيرة ، وعبيدا ، وعقارا ، يقال : خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبا======================عبد الله بن عمرو بن العاص ( ع )
ابن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب .
[ ص: 80 ] الإمام الحبر العابد ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن صاحبه ، أبو محمد ، وقيل : أبو عبد الرحمن . وقيل : أبو نصير القرشي السهمي .
وأمه هي رائطة بنت الحجاج بنت منبه السهمية ، وليس أبوه أكبر منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها .
وقد أسلم قبل أبيه في ما بلغنا ، ويقال : كان اسمه العاص ، فلما أسلم ، غيره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعبد الله .
وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل ، حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علما جما .
يبلغ ما أسند سبعمائة حديث اتفقا له على سبعة أحاديث ، وانفرد البخاري بثمانية ، ومسلم بعشرين .
وكتب الكثير بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك - صلى الله عليه وسلم - ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة .
[ ص: 81 ] والظاهر أن النهي كان أولا لتتوفر هممهم على القرآن وحده ، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية ، فيؤمن اللبس فلما زال المحذور واللبس ، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن في كتابة العلم ، والله أعلم .
وقد روى عبد الله أيضا عن أبي بكر ، وعمر ، ومعاذ ، وسراقة بن مالك ، وأبيه عمرو ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبي الدرداء ، وطائفة ، وعن أهل الكتاب ، وأدمن النظر في كتبهم ، واعتنى بذلك .
حدث عنه : ابنه محمد على نزاع في ذلك ، ورواية محمد عنه في أبي داود والترمذي والنسائي ، ومولاه أبو قابوس ، وحفيده شعيب بن محمد ، فأكثر عنه ، وخدمه ولزمه ، وتربى في حجره ، لأن أباه محمدا مات في حياة والده عبد الله ، وحدث عنه أيضا مولاه إسماعيل ، ومولاه سالم ، وأنس بن مالك ، وأبو أمامة بن سهل ، وجبير بن نفير ، وسعيد بن المسيب ، وعروة ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وزر بن حبيش ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وخيثمة بن عبد الرحمن الجعفي ، وأبو العباس السائب بن فروخ الشاعر ، والسائب الثقفي والد عطاء ، وطاوس ، والشعبي ، وعكرمة وعطاء ، والقاسم ، ومجاهد ، ويزيد بن الشخير ، وأبو المليح بن أسامة ، [ ص: 82 ] والحسن البصري ، وأبو الجوزاء أوس الربعي ، وعيسى بن طلحة ، وابن أخيه إبراهيم بن محمد بن طلحة ، وبشر بن شغاف .
وجنادة بن أبي أمية ، وربيعة بن سيف ، وريحان بن يزيد العامري ، وسالم بن أبي الجعد ، وأبو السفر سعيد بن يحمد ، وسلمان الأغر ، وشفعة السمعي ، وشفي بن ماتع ، وشهر بن حوشب ، وطلق بن حبيب ، وعبد الله بن باباه ، وعبد الله بن بريدة ، وعبد الله بن رباح الأنصاري ، وعبد الله بن صفوان بن أمية ، وابن أبي مليكة ، وعبد الله بن فيروز الديلمي ، وأبو عبد الرحمن الحبلي ، وعبد الرحمن بن جبير ، وعبد الرحمن بن حجيرة ، وعبد الرحمن بن رافع قاضي إفريقية ، وعبد الرحمن بن شماسة ، وعبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، وعبدة بن أبي لبابة ولم يدركه ، وعطاء بن يسار ، وعطاء العامري ، وعقبة بن أوس ، وعقبة بن مسلم ، وعمارة بن عمرو بن حزم ، وعمر بن الحكم بن رافع ، وأبو عياض عمرو بن الأسود العنسي ، وعمرو بن أوس الثقفي ، وعمرو بن حريش الزبيدي ، وعمرو بن دينار .
وعمرو بن ميمون الأودي ، وعمران بن عبد المعافري ، وعيسى بن هلال الصدفي ، والقاسم بن ربيعة الغطفاني ، والقاسم بن مخيمرة ، وقزعة بن يحيى ، وكثير بن مرة ، ومحمد بن هدية الصدفي ، وأبو الخير اليزني ، ومسافع بن شيبة الحجبي ، ومسروق بن الأجدع ، وأبو يحيى مصدع ، وناعم مولى أم سلمة ، ونافع بن عاصم بن عروة بن مسعود الطائفي ، وأخوه يعقوب ، وأبو العريان الهيثم النخعي ، والوليد بن عبدة ، ووهب بن جابر الخيواني ، ووهب بن منبه ويحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية ، ويوسف بن ماهك ، وأبو أيوب المراغي ، وأبو بردة بن أبي موسى ، وأبو حازم الأعرج ولم يلقه ، وأبو حرب بن أبي الأسود وأبو راشد الحبراني وأبو الزبير المكي وأبو زرعة بن عمرو بن حريز ، وأبو سالم الجيشاني ، وأبو فراس مولى والده عمرو ، وأبو [ ص: 83 ] قبيل المعافري ، وأبو كبشة السلولي ، وأبو كثير الزبيدي ، وأبو المليح بن أسامة ، وخلق سواهم .
قال قتادة : كان رجلا سمينا .
وروى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن العريان بن الهيثم ، قال : وفدت مع أبي إلى يزيد ، فجاء رجل طوال ، أحمر عظيم البطن ، فجلس ، فقلت : من هذا ؟ قيل : عبد الله بن عمرو .
أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا نافع بن عمر ، وعبد الجبار بن ورد ، عن ابن أبي مليكة ، قال طلحة بن عبيد الله : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نعم أهل البيت عبد الله ، وأبو عبد الله ، وأم عبد الله .
وروى ابن لهيعة ; عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر ، مرفوعا نحوه .
ابن جريج : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن يحيى بن حكيم بن صفوان ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : جمعت القرآن ، فقرأته كله في ليلة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقرأه في شهر . قلت : يا رسول الله ، دعني أستمتع من قوتي وشبابي . قال : اقرأه في عشرين . قلت : دعني أستمتع . قال : اقرأه في سبع ليال . قلت : دعني يا رسول الله أستمتع . قال : فأبى . [ ص: 84 ]
رواه النسائي .
وصح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نازله إلى ثلاث ليال ، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث وهذا كان في الذي نزل من القرآن ، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن . فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث ، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك . ولو تلا ورتل في أسبوع ، ولازم ذلك ، لكان عملا فاضلا ، فالدين يسر ، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة ، والضحى ، وتحية المسجد ، مع الأذكار المأثورة الثابتة ، والقول عند النوم واليقظة ، ودبر المكتوبة والسحر ، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله ، مع الأمر بالمعروف ، وإرشاد الجاهل وتفهيمه ، وزجر الفاسق ، ونحو ذلك ، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان ، مع أداء الواجب ، واجتناب الكبائر ، وكثرة الدعاء والاستغفار ، والصدقة وصلة الرحم ، والتواضع ، والإخلاص في جميع ذلك ، لشغل عظيم جسيم ، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين ، فإن سائر ذلك مطلوب . فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم ، فقد خالف الحنيفية السمحة ، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه .
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ : ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك قال له - عليه السلام - في الصوم ، وما زال يناقصه [ ص: 85 ] حتى قال له : صم يوما وأفطر يوما ، صوم أخي داود عليه السلام .
وثبت أنه قال : أفضل الصيام صيام داود ونهى - عليه السلام - عن صيام الدهر وأمر - عليه السلام - بنوم قسط من الليل ، وقال : لكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني .
وكل من لم يذم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية ، يندم ويترهب ويسوء مزاجه ، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين ، الحريص على نفعهم ، وما زال - صلى الله عليه وسلم - معلما للأمة أفضل الأعمال ، وآمرا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها ، فنهى عن سرد الصوم ، ونهى عن الوصال ، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير ، ونهى عن العزبة للمستطيع ، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر [ ص: 86 ] والنواهي . فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور ، والعابد العالم بالآثار المحمدية . المتجاوز لها مفضول مغرور ، وأحب الأعمال إلى الله - تعالى - أدومها وإن قل . ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة ، وجنبنا الهوى والمخالفة .
قال أحمد في مسنده : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن واهب بن عبد الله المعافري ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : رأيت فيما يرى النائم كأن في أحد أصبعي سمنا ، وفي الأخرى عسلا ، فأنا ألعقهما ، فلما أصبحت ، ذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : تقرأ الكتابين ; التوراة والفرقان . فكان يقرأهما .
ابن لهيعة ضعيف الحديث ، وهذا خبر منكر ، ولا يشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أن يحفظها ، لكونها مبدلة محرفة منسوخة العمل ، قد اختلط فيها الحق بالباطل ، فلتجتنب . فأما النظر فيها للاعتبار وللرد على اليهود ، فلا بأس بذلك للرجل العالم قليلا ، والإعراض أولى .
فأما ما روي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعبد الله أن يقوم بالقرآن ليلة وبالتوراة ليلة ، فكذب موضوع قبح الله من افتراه . وقيل : بل عبد الله هنا هو ابن [ ص: 87 ] سلام . وقيل : إذنه في القيام بها أي يكرر على الماضي لا أن يقرأ بها في تهجده .
كامل بن طلحة : حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو ، عن شفي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل .
يحيى بن أيوب ، عن أبي قبيل ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كنا عند رسول الله نكتب ما يقول .
هذا حديث حسن غريب رواه سعيد بن عفير عنه .
وهو دال على أن الصحابة كتبوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أقواله ، وهذا علي - رضي الله عنه - كتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في صحيفة صغيرة ، قرنها بسيفه وقال - عليه السلام - : اكتبوا لأبي شاة وكتبوا عنه كتاب [ ص: 88 ] الديات ، وفرائض الصدقة وغير ذلك .
ابن إسحاق : عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت : يا رسول الله ! أكتب ما أسمع منك ؟ قال : نعم . قلت : في الرضا والغضب ؟ قال : نعم ، فإني لا أقول إلا حقا .
يحيى بن سعيد القطان ، وهو في المسند عنه ، عن عبيد الله بن [ ص: 89 ] الأخنس ، عن الوليد بن عبد الله ، عن يوسف بن ماهك ; عن عبد الله بن عمرو نحوه .
وقد روي عن عقيل بن خالد وغيره عن عمرو بن شعيب نحوه . وثبت عن عمرو بن دينار ، عن وهب بن منبه ، عن أخيه همام ، سمع أبا هريرة يقول : لم يكن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب .
وهو في صحيفة معمر عن همام .
ويرويه ابن إسحاق ; عن عمرو بن شعيب ، عن مجاهد وآخر ، عن أبي هريرة ، مثله .
أبو النضر هاشم بن القاسم ، وسعدويه ، قالا : حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة ، عن مجاهد ، قال : دخلت على عبد الله بن عمرو ، فتناولت صحيفة تحت رأسه ، فتمنع علي . فقلت : تمنعني شيئا من كتبك ؟ فقال : إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بيني وبينه أحد ، فإذا سلم لي كتاب الله وهذه الصحيفة والوهط ، لم أبال ما ضيعت الدنيا .
الوهط : بستان عظيم بالطائف ، غرم مرة على عروشه ألف ألف درهم . [ ص: 90 ]
قتيبة : حدثنا الليث ، وآخر ، عن عياش بن عباس ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء ، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة ، إلا من قال هكذا وهكذا ، يقول : يتصدق يمينا وشمالا .
هشيم : عن مغيرة وحصين ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : زوجني أبي امرأة من قريش ، فلما دخلت علي ، جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة ، فجاء أبي إلى كنته ، فقال : كيف وجدت بعلك ؟ قالت : خير رجل من رجل لم يفتش لها كنفا ، ولم يقرب لها فراشا ، قال : فأقبل علي ، وعضني بلسانه ، ثم قال : أنكحتك امرأة ذات حسب ، فعضلتها وفعلت ، ثم انطلق ، فشكاني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلبني ، فأتيته ، فقال لي : أتصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت : نعم . قال : لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأمس النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني .
قلت : ورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري ، فكان من ملوك الصحابة .
[ ص: 91 ] الأسود بن عامر : حدثنا شعبة ; عن يعلى بن عطاء ، عن أبيه ، قال : كنت أصنع الكحل لعبد الله بن عمرو ، وكان يطفئ السراج بالليل ، ثم يبكي حتى رسعت عيناه .
محمد بن عمرو : عن أبي سلمة : عن عبد الله بن عمرو ، قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي هذا ، فقال : يا عبد الله ! ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار ؟ قلت : إني لأفعل . فقال : إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، فالحسنة بعشر أمثالها ، فكأنك قد صمت الدهر كله . قلت : يا رسول الله ، إني أجد قوة ، وإني أحب أن تزيدني . فقال : فخمسة أيام قلت : إني أجد قوة . قال : سبعة أيام ، فجعل يستزيده ، ويزيده حتى بلغ النصف . وأن يصوم نصف الدهر : ( إن لأهلك عليك حقا ، وإن لعبدك عليك حقا ) وإن لضيفك عليك حقا فكان بعد ما كبر وأسن يقول : ألا كنت قبلت رخصة النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي من أهلي ومالي .
وهذا الحديث له طرق مشهورة .
وقد أسلم عبد الله ، وهاجر بعد سنة سبع ، وشهد بعض المغازي .
قال أبو عبيد : كان على ميمنة جيش معاوية يوم صفين .
وذكره خليفة بن خياط في تسمية عمال معاوية على الكوفة . قال : ثم [ ص: 92 ] عزله وولى المغيرة بن شعبة .
وفي " مسند أحمد " : حدثنا يزيد ، أنبأنا العوام ، حدثني أسود بن مسعود ، عن حنظلة بن خويلد العنبري ، قال : بينما أنا عند معاوية ، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار - رضي الله عنه - فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . فقال عبد الله بن عمرو : ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تقتله الفئة الباغية . فقال معاوية : يا عمرو ! ألا تغني عنا مجنونك ، فما بالك معنا ؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أطع أباك ما دام حيا . فأنا معكم ، ولست أقاتل .
وروى نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قال عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - : ما لي ولصفين ، ما لي ولقتال المسلمين ، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة - أو قال بعشر سنين - أما والله على ذلك ما ضربت بسيف ، ولا رميت بسهم . وذكر أنه كانت الراية بيده .
يزيد بن هارون : حدثنا عبد الملك بن قدامة ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن أباه عمرا قال له يوم صفين : اخرج فقاتل . قال : يا أبه ! كيف تأمرني أخرج فأقاتل ، وقد سمعت من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي ما سمعت ؟! فقال : نشدتك بالله ! أتعلم أن آخر ما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليك أن أخذ بيدك ، فوضعها في يدي ، فقال : أطع عمرو بن العاص ما دام حيا . قال : نعم . قال : فإني آمرك أن تقاتل .
[ ص: 93 ] عبد الملك ضعف .
عفان : حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن ابن بريدة ، عن سليمان بن الربيع قال : انطلقت في رهط من نساك أهل البصرة إلى مكة ، فقلنا : لو نظرنا رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدللنا على عبد الله بن عمرو ، فأتينا منزله ، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة . فقلنا : على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو ؟ قالوا : نعم . هو ومواليه وأحباؤه . قال : فانطلقنا إلى البيت ، فإذا نحن برجل أبيض الرأس واللحية ، بين بردين قطريين ، عليه عمامة وليس عليه قميص .
رواه حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، فقال : عن سلمان بن ربيعة الغنوي أنه حج زمن معاوية في عصابة من القراء ، فحدثنا أن عبد الله في أسفل مكة . فعمدنا إليه ، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاثمائة راحلة ، منها مائة راحلة ومائتا زاملة وكنا نحدث أنه أشد الناس تواضعا . فقلنا : ما هذا ؟ قالوا : لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه ، فعجبنا ، فقالوا : إنه رجل غني . ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام ، فأتيناه ، فإذا هو رجل قصير أرمص بين بردين وعمامة ، قد علق نعليه في شماله .
[ ص: 94 ] مسلم الزنجي : عن ابن خثيم ، عن عبيد بن سعيد : أنه دخل مع عبد الله بن عمرو المسجد الحرام ، والكعبة محترقة حين أدبر جيش حصين بن نمير ، والكعبة تتناثر حجارتها . فوقف وبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تسيل على وجنتيه . فقال : أيها الناس ! والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلو ابن نبيكم ، ومحرقو بيت ربكم ، لقلتم : ما أحد أكذب من أبي هريرة . فقد فعلتم ، فانتظروا نقمة الله فليلبسنكم شيعا ، ويذيق بعضكم بأس بعض .
شعبة : عن يعلى بن عطاء ، عن أمه ; أنها كانت تصنع الكحل لعبد الله بن عمرو . وكان يكثر من البكاء يغلق عليه بابه ، ويبكي حتى رمصت عيناه .
قال أحمد بن حنبل : مات عبد الله ليالي الحرة سنة ثلاث وستين .
وقال يحيى بن بكير : توفي عبد الله بن عمرو بمصر ، ودفن بداره الصغيرة سنة خمس وستين وكذا قال في تاريخ موته : خليفة ، وأبو عبيد ، والواقدي ، والفلاس وغيرهم .
وقال خليفة : مات بالطائف ، ويقال : بمكة .
وقال ابن البرقي أبو بكر : فأما ولده فيقولون : مات بالشام=======================عقيل بن أبي طالب الهاشمي ( س ، ق )
ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو يزيد ، وأبو عيسى .
قد ذكرته وكان أسن من أخيه علي بعشرين سنة ; ومن أخيه جعفر الطيار بعشر سنين .
هاجر في مدة الهدنة ، وشهد غزوة مؤتة . وله جماعة أحاديث .
روى عنه ابنه محمد ، وحفيده عبد الله بن محمد بن عقيل ، وموسى بن طلحة ، وعطاء ، والحسن ، وأبو صالح السمان .
وعمر بعد أخيه الإمام علي . ثم وفد على معاوية ، وكان بساما ، مزاحا ، علامة بالنسب وأيام العرب . شهد بدرا مع قومه مكرها ، فأسر يومئذ ، وكان لا مال له ، ففداه عمه العباس .
وقد مرض مدة ، فلم نسمع له بذكر في المغازي بعد مؤتة ، وأطعمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر كل عام مائة وأربعين وسقا .
[ ص: 100 ] وروي من وجوه مرسلة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : إني أحبك لقرابتك مني ولحب أبي طالب لك .
قال حميد بن هلال : سأل عقيل عليا ، وشكى حاجته ، قال : اصبر حتى يخرج عطائي ، فألح عليه فقال : انطلق فخذ ما في حوانيت الناس . قال : تريد أن تتخذني سارقا ؟ قال : وأنت تريد أن تتخذني سارقا وأعطيك أموال الناس ؟ فقال : لآتين معاوية . قال : أنت وذاك . فسار إلى معاوية فأعطاه مائة ألف وقال : اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك ، فصعد وقال : يا أيها الناس ! إني أردت عليا على دينه ، فاختار دينه علي ، وأردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه . فقال معاوية : هذا الذي تزعم قريش أنه أحمق .
وقيل : إن معاوية قال لهم : هذا عقيل وعمه أبو لهب ، فقال : هذا معاوية وعمته حمالة الحطب===================قيس بن سعد ( ع )
ابن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج ، الأمير المجاهد ، أبو عبد الله ، سيد الخزرج وابن سيدهم أبي ثابت ، الأنصاري الخزرجي الساعدي ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن صاحبه .
له عدة أحاديث .
روى عنه : عبد الله بن مالك الجيشاني ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأبو عمار الهمداني ، وعروة ، والشعبي ، وميمون بن أبي شبيب ، وعريب بن حميد الهمداني ، والوليد بن عبدة وآخرون .
ووفد على معاوية ، فاحترمه ، وأعطاه مالا .
وقد حدث بالكوفة والشام ومصر .
وقال الواقدي : كنيته أبو عبد الملك لم يزل مع علي ، فلما قتل علي ، رجع قيس إلى وطنه .
[ ص: 103 ] قال أحمد بن البرقي : كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه . وكان بمصر واليا عليها لعلي .
وقال ابن يونس : شهد فتح مصر ، واختط بها دارا ، ووليها لعلي سنة ست ، وعزله عنها سنة سبع .
وقال عمرو بن دينار : كان قيس بن سعد رجلا ضخما ، جسيما ، صغير الرأس ، ليست له لحية ، إذا ركب حمارا ، خطت رجلاه الأرض ، فقدم مكة ، فقال قائل : من يشتري لحم الجزور ، يعرض بقيس أنه لا يأكل لحم الجزور .
أبو إسحاق ، عن يريم أبي العلاء . قال قيس بن سعد : صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين .
ثمامة : عن أنس ، قال : كان قيس بن سعد من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير ، فكلم أبوه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيس ، فصرفه عن الموضع الذي وضعه مخافة أن يتقدم على شيء ، فصرفه .
لفظ أبي حاتم عن الأنصاري عن أبيه عن ثمامة .
[ ص: 104 ] الزهري : أخبرني ثعلبة بن أبي مالك : أن قيس بن سعد - وكان صاحب لواء النبي ، صلى الله عليه وسلم - أراد الحج ، فرجل أحد شقي رأسه ; فقام غلام له ، فقلد هديه ، فأهل وما رجل شقه الآخر .
وذكر عاصم بن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل قيس بن سعد على الصدقة .
وجاء في بعض طرق حديث الحوت الذي يقال له : العنبر ، عن جابر ، أن أميرهم كان قيس بن سعد ، وإنما المحفوظ أبو عبيدة .
وروى عمر بن دينار ، سمع أبا صالح السمان يذكر أن قيس بن سعد نحر لهم - يعني في تلك الغزوة - عدة جزائر .
وقد جود ابن عساكر طرقه .
[ ص: 105 ] وقال الواقدي : حدثنا داود بن قيس ، ومالك ، وطائفة ، قالوا : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ، وهم ثلاثمائة ، إلى ساحل البحر إلى حي من جهينة ، فأصابهم جوع شديد . فأمر أبو عبيدة بالزاد ، فجمع ; حتى كانوا يقتسمون التمرة . فقال قيس بن سعد : من يشتري مني تمرا بجزر ، يوفيني الجزر هاهنا وأوفيه التمر بالمدينة . فجعل عمر يقول : يا عجبا لهذا الغلام ، يدين في مال غيره . فوجد رجلا من جهينة ، فساومه ، فقال : ما أعرفك ! قال : أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم . فقال : ما أعرفني بنسبك أما إن بيني وبين سعد خلة سيد أهل يثرب فابتاع منه خمس جزائر ، كل جزور بوسق من تمر ، وأشهد له نفرا . فقال عمر : لا أشهد ، هذا يدين ولا مال له ، إنما المال لأبيه . فقال الجهني : والله ما كان سعد ليخني بابنه في شقة من تمر ، وأرى وجها حسنا ، فنحرها لهم في ثلاثة مواطن . فلما كان في اليوم الرابع ، نهاه أميره ، وقال : تريد أن تخرب ذمتك ولا مال لك .
قال فحدثني محمد بن يحيى بن سهل ، عن أبيه ، عن رافع بن خديج قال : بلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة ، فقال : إن يك قيس كما [ ص: 106 ] أعرف ، فسوف ينحر للقوم ، فلما قدم ، قص على أبيه ، وكيف منعوه آخر شيء من النحر ، فكتب له أربع حوائط أدنى حائط منها يجد خمسين وسقا . فقيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه ، قال : أما إنه في بيت جود .
أبو عاصم : حدثنا جويرية ، قال : كان قيس يستدين ، ويطعم ، فقال أبو بكر وعمر : إن تركنا هذا الفتى ، أهلك مال أبيه ، فمشيا في الناس ، فقام سعد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب ، يبخلان علي ابني .
وقيل : وقفت على قيس عجوز ، فقالت : أشكو إليك قلة الجرذان ، فقال : ما أحسن هذه الكناية ، املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا .
مالك : عن يحيى بن سعيد ، قال : كان قيس بن سعد يطعم الناس في أسفاره مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا نفد ما معه تدين ، وكان ينادي في كل يوم ; هلموا إلى اللحم والثريد .
قال ابن سيرين : كان سعد ينادي على أطمه : من أحب شحما ولحما ، فليأت ، ثم أدركت ابنه مثل ذلك .
وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : باع قيس بن سعد مالا من [ ص: 107 ] معاوية بتسعين ألفا ; فأمر من نادى في المدينة : من أراد القرض فليأت . فأقرض أربعين ألفا ، وأجاز بالباقي ، وكتب على من أقرضه . فمرض مرضا قل عواده ، فقال لزوجته قريبة أخت الصديق : لم قل عوادي ؟ قالت : للدين ، فأرسل إلى كل رجل بصكه ، وقال : اللهم ارزقني مالا وفعالا ، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال .
عمرو بن دينار ، عن أبي صالح ، أن سعدا قسم ماله بين ولده ، وخرج إلى الشام ، فمات ، وولد له ولد بعد ; فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس ، فقالا : نرى أن ترد على هذا ، فقال : ما أنا بمغير شيئا صنعه سعد ، ولكن نصيبي له .
وجاءت هذه عن ابن سيرين ، وعن عطاء .
قال مسعر : عن معبد بن خالد ، قال : كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعا أصبعه المسبحة ، يعني : يدعو
وجود قيس يضرب به المثل ، وكذلك دهاؤه .
روى الجراح بن مليح البهراني ، عن أبي رافع ، عن قيس بن سعد ، قال : لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : المكر والخديعة في النار [ ص: 108 ] لكنت من أمكر هذه الأمة .
ابن عيينة : حدثني عمرو ، قال : قال قيس : لولا الإسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب .
وعن الزهري : كانوا يعدون قيسا من دهاة العرب ، وكان من ذوي الرأي ، وقالوا : دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة : معاوية ، وعمرو ، وقيس ، والمغيرة ، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي .
وكان قيس وابن بديل مع علي وكان عمرو بن العاص مع معاوية ، وكان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حكم الحكمان .
عوف عن محمد ، قال : كان محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة من أشدهم على عثمان ، فأمر علي قيس بن سعد على مصر ، وكان حازما . فنبئت أنه كان يقول : لولا أن المكر فجور ، لمكرت مكرا تضطرب منه أهل الشام بينهم . فكتب معاوية وعمرو إليه يدعوانه إلى مبايعتهما . فكتب إليهما كتابا فيه غلظ . فكتبا إليه بكتاب فيه عنف ، فكتب إليهما بكتاب فيه لين . فلما قرآه ، علما أنهما لا يدان لهما بمكره . فأذاعا بالشام أنه قد تابعنا ، فبلغ ذلك عليا ، فقال له أصحابه : أدرك مصر فإن قيسا قد بايع معاوية . فبعث محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة إلى مصر ، وأمر ابن أبي بكر . فلما قدما على قيس بنزعه ، علم أن عليا قد خدع فقال لمحمد : يا ابن أخي احذر ، يعني أهل مصر ، فإنهم سيسلمونكما ، فتقتلان . فكان كما قال .
[ ص: 109 ] وعن يزيد بن أبي حبيب : قال : ضبط قيس مصر ، وكان ممتنعا بالمكيدة والدهاء من معاوية وعمرو ، أدر الأرزاق عليهم ، ولم يحمل إلى أهل الشام طعاما ، قال : فمكرا بعلي ، وكتب معاوية كتابا من قيس إليه ، يذكر فيه ما أتى إلى عثمان من الأمر العظيم وإني على السمع والطاعة . ثم نادى معاوية : الصلاة جامعة ، فخطب ، وقال : يا أهل الشام ، إن الله ينصر خليفته المظلوم ، ويخذل عدوه أبشروا . هذا قيس بن سعد ناب العرب قد أبصر الأمر ، وعرفه على نفسه ، ورجع إلى الطلب بدم خليفتكم ، وكتب إلي . فأمر بالكتاب فقرئ ، وقد أمر بحمل الطعام إليكم ، فادعوا الله لقيس ، وارفعوا أيديكم ، فعجوا وعج معاوية ، ورفعوا أيديهم ساعة ، فقال معاوية لعمرو : تحين خروج العيون ، ففي سبع أو ثمان يصل الخبر إلى علي ، فيعزل قيسا ، وكل من ولي مصر كان أهون علينا . فلما ورد على علي الخبر ، دخل عليه محمد بن أبي بكر والأشتر ، وذما قيسا ، وجعل علي لا يقبل . ثم عزله ، وولى الأشتر ، فمات قبل أن يصل إليها .
قلت : فقيل : سم . وولى محمد بن أبي بكر فقتل بها ، وغلب عليها عمرو .
قال ضمرة بن ربيعة : جعل معاوية يقول : ادعوا لصاحبكم - يعني قيسا - فإنه على رأيكم ، فعزله علي ، وولاها محمد بن أبي بكر . وتقدم إليه أن لا يعرض لابن حديج وأصحابه ، وكانوا أربعة آلاف قد نزلوا بنخيلة وتنحوا عن الفريقين بعد صفين فعبث بهم . قال : ورحل قيس إلى المدينة ، [ ص: 110 ] وعبثت به بنو أمية ، فلحق بعلي . فكتب معاوية إلى مروان : ماذا صنعتم من إخراجكم قيسا إليه ؟ قال : وكتب ابن حديج وأصحابه إلى معاوية : ابعث إلينا أميرا . فبعث عمرو بن العاص إليهم ، فلجأ محمد بن أبي بكر إلى عجوز ، فأقر عليه ابنها ، فقتلوه ، وأحرق في بطن حمار ، وهرب محمد بن أبي حذيفة ، فقتل أيضا .
وعن الزهري ، قال : قدم قيس المدينة فتوامر فيه الأسود بن أبي البختري ، ومروان أن يبيتاه ، وبلغ ذلك قيسا ، فقال : والله إن هذا لقبيح أن أفارق عليا وإن عزلني ، والله لألحقن به . فلحق به ، وحدثه بما كان يعتمد بمصر . فعرف علي أن قيسا كان يداري أمرا عظيما بالمكيدة ، فأطاع علي قيسا في الأمر كله ، وجعله على مقدمة جيشه . فبعث معاوية يؤنب مروان والأسود ، وقال : أمددتما عليا بقيس ؟ والله لو أمددتماه بمائة ألف مقاتل ، ما كان بأغيظ علي من إخراجكما قيسا إليه
وروي نحوه عن معمر أيضا ، عن الزهري .
هشام بن عروة : عن أبيه ، كان قيس مع علي في مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم بعدما مات علي ، فلما دخل الحسن . في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل ، وقال لأصحابه : إن شئتم جالدت بكم أبدا حتى يموت الأعجل ، وإن شئتم أخذت لكم أمانا . فقالوا : خذ لنا ، [ ص: 111 ] فأخذ لهم ، ولم يأخذ لنفسه خاصة . فلما ارتحل نحو المدينة ومعه أصحابه ، جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ صرارا .
ابن عيينة ، عن أبي هارون المدني ، قال : قال معاوية لقيس بن سعد : إنما أنت حبر من أحبار يهود ; إن ظهرنا عليك قتلناك ، وإن ظهرت علينا نزعناك ، فقال : إنما أنت وأبوك صنمان من أصنام الجاهلية ، دخلتما في الإسلام كرها ، وخرجتما منه طوعا .
هذا منقطع .
المدائني : عن أبي عبد الرحمن العجلاني ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان ، قال : دخل قيس بن سعد في رهط من الأنصار على معاوية ، فقال : يا معشر الأنصار ! بما تطلبون ما قبلي ؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي ، كثيرا علي ، وأفللتم حدي يوم صفين ، حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم ، وهجوتموني حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله ، قلتم : ارع فينا وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هيهات يأبى الحقين العذرة فقال قيس : نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله ما سواه ، لا بما تمت به إليك الأحزاب ، فأما عداوتنا لك ، فلو شئت كففتها عنك ، وأما الهجاء فقول يزول باطله ، ويثبت حقه ، وأما استقامة الأمر عليك فعلى كره منا ، وأما فلنا حدك ، فإنا كنا مع رجل نرى طاعته لله ، وأما وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنا ، فمن أبه رعاها . [ ص: 112 ] وأما قولك : يأبى الحقين العذرة ، فليس دون الله يد تحجزك ، فشأنك . فقال معاوية : سوءة . ارفعوا حوائجكم .
أبو تميلة - يحيى بن واضح - : أنبأنا رجل من ولد الحارث بن الصمة ، يكنى أبا عثمان ، أن قيصر بعث إلى معاوية : ابعث إلي سراويل أطول رجل من العرب ، فقال لقيس بن سعد : ما أظننا إلا قد احتجنا إلى سراويلك ، فقام فتنحى وجاء ، فألقاها ، فقال : ألا ذهبت إلى منزلك ، ثم بعثت بها ؟ فقال : أردت بها كي يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود وإني من الحي اليماني سيد وما الناس إلا سيد ومسود فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم شديد وخلقي في الرجال مديد

فأمر معاوية بأطول رجل في الجيش فوضعت على أنفه ، قال : فوقفت بالأرض .
ورويت بإسناد آخر .
قال الواقدي وغيره : توفي قيس في آخر خلافة معاوية=====================فضالة بن عبيد ( م ، 4 )
ابن نافذ بن قيس بن صهيب بن أصرم بن جحجبى القاضي [ ص: 114 ] الفقيه أبو محمد الأنصاري الأوسي . صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيعة الرضوان .
ولي الغزو لمعاوية ، ثم ولي له قضاء دمشق ، وكان ينوب عن معاوية في الإمرة إذا غاب .
وله عدة أحاديث . وله عن عمر وعن أبي الدرداء .
حدث عنه : حنش الصنعاني ، وعبد الله بن محيريز ، وعبد الرحمن بن جبير ، وعمرو بن مالك الجنبي ، وعبد العزيز بن أبي الصعبة ، والقاسم أبو عبد الرحمن ، وعلي بن رباح ، وميسرة مولى فضالة وطائفة .
قال الواقدي : شهد فضالة أحدا ، والخندق ، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج إلى الشام ، فسكنها ، وكان قاضيا بالشام .
وقال ابن يونس : شهد فتح مصر . وولي بها القضاء والبحر لمعاوية . فروى عنه من أهلها : أبو خراش الصحابي ، والهيثم بن شفي ، وعبد الرحمن بن جحدم وسمى جماعة .
وقال سعيد بن عبد العزيز : كان فضالة أصغر من شهد بيعة الرضوان .
قلت : إن ثبت شهوده أحدا ، فما كان يوم الشجرة صغيرا .
قال : وقال معاوية حين هلك فضالة ، وهو يحمل نعشه ، لابنه عبد الله بن معاوية : تعال اعقبني ، فإنك لن تحمل مثله أبدا .
قال الوليد : في سنة إحدى وخمسين غزا فضالة الشاتية .
[ ص: 115 ] أيوب بن سويد : عن ابن جابر ، حدثنا القاسم أبو عبد الرحمن ، قال : غزونا مع فضالة بن عبيد - ولم يغز فضالة في البر غيرها - فبينا نحن نسرع في السير ، وهو أمير الجيش ، وكانت الولاة إذ ذاك يسمعون ممن استرعاهم الله عليه ، فقال قائل : أيها الأمير ! إن الناس قد تقطعوا ، قف حتى يلحقوا بك . فوقف في مرج عليه قلعة ، فإذا نحن برجل أحمر ذي شوارب ، فأتينا به فضالة ، فقلنا : إنه هبط من الحصن بلا عهد . فسأله ، فقال : إني البارحة أكلت الخنزير ، وشربت الخمر ، فأتاني في النوم رجلان ، فغسلا بطني ، وجاءتني امرأتان ، فقالتا : أسلم ، فأنا مسلم ، فما كانت كلمته أسرع من أن رمينا بالزبار فأصابه ، فدق عنقه . فقال فضالة : الله أكبر ! عمل قليلا ، وأجر كثيرا . فصلينا عليه ، ثم دفناه .
الوليد بن مسلم : حدثنا خالد بن يزيد ، عن أبيه ، أن أبا الدرداء كان يقضي على دمشق ، وأنه لما احتضر ، أتاه معاوية عائدا ، فقال : من ترى للأمر بعدك ؟ قال : فضالة بن عبيد . فلما توفي ، قال معاوية لفضالة : إني قد وليتك القضاء ، فاستعفى منه ، فقال : والله ما حابيتك بها ، ولكني استترت بك من النار ، فاستتر منها ما استطعت .
قال سعيد بن عبد العزيز : لما سار معاوية إلى صفين ، استعمل على دمشق فضالة .
إبراهيم بن هشام الغساني : حدثني أبي ، عن جدي ، قال : وقعت [ ص: 116 ] من رجل مائة دينار ، فنادى : من وجدها ، فله عشرون دينارا ، فأقبل الذي وجدها . فقال : هذا مالك ، فأعطني الذي جعلت لي . فقال : كان مالي عشرين ومائة دينار ، فاختصما إلى فضالة ، فقال لصاحب المال : أليس كان مالك مائة وعشرين دينارا كما تذكر ؟ قال : بلى . وقال للآخر : أنت وجدت مائة ؟ قال : نعم . قال : فاحبسها ولا تعطه ، فليس هو بماله حتى يجيء صاحبه .
وعن فضالة ، قال : لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة ، أحب إلي من الدنيا وما فيها ; لأنه - تعالى - يقول : إنما يتقبل الله من المتقين .
أحمد بن يونس اليربوعي : حدثنا معاوية بن حفص ، عن داود بن مهاجر ، عن ابن محيريز ; سمع فضالة بن عبيد ، وقلت له : أوصني ، قال : خصال ينفعك الله بهن ; إن استطعت أن تعرف ولا تعرف ، فافعل ، وإن استطعت أن تسمع ولا تكلم ، فافعل ، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك ، فافعل .
قد عد فضالة في كبار القراء . وقيل : لكن ابن عامر تلا عليه .
سفيان : عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن نعيم بن ذي جناب ، عن فضالة بن عبيد قال : ثلاث من الفواقر ، إمام إن أحسنت ، لم يشكر ، وإن أسأت ، لم يغفر . وجار إن رأى حسنة ، دفنها ، وإن رأى سيئة ، [ ص: 117 ] أفشاها ، وزوجة إن حضرت ، آذتك ، وإن غبت ، خانتك في نفسها وفي مالك .
قال ابن معين : دفن فضالة بباب الصغير .
وقال المدائني وغيره : مات سنة ثلاث وخمسين وقال خليفة : توفي سنة تسع وخمسين .
=====================معاوية بن أبي سفيان ( ع )
صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن [ ص: 120 ] كلاب ، أمير المؤمنين ، ملك الإسلام ، أبو عبد الرحمن ، القرشي الأموي المكي .
وأمه هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي .
قيل : إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء ، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من أبيه ، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح .
حدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتب له مرات يسيرة ، وحدث أيضا عن أخته - أم المؤمنين - أم حبيبة ، وعن أبي بكر ، وعمر .
روى عنه : ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح السمان ، وأبو إدريس الخولاني ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعروة بن الزبير ، وسعيد المقبري ، وخالد بن معدان ، وهمام بن منبه ، وعبد الله بن عامر المقرئ ، والقاسم أبو عبد الرحمن ، وعمير بن هانئ ، وعبادة بن نسي ، وسالم بن عبد الله ، ومحمد بن سيرين ، ووالد عمرو بن شعيب ، وخلق سواهم .
وحدث عنه من الصحابة أيضا : جرير بن عبد الله ، وأبو سعيد ، والنعمان بن بشير ، وابن الزبير .
ذكر ابن أبي الدنيا وغيره : أن معاوية كان طويلا ، أبيض ، جميلا ، إذا ضحك انقلبت شفته العليا . وكان يخضب .
روى سعيد بن عبد العزيز : عن أبي عبد رب : رأيت معاوية يخضب [ ص: 121 ] بالصفرة كأن لحيته الذهب .
قلت : كان ذلك لائقا في الزمان واليوم لو فعل لاستهجن . وروى عبد الجبار بن عمر ، عن الزهري ، عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ : سمع معاوية على منبر المدينة يقول : أين فقهاؤكم يا أهل المدينة ؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذه القصة ثم وضعها على رأسه . فلم أر على عروس ولا على غيرها أجمل منها على معاوية .
وعن أبان بن عثمان : كان معاوية وهو غلام يمشي مع أمه هند ، فعثر ، فقالت : قم لا رفعك الله ، وأعرابي ينظر ، فقال : لم تقولين له ؟ فوالله إني لأظنه سيسود قومه ، قالت : لا رفعه إن لم يسد إلا قومه .
قال أسلم مولى عمر : قدم علينا معاوية وهو أبض الناس وأجملهم .
[ ص: 122 ] ابن إسحاق : عن أبيه : رأيت معاوية بالأبطح أبيض الرأس واللحية كأنه فالج .
قال مصعب الزبيري : كان معاوية يقول : أسلمت عام القضية .
ابن سعد : حدثنا محمد بن عمر ، حدثني أبو بكر بن أبي سبرة ، عن عمر بن عبد الله العنسي ، قال معاوية : لما كان عام الحديبية ، وصدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيت ، وكتبوا بينهم القضية ، وقع الإسلام في قلبي ، فذكرت لأمي ، فقالت : إياك أن تخالف أباك ، فأخفيت إسلامي ، فوالله لقد رحل رسول الله من الحديبية وإني مصدق به ، ودخل مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم . وعلم أبو سفيان بإسلامي ، فقال لي يوما : لكن أخوك خير منك وهو على ديني ، فقلت : لم آل نفسي خيرا ، وأظهرت إسلامي يوم الفتح ، فرحب بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتبت له .
ثم قال الواقدي : وشهد معه حنينا ، فأعطاه من الغنائم مائة من الإبل ، وأربعين أوقية .
قلت : الواقدي لا يعي ما يقول ، فإن كان معاوية كما نقل قديم الإسلام ، فلماذا يتألفه النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ ولو كان أعطاه ، لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس : أما معاوية فصعلوك لا مال له .
ونقل المفضل الغلابي عن أبي الحسن الكوفي ، قال : كان زيد [ ص: 123 ] بن ثابت كاتب الوحي ، وكان معاوية كاتبا فيما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين العرب .
عمرو بن مرة : عن عبد الله بن الحارث ، عن زهير بن الأقمر ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان معاوية يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم .
أبو عوانة : عن أبي حمزة ، عن ابن عباس ، قال : كنت ألعب مع الغلمان ، فدعاني النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : ادع لي معاوية . وكان يكتب الوحي .
رواه أحمد في مسنده وزاد فيه الحاكم : حدثنا علي بن حمشاد ، حدثنا هشام بن علي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة قال : فدعوته ، فقيل : إنه يأكل . فأتيت ، فقلت : يا رسول الله ، هو يأكل . قال : اذهب فادعه . فأتيته الثانية ، فقيل : إنه يأكل ، فأتيت رسول الله ، فأخبرته ، فقال في الثالثة : لا أشبع الله بطنه . قال : فما شبع بعدها .
رواه الطيالسي : حدثنا أبو عوانة ، وهشيم ، وفيه : لا أشبع الله بطنه .
فسره بعض المحبين قال : لا أشبع الله بطنه ; حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة ، لأن الخبر عنه أنه قال : أطول الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة . [ ص: 124 ] قلت : هذا ما صح ، والتأويل ركيك ، وأشبه منه قوله - عليه السلام - : اللهم من سببته أو شتمته من الأمة فاجعلها له رحمة أو كما قال . وقد كان معاوية معدودا من الأكلة .
جماعة : عن معاوية بن صالح ، عن يونس بن سيف ، عن الحارث بن زياد ، عن أبي رهم السماعي عن العرباض ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان : هلم إلى الغداء المبارك . ثم سمعته يقول : اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب .
رواه ابن مهدي ، وأسد السنة ، وأبو صالح ، وبشر بن السري عنه . وهذا في جزء ابن عرفة معضل سقط منه العرباض وأبو رهم ، وللحديث شاهد قوي .
أبو مسهر : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي قال لمعاوية : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب .
أبو هلال محمد بن سليم : حدثنا جبلة بن عطية ، عن رجل ، عن [ ص: 125 ] مسلمة بن مخلد ، أنه قال لعمرو بن العاص ومعاوية يأكل : إن ابن عمك هذا لمخضد ، أما إني أقول هذا ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب .
فيه رجل مجهول ، وجاء نحوه من مراسيل الزهري ، ومراسيل عروة بن رويم ، وحريز بن عثمان .
مروان بن محمد : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، حدثني ربيعة بن يزيد ، سمعت عبد الرحمن بن أبي عميرة ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لمعاوية : اللهم اجعله هاديا ، مهديا ، واهد به .
حسنه الترمذي .
صفوان بن صالح : حدثنا الوليد ومروان بن محمد ، حدثنا سعيد نحوه .
وقال أبو زرعة النصري ، وعباس الترقفي حدثنا أبو مسهر ، حدثنا سعيد نحوه ، وفيه : سمعت رسول الله .
أحمد بن المعلى : حدثنا محمود ، حدثنا عمر بن عبد الواحد ، عن سعيد ، عن ربيعة : أن بعثا من أهل الشام كانوا مرابطين بآمد ، وأن عمير بن سعد كان على حمص ، فعزله عثمان ، وولى معاوية ، فبلغ ذلك أهل [ ص: 126 ] حمص ، فشق عليهم ، فقال عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به واهده .
أبو بكر بن أبي داود : حدثنا محمود بن خالد ، حدثنا الوليد وعمر بن عبد الواحد ، عن سعيد ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة ; سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به .
عمرو بن واقد : عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس ، قال : لما عزل عمر عمير بن سعد عن حمص ، ولى معاوية ، فقال الناس في ذلك . فقال عمير : لا تذكروا معاوية إلا بخير ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اهد به .
رواه عن الذهلي ، عن النفيلي ، عنه .
هشام بن عمار ، حدثنا عبد العزيز بن الوليد بن سليمان سمعت أبي يقول : إن عمر ولى معاوية . فقالوا : ولاه حديث السن . فقال : تلومونني ، وأنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به هذا منقطع ===محمد بن شعيب : حدثنا مروان بن جناح ، عن يونس بن ميسرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استأذن أبا بكر وعمر في أمر ، فقالا : الله ورسوله أعلم ، فقال : أشيرا علي . ثم قال : ادعوا معاوية . فقال : أحضروه أمركم ، وأشهدوه أمركم ، فإنه قوي أمين .
ورواه نعيم بن حماد ، عن بن شعيب ; فوصله بعبد الله بن بسر .
أبو مسهر وابن عائذ : عن صدقة بن خالد ، عن وحشي بن حرب بن وحشي ، عن أبيه ، عن جده قال : أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - معاوية خلفه فقال : ما يليني منك ؟ قال : بطني يا رسول الله . قال : اللهم املأه علما .
زاد فيه أبو مسهر : وحلما .
قال صالح جزرة : لا يشتغل بوحشي ولا بأبيه .
بقية : عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير ومعه جماعة ، فذكروا الشام ، فقال رجل : كيف نستطيع الشام وفيه الروم ؟ . قال : ومعاوية في القوم - وبيده عصا - فضرب بها كتف معاوية ، وقال : يكفيكم الله بهذا .
هذا مرسل قوي .
فهذه أحاديث مقاربة .
وقد ساق ابن عساكر في الترجمة أحاديث واهية وباطلة ، طول بها جدا .
[ ص: 128 ] وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه ، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، وإما قد ولدوا في الشام على حبه ، وتربى أولادهم على ذلك . وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة ، وعدد كثير من التابعين والفضلاء ، وحاربوا معه أهل العراق ، ونشأوا على النصب ، نعوذ بالله من الهوى . كما قد نشأ جيش علي - رضي الله عنه ورعيته إلا الخوارج منهم - على حبه والقيام معه ، وبغض من بغى عليه والتبري منهم ، وغلا خلق منهم في التشيع . فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب ، مفرطا في البغض ، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال ؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين ، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين ، وتبصرنا ، فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد ، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة ، أو بخطأ - إن شاء الله - مغفور ، وقلنا كما علمنا الله ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين ، كسعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وسعيد بن زيد ، وخلق . وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا ، وكفروا الفريقين . فالخوارج كلاب النار ، قد مرقوا من الدين ، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار ، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان==================كاد معاوية أن يبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام ربي .
[ ص: 129 ] وعن عثمان مرفوعا : هنيئا لك يا معاوية ، لقد أصبحت أمينا على خبر السماء .
عن أبي موسى : نزل عليه الوحي ، فلما سري عنه ، طلب معاوية ، فلما كتبها - يعني آية الكرسي - قال : غفر الله لك يا معاوية ما تقدم إلى يوم القيامة .
عن مري الحوراني ، عن رجل : نزل جبريل ، فقال : يا محمد ليس لك أن تعزل من اختاره الله لكتابة وحيه ، فأقره إنه أمين .
عن سعد مرفوعا : يحشر معاوية وعليه حلة من نور .
عن أنس : هبط جبريل بقلم من ذهب ، فقال يا محمد : إن العلي الأعلى يقول : قد أهديت القلم من فوق عرشي إلى معاوية ، فمره أن يكتب آية الكرسي به ويشكله ويعجمه ، فذكر خبرا طويلا .
وعن ابن عباس ، قال : لما أنزلت آية الكرسي ، دعا معاوية ، فلم يجد قلما ، وذلك أن الله أمر جبريل أن يأخذ الأقلام من دواته ، فقام ليجيء بقلم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذ القلم من أذنك ، فإذا قلم ذهب مكتوب عليه لا إله إلا الله ، هدية من الله إلى أمينه معاوية .
وعن عائشة مرفوعا : كأني أنظر إلى سويقتي معاوية ترفلان في الجنة .
عن علي ، قال : لأخرجن ما في عنقي لمعاوية ، قد استكتبه نبي الله وأنا جالس ، فعلمت أن ذلك لم يكن من رسول الله ، ولكن من الله .
عن جابر مرفوعا : الأمناء عند الله سبعة ; القلم ، وجبريل ، وأنا ، ومعاوية ، واللوح ، وإسرافيل ، وميكائيل .
عن زيد بن ثابت : دخل النبي - عليه السلام - على أم حبيبة ، ومعاوية [ ص: 130 ] نائم على فخذها ، فقال : أتحبينه ؟ قالت : نعم . قال : لله أشد حبا له منك له ، كأني أراه على رفارف الجنة .
عن جعفر : أنه أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - سفرجل ، فأعطى معاوية منه ثلاثا ، وقال : القني بهن في الجنة .
قلت : وجعفر قد استشهد قبل قدوم معاوية مسلما .
وعن حذيفة مرفوعا : يبعث معاوية وعليه رداء من نور الإيمان .
عن أبي سعيد مرفوعا : يخرج معاوية من قبره عليه رداء من سندس مرصع بالدر والياقوت .
عن علي : أن جبريل نزل ، فقال : استكتب معاوية ، فإنه أمين .
أبو هريرة مرفوعا : الأمناء ثلاثة ; أنا ، وجبريل ، ومعاوية .
وعن واثلة : بنحوه .
أبو هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناول معاوية سهما ، وقال : خذه حتى توافيني به في الجنة .
أنس مرفوعا : لا أفتقد أحدا غير معاوية ، لا أراه سبعين عاما ; فإذا كان بعد أقبل على ناقة من المسك ، فأقول : أين كنت ؟ فيقول : في روضة تحت العرش . . . الحديث .
وعن بعضهم : جاء جبريل بورقة آس عليها : لا إله إلا الله ، حب [ ص: 131 ] معاوية فرض على عبادي .
ابن عمر مرفوعا : يا معاوية ; أنت مني وأنا منك ، لتزاحمني على باب الجنة .
فهذه الأحاديث ظاهرة الوضع والله أعلم================ويروى في فضائل معاوية أشياء ضعيفة تحتمل ، منها :
فضيل بن مرزوق : عن رجل ، عن أنس مرفوعا : دعوا لي أصحابي وأصهاري .
أحمد في " المسند " : حدثنا روح ، حدثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد ، حدثنا جدي : أن معاوية أخذ الإداوة ، وتبع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع رأسه إليه ، وقال : يا معاوية ; إن وليت أمرا فاتق الله واعدل . فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتليت .
ولهذا طرق مقاربة :
يحيى بن أبي زائدة ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن عبد الملك بن عمير ، قال معاوية : والله ما حملني على الخلافة إلا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لي : يا معاوية إن ملكت فأحسن .
ابن مهاجر ضعيف ، والخبر مرسل .
[ ص: 132 ] الأصم : حدثنا أبي ، سمعت ابن راهويه يقول : لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل معاوية شيء .
ابن فضيل : حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبي برزة ; كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت غناء ، فقال : انظروا ما هذا ؟ فصعدت فنظرت ، فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان ، فجئت فأخبرته ، فقال : اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ، ودعهما في النار دعا .
هذا مما أنكر على يزيد .
ابن لهيعة : عن يونس ، عن ابن شهاب : قدم عمر الجابية ، فبقى على الشام أميرين ، أبا عبيدة بن الجراح ، ويزيد بن أبي سفيان . ثم توفي يزيد . فنعاه عمر إلى أبي سفيان ، فقال : ومن أمرت مكانه ؟ قال : معاوية ، فقال : وصلتك يا أمير المؤمنين رحم .
وقال خليفة : ثم جمع عمر الشام كلها لمعاوية ، وأقره عثمان .
قلت : حسبك بمن يؤمره عمر ، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطه ويقوم به أتم قيام ، ويرضي الناس بسخائه وحلمه ، وإن كان [ ص: 133 ] بعضهم تألم مرة منه ، وكذلك فليكن الملك . وإن كان غيره من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرا منه بكثير وأفضل وأصلح ، فهذا الرجل ساد ، وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه . وله هنات وأمور ، والله الموعد .
وكان محببا إلى رعيته . عمل نيابة الشام عشرين سنة ، والخلافة عشرين سنة ، ولم يهجه أحد في دولته ، بل دانت له الأمم ، وحكم على العرب والعجم ، وكان ملكه على الحرمين ، ومصر ، والشام ، والعراق ، وخراسان ، وفارس ، والجزيرة ، واليمن ، والمغرب ، وغير ذلك .
عن إسماعيل بن أمية : أن عمر أفرد معاوية بالشام ، ورزقه في الشهر ثمانين دينارا . والمحفوظ أن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان . وعن رجل ، قال : لما قدم عمر الشام ، تلقاه معاوية في موكب عظيم وهيئة ، فلما دنا منه ، قال : أنت صاحب الموكب العظيم ؟ قال : نعم . قال : مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك . قال : نعم . قال : ولم تفعل ذلك ؟ قال : نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير ، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يرهبهم فإن نهيتني انتهيت ، قال : يا معاوية ! ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس . لئن كان ما قلت حقا ، إنه لرأي أريب ، وإن كان باطلا ، فإنه لخدعة أديب . قال : فمرني . قال : لا آمرك ولا أنهاك . فقيل : يا أمير المؤمنين ! ما أحسن ما صدر عما أوردته . قال : لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه .
[ ص: 134 ] ورويت بإسنادين عن العتبي نحوها .
مسلم بن جندب ، عن أسلم مولى عمر ، قال : قدم معاوية وهو أبض الناس وأجملهم ; فخرج مع عمر إلى الحج ، وكان عمر ينظر إليه ، فيعجب ، ويضع أصبعه على متنه ، ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول : بخ بخ . نحن إذا خير الناس إن جمع لنا خير الدنيا والآخرة . قال : يا أمير المؤمنين ! سأحدثك ; إنا بأرض الحمامات والريف . قال عمر : سأحدثك ، ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام ، وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك ، وذوو الحاجات وراء الباب . قال : فلما جئنا ذا طوى ، أخرج معاوية حلة ، فلبسها ، فوجد عمر منها طيبا ، فقال : يعمد أحدكم يخرج حاجا تفلا حتى إذا جاء أعظم بلد لله حرمة ، أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما ، قال : إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي . والله لقد بلغني أذاك هنا وبالشام ، والله يعلم أني قد عرفت الحياء فيه . ونزع معاوية الثوبين ، ولبس ثوبي إحرامه .
قال المدائني : كان عمر إذا نظر إلى معاوية ، قال : هذا كسرى العرب .
ابن أبي ذئب ، عن المقبري ; قال عمر : تعجبون من دهاء هرقل [ ص: 135 ] وكسرى وتدعون معاوية ؟
عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده ، قال : دخل معاوية على عمر ، وعليه حلة خضراء . فنظر إليها الصحابة . قال : فوثب إليه عمر بالدرة ، وجعل يقول : الله الله يا أمير المؤمنين ، فيم فيم ؟ فلم يكلمه حتى رجع . فقالوا : لم ضربته وما في قومك مثله ؟ قال : ما رأيت وما بلغني إلا خيرا ، ولكنه رأيته ، وأشار بيده ، فأحببت أن أضع منه .
قال أحمد بن حنبل : فتحت قيسارية سنة تسع عشرة وأميرها معاوية .
وقال يزيد بن عبيدة : غزا معاوية قبرص سنة خمس وعشرين .
وقال الزهري : نزع عثمان عمير بن سعد ، وجمع الشام لمعاوية .
وعن الزهري قال : لم ينفرد معاوية بالشام حتى استخلف عثمان .=================سعيد بن عبد العزيز : عن إسماعيل بن عبيد الله ، عن قيس بن الحارث ، عن الصنابحي ، عن أبي الدرداء ، قال : ما رأيت أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أميركم هذا ، يعني معاوية .
وكيع : عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان : [ ص: 136 ] إن الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي

فقال كعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء ، يعني : معاوية . فبلغ ذلك معاوية ، فأتاه فقال : يا أبا إسحاق تقول هذا وهاهنا علي والزبير وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! قال : أنت صاحبها .
قال الواقدي : لما قتل عثمان ، بعثت نائلة بنت الفرافصة امرأته إلى معاوية كتابا بما جرى ، وبعثت بقميصه بالدم ، فقرأ معاوية الكتاب ، وطيف بالقميص في أجناد الشام ، وحرضهم على الطلب بدمه . فقال ابن عباس لعلي : اكتب إلى معاوية ، فأقره على الشام ، وأطمعه يكفك نفسه وناحيته . فإذا بايع لك الناس ، أقررته أو عزلته . قال : إنه لا يرضى حتى أعطيه عهد الله وميثاقه أن لا أعزله . وبلغ معاوية فقال : والله لا ألي له شيئا ، ولا أبايعه . وأظهر بالشام أن الزبير قادم عليكم ونبايعه . فلما بلغه مقتله ، ترحم عليه ، وبعث علي جريرا إلى معاوية ، فكلمه وعظم عليا ، فأبى أن يبايع ، فرد جرير ، وأجمع على المسير إلى صفين ، فبعث معاوية أبا مسلم الخولاني إلى علي بأشياء يطلبها منه ، وأن يدفع إليه قتلة عثمان ، فأبى ، ورجع أبو مسلم ، وجرت بينهما رسائل ، وقصد كل منهما الآخر ، فالتقوا لسبع بقين من المحرم سنة سبع .
وفي أول صفر شبت الحرب ، وقتل خلق ، وضجروا ، فرفع أهل الشام المصاحف ، وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه ، وكان [ ص: 137 ] ذلك مكيدة من عمرو بن العاص ، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا أذرح . ويحكموا حكمين .
قال : فلم يقع اتفاق . ورجع علي إلى الكوفة بالدغل من أصحابه والاختلاف . فخرج منهم الخوارج ، وأنكروا تحكيمه ، وقالوا : لا حكم إلا لله . ورجع معاوية بالألفة والاجتماع . وبايعه أهل الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين . فكان يبعث الغارات ، فيقتلون من كان في طاعة علي ، أو من أعان على قتل عثمان . وبعث بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن يستعرض الناس ، فقتل باليمن عبد الرحمن وقثما ولدي عبيد الله بن عباس ، ثم استشهد علي في رمضان سنة أربعين .
وصالح الحسن بن علي معاوية ، وبايعه ، وسمي عام الجماعة فاستعمل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة ، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز ، وعلى المدينة أخاه عتبة ثم مروان ، وعلى مصر عمرو بن العاص ، وحج بالناس سنة خمسين . وكان على قضائه بالشام فضالة بن عبيد .
ثم اعتمر سنة ست وخمسين في رجب ، وكان بينه وبين الحسين ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وابن أبي بكر ، كلام في بيعة العهد ليزيد ، ثم قال : إني متكلم بكلام فلا تردوا علي أقتلكم ، فخطب ، وأظهر أنهم قد [ ص: 138 ] بايعوا ، وسكتوا ولم ينكروا ورحل على هذا . وادعى زيادا أنه أخوه فولاه الكوفة بعد المغيرة ، فكتب إليه في حجر بن عدي وأصحابه ، وحملهم إليه ، فقتلهم بمرج عذراء . ثم ضم الكوفة والبصرة إلى زياد ، فمات ، فولاهما ابنه عبيد الله بن زياد . [ ص: 139 ] عن عبد المجيد بن سهيل ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : استعملني عثمان على الحج ، ثم قدمت وقد بويع لعلي ، فقال لي : سر إلى الشام ، فقد وليتكها . قلت : ما هذا برأي ، معاوية أموي ، وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام ، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان ، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني ، قال علي : ولم ؟ قلت : لقرابة ما بيني وبينك ، وأن كل من حمل عليك حمل علي . ولكن اكتب إليه ، فمنه وعده ، فأبى علي ، وقال : لا والله لا كان هذا أبد=====================مجالد : عن الشعبي ، قال : أرسلت أم حبيبة إلى أهل عثمان : أرسلوا إلي بثياب عثمان التي قتل فيها ، فبعثوا بقميصه بالدم وبالخصلة التي نتفت من لحيته ، ودعت النعمان بن بشير ، فبعثت به إلى معاوية ، فصعد معاوية المنبر ، ونشر القميص ، وجمع الناس ، ودعا إلى الطلب بدمه ، فقام أهل الشام ، وقالوا : هو ابن عمك وأنت وليه ونحن الطالبون معك بدمه .
ابن شوذب : عن مطر الوراق ، عن زهدم الجرمي ، قال : كنا في سمر ابن عباس ، فقال : لما كان من أمر هذا الرجل ما كان ، يعني عثمان ، قلت لعلي : اعتزل الناس ، فلو كنت في جحر لطلبت حتى تستخرج ، فعصاني ، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية ، وذلك أن الله يقول : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا .
[ ص: 140 ] يونس : عن ابن شهاب ، قال : لما بلغ معاوية هزيمة يوم الجمل وظهور علي ، دعا أهل الشام للقتال معه على الشورى والطلب بدم عثمان ، فبايعوه على ذلك أميرا غير خليفة .
وفي كتاب صفين ليحيى بن سليمان الجعفي بإسناد له : أن معاوية قال لجرير البجلي لما قدم عليه رسولا بعد محاورة طويلة : اكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ، وأنا أبايع له ما عاش ، فكتب بذلك إلى علي ، ففشا كتابه ، فكتب إليه الوليد بن عقبة : معاوي إن الشام شامك فاعتصم بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليها بالقنابل والقنا ولا تك مخشوش الذراعين وانيا فإن عليا ناظر ما تجيبه فأهد له حربا تشيب النواصيا

ثم قال الجعفي : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن أبيه ، قال : جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية ، وقالوا : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟ فقال : لا والله ، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ، وأنا ابن عمه والطالب بدمه ، فائتوه فقولوا له ، فليدفع إلي قتلة عثمان ، وأسلم له . فأتوا عليا ، فكلموه ، فلم يدفعهم إليه .
[ ص: 141 ] عمرو بن شمر : عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، أو أبي جعفر ، قال : لما ظهر أمر معاوية ، دعا علي رجلا ، وأمره أن يسير إلى دمشق ، فيعقل راحلته على باب المسجد ، ويدخل بهيئة السفر ، ففعل . وكان وصاه . فسأله أهل الشام ، فقال : من العراق . قالوا : وما وراءك ؟ قال : تركت عليا قد حشد إليكم ، ونهد في أهل العراق . فبلغ معاوية ، فبعث أبا الأعور يحقق أمره فأتاه ، فأخبره ، فنودي : الصلاة جامعة . وامتلأ المسجد ، فصعد معاوية وتشهد ، ثم قال : إن عليا قد نهد إليكم ، فما الرأي ؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم ، ولم يرفع أحد إليه طرفه ، فقام ذو الكلاع الحميري فقال : عليك الرأي ، وعلينا أمفعال ، يعني الفعال ، فنزل معاوية ونودي : من تخلف عن معسكره بعد ثلاث أحل بنفسه ، فرد رسول علي ، حتى وافاه ، فأخبره ، فأمر ، فنودي : الصلاة جامعة . واجتمع الناس ، فصعد المنبر ، وقال : إن رسولي قد قدم ، وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم ، فما الرأي ؟ فأضب أهل المسجد يقولون : الرأي كذا ، الرأي كذا ، فلم يفهم علي من كثرة من تكلم ، فنزل وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب بها ابن أكالة الأكباد .
الأعمش : عمن رأى عليا يوم صفين يصفق بيديه ، ويعض عليها ، ويقول : يا عجبا ! أعصى ويطاع معاوية . [ ص: 142 ] أبو حاتم السجستاني : عن أبي عبيدة ، قال : قال معاوية : لقد وضعت رجلي في الركاب ، وهممت يوم صفين بالهزيمة ، فما منعني إلا قول ابن الإطنابة : أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإكراهي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي

قال الأوزاعي : سأل رجل الحسن البصري عن علي وعثمان ، فقال : كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة ، ولهذا قرابة ولهذا قرابة ، وابتلي هذا ، وعوفي هذا . فسأله عن علي ومعاوية ، فقال : كان لهذا قرابة ولهذا قرابة ، ولهذا سابقة وليس لهذا سابقة ، وابتليا جميعا .
قلت : قتل بين الفريقين نحو من ستين ألفا . وقيل : سبعون ألفا . وقتل عمار مع علي ، وتبين للناس قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تقتله الفئة الباغية . [ ص: 143 ] الفسوي : حدثنا حجاج بن أبي منيع ، حدثنا جدي ، عن الزهري ، عن أنس قال : تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية ، وعمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة . وأقبلوا بعد بيعة معاوية بالخلافة حتى قدموا إيلياء ، فصلوا من السحر في المسجد ، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر ، كبر ، فلما سجد انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية حتى طعن معاوية في مأكمته . فانصرف معاوية ، وقال : أتموا صلاتكم ، وأمسك الرجل ، فقال الطبيب : إن لم يكن الخنجر مسموما ، فلا بأس عليك . فأعد الطبيب عقاقيره ، ثم لحس الخنجر ، فلم يجده مسموما ، فكبر ، وكبر من عنده وقيل : ليس بأمير المؤمنين بأس .
قلت : هذه المرة غير المرة التي جرح فيها وقتما قتل علي - رضي الله عنه - فإن تلك فلق أليته وسقي أدوية خلصته من السم ، لكن قطع نسله .
أيوب بن جابر : عن أبي إسحاق ، عن الأسود ; قلت لعائشة : ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة ؟ قالت : وما يعجب ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر . وقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنة .
زيد بن أبي الزرقاء : عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم [ ص: 144 ] قال : قال علي : قتلاي وقتلى معاوية في الجنة .
صدقة بن خالد : عن زيد بن واقد ، عن أبيه ، عن أشياخهم : أن معاوية لما بويع ، وبلغه قتال علي أهل النهروان كاتب وجوه من معه مثل الأشعث ، ومناهم وبذل لهم حتى مالوا إلى معاوية ، وتثاقلوا عن المسير مع علي ، فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله . وكان معاوية يقول : لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا عتاد===================== أنبأنا محمد بن عبيد الله الثقفي ، سمع أبا صالح يقول : شهدت عليا وضع المصحف على رأسه ، حتى سمعت تقعقع الورق فقال : اللهم إني سألتهم ما فيه ، فمنعوني ، اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني على غير أخلاقي ، فأبدلهم بي شرا مني ، وأبدلني بهم خيرا منهم ، ومث قلوبهم ميثة الملح في الماء .
مجالد : عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، قال : لا تكرهوا إمرة معاوية ، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرءوس تندر عن كواهلها .
لما قتل أمير المؤمنين علي ; بايع أهل العراق ابنه الحسن ، وتجهزوا لقصد الشام في كتائب أمثال الجبال ، وكان الحسن سيدا كبير القدر يرى [ ص: 145 ] حقن الدماء ، ويكره الفتن ، ورأى من العراقيين ما يكره .
قال جرير بن حازم : بايع أهل الكوفة الحسن بعد أبيه وأحبوه أكثر من أبيه .
وقال ابن شوذب : سار الحسن يطلب الشام ، وأقبل معاوية في أهل الشام ، فالتقوا ، فكره الحسن القتال ، وبايع معاوية على أن جعل له العهد بالخلافة من بعده ، فكان أصحاب الحسن يقولون له : يا عار المؤمنين ، فيقول : العار خير من النار .
وعن عوانة بن الحكم ، قال : سار الحسن حتى نزل المدائن ، وبعث على المقدمة قيس بن سعد في اثني عشر ألفا ، فبينا الحسن بالمدائن إذ صاح صائح ، ألا إن قيسا قد قتل . فاختبط الناس ، وانتهب الغوغاء سرادق الحسن ، حتى نازعوه بساطا تحته ، وطعنه خارجي من بني أسد بخنجر ، فقتلوا الخارجي ، فنزل الحسن القصر الأبيض ، وكاتب معاوية في الصلح .
وروى نحوا من هذا الشعبي وأبو إسحاق . وتوجع من تلك الضربة أشهرا ، وعوفي .
قال هلال بن خباب : قال الحسن بن علي : يا أهل الكوفة ! لو لم تذهل نفسي عليكم إلا لثلاث لذهلت ; لقتلكم أبي ، وطعنكم في فخذي ، وانتهابكم ثقلي .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن : إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين [ ص: 146 ] عظيمتين من المسلمين ثم إن معاوية أجاب إلى الصلح ، وسر بذلك ، ودخل هو والحسن الكوفة راكبين ، وتسلم معاوية الخلافة في آخر ربيع الآخر ، وسمي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام ، وهو عام أحد وأربعين .
وقال ابن إسحاق : بويع معاوية بالخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لما دخل الكوفة .
وقال أبو معشر : بايعه الحسن بأذرح في جمادى الأولى ، وهو عام الجماعة .
قال المدائني : أقبل معاوية إلى العراق في ستين ألفا ، واستخلف على الشام الضحاك بن قيس ، فلما بلغ الحسن أن معاوية عبر جسر منبج ، عقد لقيس بن سعد على اثني عشر ألفا فسار إلى مسكن وأقبل معاوية إلى الأخنونية في عشرة أيام معه القصاص يعظون ، ويحضون أهل الشام . فنزلوا بإزاء عسكر قيس ، وقدم بسر بن أبي أرطاة إليهم ، فكان بينهم مناوشة ، ثم تحاجزوا .
قال الزهري : عمل معاوية عامين ما يخرم عمل عمر ثم إنه بعد .
الأعمش : عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن سويد ، قال : صلى بنا معاوية في النخيلة الجمعة في الضحى ، ثم خطب وقال : ما قاتلنا لتصوموا ، [ ص: 147 ] ولا لتصلوا ، ولا لتحجوا ، أو تزكوا ، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك ، ولكن إنما قاتلناكم لأتأمر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون .
السري بن إسماعيل ، عن الشعبي ; حدثني سفيان بن الليل ، قلت للحسن لما رجع إلى المدينة من الكوفة : يا مذل المؤمنين . قال : لا تقل ذلك ; فإني سمعت أبي يقول : لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية ، فعلمت أن أمر الله واقع ، فكرهت القتال .
السري تالف .
شعيب : عن الزهري ، عن القاسم بن محمد أن معاوية لما قدم المدينة حاجا ، دخل على عائشة ، فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولاها ، فقالت له : أمنت أن أخبأ لك رجلا يقتلك بأخي محمد . قال : صدقت . ثم وعظته ، وحضته على الاتباع ، فلما خرج ، اتكأ على ذكوان ، وقال : والله ما سمعت خطيبا - ليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من عائشة .
[ ص: 148 ] محمد بن سعد : حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه قالت : قدم معاوية ، فأرسل إلى عائشة أن أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشعره ، فأرسلت به معي أحمله ، حتى دخلت عليه ، فأخذ الأنبجانية ، فلبسها ، ودعا بماء فغسل الشعر ، فشربه ، وأفاض على جلده .
أبو بكر الهذلي : عن الشعبي ، قال : لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة ، تلقته قريش ، فقالوا : الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى أمرك ، فسكت حتى دخل المدينة ، وعلا المنبر ، فحمد الله ، وقال : أما بعد ، فإني والله وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها ، وإني لعالم بما في نفوسكم ، ولكن خالستكم بسيفي هذا مخالسة ، ولقد أردت نفسي على عمل أبي بكر وعمر ، فلم أجدها تقوم بذلك ، ووجدتها عن عمل عمر أشد نفورا ، وحاولتها على مثل سنيات عثمان ، فأبت علي ، وأين مثل هؤلاء ; هيهات أن يدرك فضلهم ، غير أني سلكت طريقا لي فيه منفعة ، ولكم فيه مثل ذلك ، ولكل فيه مواكلة حسنة ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة ، فإن لم تجدوني خيركم ، فأنا خير لكم ، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه ، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني ، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله ، فارضوا ببعضه ، فإنها ليست بقائبة قوبها ، وإن السيل إن جاء تترى - وإن قل - أغنى ، إياكم والفتنة ، [ ص: 149 ] فلا تهموا بها فإنها تفسد المعيشة ، وتكدر النعمة ، وتورث الاستئصال ، وأستغفر الله لي ولكم . ثم نزل .
" القائبة " : البيضة ، " والقوب " : الفرخ ، يقال : قابت البيضة : إذا انفلقت عن الفرخ .
محمد بن بشر العبدي : حدثنا مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد مرفوعا : إذا رأيتم فلانا يخطب على منبري ، فاقتلوه .
رواه جندل بن والق عن محمد بن بشر ، فقال بدل " فلانا " : معاوية . وتابعه الوليد بن القاسم ، عن مجالد .
وقال حماد وجماعة : عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مرفوعا : إذا رأيتم معاوية على منبري ، فاقتلوه . .
الحكم بن ظهير - واه - عن عاصم ، عن زر عن عبد الله مرفوعا نحوه .
وجاء عن الحسن مرسلا .
وروي بإسناد مظلم ، عن جابر مرفوعا : إذا رأيتم معاوية يخطب [ ص: 150 ] على منبري ، فاقبلوه ، فإنه أمين مأمون . .
هذا كذب . ويقال : هو معاوية بن تابوه المنافق ========================قال سعيد بن عبد العزيز : لما قتل عثمان ، ووقع الاختلاف ، لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية ، فأغزاهم مرات . ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة برا وبحرا حتى أجاز بهم الخليج ، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها ، ثم قفل .
الليث عن بكير ، عن بسر بن سعيد ، أن سعد بن أبي وقاص قال : ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب ، يعني معاوية .
أبو بكر بن أبي مريم : عن ثابت مولى سفيان : سمعت معاوية ، وهو يقول : إني لست بخيركم ، وإن فيكم من هو خير مني : ابن عمر ، وعبد الله بن عمرو وغيرهما . ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم ، وأنعمكم لكم ولاية ، وأحسنكم خلقا .
عقيل ، ومعمر ، عن الزهري ، حدثني عروة أن المسور بن مخرمة [ ص: 151 ] أخبره أنه وفد على معاوية ، فقضى حاجته ، ثم خلا به ، فقال : يا مسور ! ما فعل طعنك على الأئمة ؟ قال : دعنا من هذا وأحسن . قال : لا والله ، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي . قال مسور : فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينت له . فقال : لا أبرأ من الذنب . فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ، أم تعد الذنوب ، وتترك الإحسان ؟ قال : ما تذكر إلا الذنوب . قال معاوية : فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه ، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر ؟ قال : نعم . قال : فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني ، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي ، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره ، إلا اخترت الله على ما سواه ، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات ، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها . قال : فخصمني . قال عروة : فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه .
عمرو بن واقد : حدثنا يونس بن ميسرة : سمعت معاوية يقول على منبر دمشق : تصدقوا ولا يقل أحدكم : إني مقل ، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني .
الشافعي : أنبأنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، أخبرني عتبة بن محمد ، أخبرني كريب مولى ابن عباس : أنه رأى معاوية صلى العشاء ، ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد ، فأخبر ابن عباس ، فقال : أصاب . أي بني ! ليس [ ص: 152 ] أحد منا أعلم من معاوية . هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر .
أبو اليمان : حدثنا ابن أبي مريم ، عن عطية بن قيس ، قال : خطبنا معاوية ، فقال : إن في بيت مالكم فضلا عن عطائكم ، وأنا قاسمه بينكم .
هشام بن عمار : حدثنا عمرو بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، قال : رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة ، خلفه وصيف قد أردفه ، عليه قميص مرقوع الجيب .
قال أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، قال : كان معاوية ، وما رأينا بعده مثله .
ابن عيينة : حدثنا ابن أبي خالد ، عن الشعبي ; سمعت معاوية يقول : لو أن عليا لم يفعل ما فعل ، ثم كان في غار ، لذهب الناس إليه حتى يستخرجوه منه .
العوام بن حوشب : عن جبلة بن سحيم ، عن ابن عمر ، قال : ما رأيت أحدا أسود من معاوية ، قلت : ولا عمر ؟ قال : كان عمر خيرا منه ، وكان معاوية أسود منه .
وروي عن أبي يعقوب ، عن ابن عمر نحوه .
وروى ابن إسحاق ، عن نافع : عن ابن عمر مثله ، ولفظه : ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أسود من معاوية . فقلت : كان أسود [ ص: 153 ] من أبي بكر ؟ فقال : كان أبو بكر خيرا منه ، وهو كان أسود . قلت : كان أسود من عمر ؟ . . . الحديث .
معمر : عن همام بن منبه ، سمعت ابن عباس يقول : ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية ، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب ، لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب . يعني ابن الزبير .
أيوب : عن أبي قلابة ; قال كعب بن مالك : لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية .
مجالد : عن الشعبي ، عن قبيصة بن جابر ; قال : صحبت معاوية ، فما رأيت رجلا أثقل حلما ، ولا أبطأ جهلا ، ولا أبعد أناة منه .
ويروى عن معاوية قال : إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي .
مجالد : عن الشعبي ، قال : أغلظ رجل لمعاوية ، فقال : أنهاك عن السلطان ، فإن غضبه غضب الصبي ، وأخذه أخذ الأسد .
[ ص: 154 ] الأصمعي : حدثنا ابن عون قال : كان الرجل يقول لمعاوية : والله لتستقيمن بنا يا معاوية ، أو لنقومنك ، فيقول : بماذا ؟ فيقولون : بالخشب ، فيقول : إذا أستقيم .
عن ابن عباس ، قال : علمت بما كان معاوية يغلب الناس ; كان إذا طاروا وقع ، واذا وقعوا طار .
مجالد : عن الشعبي ، عن زياد بن أبيه ، قال : ما غلبني معاوية في شيء إلا بابا واحدا ; استعملت فلانا ، فكسر الخراج . فخشي أن أعاقبه ، ففر مني إلى معاوية . فكتبت إليه : إن هذا أدب سوء لمن قبلي . فكتب إلي : إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة ; أن نلين جميعا فيمرح الناس في المعصية ، ولا نشتد جميعا ، فنحمل الناس على المهالك ، ولكن تكون للشدة والفظاظة ، وأكون أنا للين والألفة .
أبو مسهر : عن سعيد بن عبد العزيز ، قال : قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار .
وقال عروة : بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف ، فوالله ما أمست حتى فرقتها .
حسين بن واقد : عن ابن بريدة ، دخل الحسن بن علي على معاوية ، فقال : لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي ، فأعطاه أربعمائة ألف ========================جرير : عن مغيرة ، قال : بعث الحسن وابن جعفر إلى معاوية [ ص: 155 ] يسألانه . فأعطى كلا منهما مائة ألف ، فبلغ ذلك عليا ، فقال لهما : ألا تستحيان ؟ رجل نطعن في عيبه غدوة وعشية تسألانه المال؟ قالا : لأنك حرمتنا وجاد هو لنا .
أبو هلال ، عن قتادة ، قال معاوية : واعجبا للحسن ! شرب شربة من عسل بماء رومة ، فقضى نحبه . ثم قال لابن عباس : لا يسوؤك الله ولا يحزنك في الحسن . قال : أما ما أبقى الله لي أمير المؤمنين فلن يسوءني الله ولن يحزنني . قال : فأعطاه ألف ألف من بين عروض وعين . قال : اقسمه في أهلك .
روى العتبي قال : قيل لمعاوية : أسرع إليك الشيب ، قال : كيف لا ; ولا أعدم رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه ، فإن أصبت لم أحمد ، وإن أخطأت سارت به البرد .
قال مالك : إن معاوية قال : لقد نتفت الشيب مدة . قال : وكان يخرج إلى مصلاه ، ورداؤه يحمل من الكبر . ودخل عليه إنسان ، وهو يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : هذا الذي كنتم تمنون لي .
محمد بن الحسن بن أبي يزيد عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : لما أصاب معاوية اللقوة بكى ، فقال له مروان : ما يبكيك ؟ قال : راجعت ما كنت عنه عزوفا ، كبرت سني ، ورق عظمي ، وكثر دمعي ، [ ص: 156 ] ورميت في أحسني وما يبدو مني ، ولولا هواي في يزيد ، لأبصرت قصدي .
هشام بن عمار : حدثنا عبد المؤمن بن مهلهل ، حدثني رجل قال : حج معاوية ، فاطلع في بئر عادية بالأبواء ، فضربته اللقوة فدخل داره بمكة ، وأرخى حجابه ، واعتم بعمامة سوداء على شقه الذي لم يصب ، ثم أذن للناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! إن ابن آدم بعرض بلاء ; إما مبتلى ليؤجر ; أو معاقب بذنب ، وإما مستعتب ليعتب ، وما أعتذر من واحدة من ثلاث ، فإن ابتليت ، فقد ابتلي الصالحون قبلي ، وإن عوقبت ، فقد عوقب الخاطئون قبلي ، وما آمن أن أكون منهم ، وإن مرض عضو مني ، فما أحصي صحيحي . ولو كان الأمر إلى نفسي ، ما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني ، فأنا ابن بضع وستين ، فرحم الله من دعا لي بالعافية ، فوالله لئن عتب علي بعض خاصتكم ، لقد كنت حدبا على عامتكم ، فعج الناس يدعون له ، وبكى .
مغيرة : عن الشعبي ، قال : أول من خطب جالسا معاوية حين سمن .
[ ص: 157 ] أبو المليح : عن ميمون بن مهران ، قال : أول من جلس على المنبر ، واستأذن الناس معاوية ; فأذنوا له .
وعن عبادة بن نسي : خطبنا معاوية بالصنبرة فقال : لقد شهد معي صفين ثلاثمائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بقي منهم غيري .
إسناده لين .
يوسف بن عبدة ; سمعت ابن سيرين يقول : أخذت معاوية قرة فاتخذ لحفا خفافا تلقى عليه ، فلم يلبث أن يتأذى بها . فإذا رفعت ، سأل أن ترد عليه ، فقال : قبحك الله من دار ، مكثت فيك عشرين سنة أميرا ، وعشرين سنة خليفة ، وصرت إلى ما أرى .
قال الزبير بن بكار : كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم ، وأمر بالنيروز والمهرجان ، واتخذ المقاصير في الجامع ، وأول من قتل مسلما صبرا وأول من قام على رأسه حرس ، وأول من قيدت بين يديه الجنائب ، وأول من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام ، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة ، وكان يقول : أنا أول الملوك .
قلت : نعم . فقد روى سفينة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة . ثم تكون ملكا فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عاما ، [ ص: 158 ] وولي معاوية ، فبالغ في التجمل والهيئة ، وقل أن بلغ سلطان إلى رتبته ، وليته لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد ، وترك الأمة من اختياره لهم .
علي بن عاصم : عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : لما احتضر معاوية ، قال : إني كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، وإني دعوت بمشقص ، فأخذت من شعره ، وهو في موضع كذا وكذا ، فإذا أنا مت ، فخذوا ذلك الشعر ، فاحشوا به فمي ومنخري .
وروي بإسناد عن ميمون بن مهران نحوه .
محمد بن مصفى : حدثنا بقية عن بحير ، عن خالد بن معدان ، قال : وفد المقدام بن معدي كرب ، وعمرو بن الأسود ، ورجل من الأسد له صحبة إلى معاوية . فقال معاوية للمقدام : توفي الحسن ، فاسترجع . فقال : أتراها مصيبة ؟ قال : ولم لا ؟ وقد وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره وقال : هذا مني ، وحسين من علي . فقال للأسدي : ما تقول أنت ؟ قال : جمرة أطفئت . فقال المقدام : أنشدك الله ! هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن [ ص: 159 ] لبس الذهب والحرير ، وعن جلود السباع والركوب عليها ؟ قال : نعم . قال : فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك . فقال معاوية : عرفت أني لا أنجو منك .
إسناده قوي=============ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم ، وما هو ببريء من الهنات ، والله يعفو عنه .
المدائني : عن أبي عبيد الله ، عن ، عبادة بن نسي ، قال : خطب معاوية ، فقال : إني من زرع قد استحصد ، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني ، ولا يأتيكم بعدي خير مني ، كما أن من كان قبلي خير مني . اللهم قد أحببت لقاءك فأحب لقائي .
الواقدي : حدثنا ابن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى ، قال : قال معاوية ليزيد وهو يوصيه : اتق الله ، فقد وطأت لك الأمر ، ووليت من ذلك ما وليت ، فإن يك خيرا فأنا أسعد به ، وإن كان غير ذلك شقيت به . فارفق بالناس ، وإياك وجبه أهل الشرف والتكبر عليهم .
وقيل : إن معاوية قال ليزيد : إن أخوف ما أخافه شيء عملته في أمرك ، شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما قلم أظفاره ، وأخذ من شعره ، فجمعت ذلك ، فإذا مت ، فاحش به فمي وأنفي .
عبد الأعلى بن ميمون بن مهران : عن أبيه ; أن معاوية أوصى فقال : [ ص: 160 ] كنت أوضئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزع قميصه وكسانيه ، فرفعته ، وخبأت قلامة أظفاره ، فإذا مت ، فألبسوني القميص على جلدي ، واجعلوا القلامة مسحوقة في عيني ، فعسى الله أن يرحمني ببركتها .
حميد بن هلال ، عن أبي بردة ; قال : دخلت على معاوية حين أصابته قرحته ، فقال : هلم يا ابن أخي فانظر ; فنظرت ، فإذا هي قد سرت .
قال أبو عمرو بن العلاء : لما احتضر معاوية ، قيل له : ألا توصي ؟ فقال : اللهم أقل العثرة ، واعف عن الزلة ، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك ، فما وراءك مذهب . وقال : هو الموت لا منجى من الموت والذي نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع

قال أبو مسهر : صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني .
قال أبو عبيدة : عن أبي يعقوب الثقفي ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : لما ثقل معاوية ، قال : احشوا عيني بالإثمد ، وأوسعوا رأسي دهنا ، ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له وأجلس وسند ، ثم قال : ليدن الناس ، فليسلموا قياما ، فيدخل الرجل ، ويقول : يقولون : هو لما به ، وهو أصح الناس ، فلما خرجوا ، قال معاوية : [ ص: 161 ] وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ، قال : أخرج معاوية يديه كأنهما عسيبا نحل ، فقال : هل الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا . والله لوددت أني لم أغبر فيكم إلا ثلاثا ، ثم ألحق بالله . قالوا : إلى مغفرة الله ورضوانه . قال : إلى ما شاء الله . قد علم الله أني لم آل ، ولو أراد الله أن يغير غير .
وعن عمرو بن ميمون ، قال : مات معاوية وابنه يزيد بحوارين .
أبو مسهر : حدثنا خالد بن يزيد ، حدثني سعيد بن حريث ، قال : مات معاوية ، ففزع الناس إلى المسجد ، فأتيت . فلما ارتفع النهار وهم يبكون في الخضراء ، وابنه يزيد في البرية وهو ولي عهده ، وكان مع أخواله بني كلب . فقدم في زيهم ، فتلقيناه ، وهو على بختي له زجل . قال : وليس عليه عمامة ولا سيف . وكان عظيم الجسم سمينا ، فسار إلى [ ص: 162 ] باب الصغير ، فنزل ، ومشى بين يديه الضحاك الفهري إلى قبر معاوية ، فصفنا خلفه ، وكبر أربعا ، ثم ركب بغلته إلى الخضراء ثم نودي وقت الظهر : الصلاة جامعة ، فاغتسل ، وخرج ، فجلس على المنبر ، وعجل العطاء ، وأعفاهم من غزو البحر ، فافترقوا وما يفضلون عليه أحدا .
قال الليث وأبو معشر وعدة : مات معاوية في رجب سنة ستين فقيل : في نصف رجب وقيل : لثمان بقين منه وعاش سبعا وسبعين سنة .
مسنده في " مسند بقي " ; مائة وثلاثة وستون حديثا . وقد عمل الأهوازي مسنده في مجلد . واتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث ، وانفرد البخاري بأربعة ، ومسلم بخمسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق